fbpx

هنا القصة الثالثة

سامر القرنشاوي

مقالات الكاتب

الجهر بالصيام: جدل الدولة الوطنية والمواطنة … أو قتلهما

أما وقد انتهى شهر الصوم المبارك، ترى هل فكّر من احتجوا على المجاهرة بالفطر فيه وطالبوا أجهزة الدولة بمنعه، في مصر مثلاً، في أنهم إن التزموا العدل تجاه المصريين الآخرين، كما يقضي منطق الوطن والمواطنة، سيكون عليهم احترام صوم القبطي أيضاً؟ هل “سيستتر” هؤلاء كلما رغبوا في لحمٍ أو أي من منتجات الألبان أو الأسماك طوال شهور الصوم القبطي الطويلة التي يمتنعون فيها عن تناول أي طعام فيه “روح”؟ أم أن مصر (أو أي من البلدان شئت) ليست وطناً بل غنيمة تفرض فيها ما شئت؟ ومخالفوك، لا فقط في الدين، لكن حتى في فهمهم نفس الدين، أعداء أو رعايا محكومون لا مواطنين تتساوى معهم؟ ما الذي تعنيه، إن عنت شيئاً على الإطلاق، المواطنة هنا؟ ما الذي تعنيه، إن كان لها وزن، الدولة الوطنية هنا؟ أسئلة يجبرنا المنطق على طرحها كلما سمعنا طبول حرب معركة الجهر بالفطر، أسئلةٌ قلما نسمعها.

هل يتوقع من يلوم سلطةً دينية على التزامها عقيدتها أن تخالف ما تقوم عليه؟ لا أتوقع من الكنيسة القبطية أو الكاثوليكية، مثلاً لا حصراً، أن تغيرا موقفهما من الطلاق، لكن أتوقع من دولةٍ وطنية ملك لكل مواطنيها من دون تفرقةٍ على أساس العقيدة، أن تحمي حق من رغب في ترك الكنيستين أو تمرد عليهما. لكن حينما تفرض النخبة الحاكمة (أو الفرد الحاكم) بحكم تحالف أو توظيف سياسي فهم هذه المؤسسة الدينية أو تلك، من نلوم ساعتها؟ المؤسسة وما تعتقد وما هي منوطة بالحفاظ عليه أم النظام الذي رهن نفسه بعقيدةٍ ما؟  أم هل الدولة معرفةٌ على أساس الانتماء لاعتقادٍ معين يمنح السيادة لأتباعه ومن ثم هي دولة هؤلاء دون غيرهم؟ هل يلامُ فقيهٌ على فتواه بأن الجهر بالصوم معصية؟ صحيح، على المفطر أن يسعى قدر ما استطاع إلى إخفاء فطره، هذا أمرٌ لا خلاف عليه. العيب كل العيب على دولة تدعي أنها وطنية تطارد شرطتها المفطرين في الشارع كما حدث في سنوات سابقة في مصر دون سند قانوني. في إطار دولة تدعي أنها دولة وطنية، الالتزام الديني خيار شخصي محض، المقدس المفترض حمايته هنا هو حرية الاختيار. فقط في دولة دينية، دولة حُكماً شمولية، يُجبر الناس على سلوك معين باسم الدين. علماً بأن توظيف الدين في السياسة عموماً ومغازلة مشروع الدولة الدينية ودعاتها ليس غريباً عن أنظمة كثيرة لا تعرف نفسها كأنظمة دينية في منطقتنا، إن لم تدعِ أنها الحائط المنيع أمام هذا المشروع عينه. المحك أن يكون توظيف الدين هذا لمصلحة النظام، لا عقيدة حقيقة هنا. لذلك في سوريا البعث “العلمانية” تمدد نفوذ تيارات دينية تحت مسمى “اللاسياسية”، وفي مصر أسس “الرئيس المؤمن” أنور السادات دولة “العلم والإيمان” ووظّف بعده مبارك السلفيين وتلاعب مع الإخوان وبهم، أما اليوم فالسلفيون ركنٌ أساس في البرلمان. طبعاً مع هذا التوظيف ينشر هؤلاء قيمهم في المجتمع ويتمددون، ثم نسأل من أين يأتي الإسلام السياسي والعنف باسم الدين!

