هنا القصة الثالثة

محمد خلف

مقالات الكاتب

“الجماعة الغامضة”: الاخوان المسلمون في أوروبا ⅔ ..بريطانيا ومفاجآت الإرهاب

في كتابه (لعبة الشيطان) يخصص الباحث روبرت درايفوس فصلاً كاملاً يتحدث فيه عن علاقة جماعة الإخوان المسلمين ببريطانيا، ويشير إلى أن “الحركة تأسست على يد حسن البنا بمنحة من شركة السويس البريطانية”. وأوضح في الكتاب الذي صدر عن مركز دراسات الغرب والإسلام عام 2010 أن “الحركة تمتعت خلال ربع قرن على تأسيسها بالدعم من رجال المخابرات والديبلوماسيين البريطانيين”. وعام 2008 أعلن عمدة لندن كين لفنجستون أمام عشرات الصحافيين في معرض إجابته عن سؤال من أحدهم عن خطر الجماعات الأصولية “أن جماعة الإخوان كبرى هذه الحركات تربطنا بها علاقة جيدة، وكانت تتلقى تمويلاً مادياً من الخارجية البريطانية منذ نشأتها”.

يعزو باحثون وديبلوماسيون غربيون قيام بريطانيا بدعم الإخوان في مصر في بداية ظهورهم السياسي والتنظيمي إلى السعي لتأمين مصالحها الإستراتيجية التي تمثلت آنذاك بإسقاط نظام حكم جمال عبد الناصر خوفاً من اتساع تأثير الحركات القومية الرايكالية ونفوذها، وتمدد الشيوعية. وقد عمد حسن البنا عندما التقى بممثلين عن الحكومة البريطانية الى تحذيرهم من “أن الشيوعية في الشرق الأوسط تشكل خطراً داهماً على كل الشعوب”، موحياً لهم بأن “الإخوان يقاومون الشيوعية بكل الوسائل الممكنة”، وكانت استجابتهم لطلب البنا دليلاً واضحاً على جهلهم بواقع الحياة الاجتماعية في تلك الفترة التي تميزت بعمق الاعتدال الديني في ذهنية الشعوب العربية وبالأخص الشعب المصري، وفقاً للمؤلف.

تمثل لندن بالنسبة للإخوان عاصمة ثانية لهم بعد مصر بحسب الخبير في شؤون الحركات الإسلامية والإرهاب الدولي منير اديب الذي كتب “كما تمثل القاهرة بلد المنشأ فإن بريطانيا تمثل الحماية والبديل”.

عام 1997 أسس الإخوان المنظمة الأكبر في المملكة المتحدة باسم “الرابطة الإسلامية”، وذلك بإشراف مباشر من الأمين العام للتنظيم الدولي آنذاك كمال الهلباوي. وتمتلك الجماعة بحسب بعض البيانات 11 فرعاً في بريطانيا، فيما تشير أخرى إلى ضعف هذا العدد. ولدى التنظيم الدولي مؤسسات اخرى في بريطانيا تتلقى تمويلات مالية من قطر. ويلفت كتاب “التأريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين” الصادر عن المركز القومي للترجمة عام 2014 إلى “أن انتقال عناصر الجماعة أعضاء وقيادات إلى أوروبا بدأ منذ نهاية خمسينات القرن الماضي” ومن أبرزهم سعيد رمضان الذي أسس المركز الإسلامي في جنيف عام 1961، ليكون مقر قيادة دولي للجماعة في أوروبا. وبحسب مؤلف الكتاب مارك كوريس: “رأينا بعد ذلك كيف انتقل آلاف من أفراد وقيادات الجماعة إلى أوروبا لينشئوا شبكات علاقات ومنظمات إسلامية كثيرة في الدول الأوروبية الاخرى”.