جدال الجهر بالفطر كأمر يعني الدولة في رمضان لا يناقض مفهوم الدولة الوطنية وحسب، بل يفرض أيضاً فهماً معيناً للمجتمع وللإسلام، بل وللدين والتديّن. مع الحض على عدم الجهر بالصيام، لا جدال شرعاً (أي داخل التقليد الفقهي الإسلامي) في أعذارٍ مقبولةٍ  للفطر. لذلك التضرّر الشديد من رؤية المفطر يثير قدراً من الاستغراب إن أخذنا بهذه الأعذار في الاعتبار، أنّى لسيدةٍ حامل أو مريض بالسكري مثلاً، على قارعة الطريق، أن “تستتر” أو “يستتر” بفطره إن اضطر إلى طعامٍ أو شراب؟ أما القول إن الأكل والشرب أمام الصائم يزيد صيامه مشقة، فلا أسخف منه، الصيام قرار فردي قبل كل شيء، وما أسهل أن تشرب أو تأكل خلسة إن أردت، ناهيك بأن تحدي الصيام الأكبر ليس الجوع والعطش، بل الترفع عن الكبائر كلها، الصيام بهذا المعنى ترويضٌ للنفس على اجتناب ما لا يصح مما يرتكبه كثر منا كل يوم من دون تفكير (مثلاً من نميمة واغتياب)، أين رؤية آكلٍ أو شاربٍ من هذا؟ ومرة أخرى أين غير المسلم من ذلك ناهيك بالمسلم المعذور في إفطاره أو المسلم الذي قرر أن يفطر لأمر ما يعنيه هو؟

يحيلنا حديث الجهر بالفطر ودور الدولة في ضبطه إلى نموذج دول بعينها تنتسب إلى الإسلام، وإلى المفهوم السلفي تحديداً (آخر هذه كانت داعش)، حيث ممنوع مثلاً أن تكون خارج المسجد ساعة الصلاة، وكأن الصلاة هي فقط للجماعة ومكانها الوحيد المسجد، ووقتها فقط بُعيد الآذان مباشرةً، لكن الافتراض هنا أن “ولي الأمر” (مفهوم مُسقط من الماضي خارج سياقه التاريخي) أعلم منك بما هو خير لك في الدنيا والدين، لمَ إذاً يكون لك حرية حتى في عقيدتك؟ للدولة هنا (ولي الأمر المزعوم) دورٌ في علاقة الإنسان بالديني المقدس، إذ تفرض فهماً معيناً لهذا الأخير، مرة أخرى منطقٌ لا مكان له في مشروع وطني جامع. الطريف هنا، وبمنظور يتسقُ تماماً مع الإسلام السياسي، الغياب الكامل للتاريخانية، للوعي بالسياق التاريخي لما أفُتي به سابقاً. “ولي الأمر” هنا هو الدولة القادرة على فرض سلوك معين يرتبطُ بآليات الحكومات الحديثة من رقابة وسيطرة ، هذا الكيان شديد القدرة والتحكم الذي لم تعرفه البشرية إلا في القرنين الماضيين وخدمته تكنولوجيا وخبرة تنظيمية أكثر حداثة من ذلك بكثير، ترى هل عرف الفقهاء الذين نظّروا قبل قرون لدور “ولي الأمر” شيئاً عن هذه الدولة وجبروتها وسطوتها، بما في ذلك الخصوصيات؟ الإجابة البديهية بالنفي، من ثم بديهي أن نشكك أيضاً في المشروع الشمولي المرعب الذي تأخذنا إليه أي دعوة للتحكم في سلوك الأفراد باسم الإسلام، مشروعٌ أنت فيه إمعةٌ مجبرٌ على الانصياع ، ولست فرداً، وقطعاً لست مواطناً في دولةٍ مسخ، لا هي الوطنية الحديثة التي تدعي، ولا هي الدينية الخالصة التي تتمثل وهماً محضاً لم يوجد يوماً.

 

إقرأ أيضاً