تتحكم الجماعة بـ13 مؤسسة خيرية ومالية كبرى في بريطانيا، وتستثمر أموالاً بملايين الجنيهات في قطاعات مختلفة، إضافة إلى ما يعرف باسم “المنظمة الإسلامية للإغاثة حول العالم” التي رأسها عصام الحداد، ابتداءً من عام 1992 وحتى توليه منصب مستشار للرئيس المصري المخلوع الإخواني محمد مرسي. ومن المؤسسات الأخرى: الرابطة الإسلامية (MAB)، والمجلس الإسلامي في بريطانيا (MCB)، المنتدى الإسلامي في لندن عام 1986 بوصفه مؤسسة خيرية تقدم خدمات خيرية واجتماعية وقام بإنشاء مدارس، إضافة إلى كلية لندن المفتوحة للدراسات الإسلامية عام 2000، الهيئة الاستشارية للائمة والمساجد (MINAB)، مؤسسة الثقة الأوروبية في لندن عام 1996، اتحاد المنظمات الطلابية الإسلامية عام 1962. ووفقاً لتقرير نشره موقع (البوابة) في مارس/ آذار عام 2017، فإن عدد المؤسسات الإخوانية تجاوز 30 مؤسسة منها منتدى الشباب المسلم في أوروبا (FIOE) وهو شبكة تتألف من 42 منظمة تجمع شباباً من أكثر من 26 بلداً، إضافة إلى امتلاكها مراكز ابحاث ومنظمات اعلامية من بينها: مؤسسة قرطبة للحوار العربي– الأوروبي، ويديرها الإخواني أنس التكريتي وهو عضو بمجلس شورى الرابطة الإسلامية في بريطانيا، وقناة (الحوار) التلفزيونية ومؤسسة ميديا (كومينيكيشن ليميتد) وتحصل كلها على تمويلات مالية سخية من دولة قطر.

معطيات وشكوك وإجراءات

عام 2014 وتحت ضغط المعطيات الاستخباراتية عن علاقات الإخوان بالإرهاب الدولي، أصدر رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ديفيد كاميرون تعليمات تقضي بتشكيل لجنة موسعة لتقصي الحقائق عن الجماعة وأنشطتها وروابطها الايديولوجية والتنظيمية بالإرهاب الدولي. وبعد نحو 20 شهراً من البحث والتحري والتحقيق المتأني أعلنت اللجنة في تقريرها النهائي أن “الانتماء إلى الإخوان المسلمين يمثل بداية الطريق نحو التطرف”. وتحدث وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (أليستر بيرت) عن نية الحكومة تغيير سياسة مكافحة الارهاب رداً على العمليات الإرهابية عام 2017 وتشديد الإجراءات الأمنية والرقابة المباشرة على الجماعات المتطرفة التي “تستخدم جمعيات ومؤسسات تكسبها نفوذاً وحجماً أكبر تحت ستار الدين الذي تسخره لأهدافها السياسية” وذلك بتعبير الكولونيل تيم كولينز مؤسسة منظمة (نيوسينشري) لمكافحة الإرهاب، الذي أكد أن “تنظيم الإخوان يستطيع أن يلعب بعقول بعض المسلمين في الغرب، وتحويلهم إلى أشخاص خطيرين ومستعدين للقيام بأفعال تضر بأوطانهم الجديدة”.

الإخوان والمرونة السياسية في أوروبا

اعترف قادة الجماعة بحرصهم على تكييف تنظيماتهم في أوروبا مع الاوضاع السياسية والاجتماعية والقانونية في هذه الدول. وكان نائب المرشد الاعلى ابراهيم منير المقيم في لندن حدد في مقابلة مع جريدة المصري في 6 يوليو/ تموز عام 2009″ الاختلاف بين الإخوان المسلمين في مصر والإخوان في أوروبا” مؤكداً “تكييف النموذج الأصلي”.

في دراسة اعدتها الباحثة فالتينا كولومبو عن (الإسلام في أوروبا) تشير إلى “أن العمل الإسلامي في أوروبا مختلف عن العالم العربي، وله تنظيم مستقل تماماً، فهو اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، وهو مسجل في الاتحاد الأوروبي، وله مقر في بروكسيل”. ونقلت عن منير إشارته إلى وجود تنظيمات غربية متفرعة عن الإخوان المسلمين، مظلتها الرئيسة، التي تقابل رأس الهرم، هي اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا الذي تنشر بياناته في ( رسالة الإخوان)،وهو يضم تنظيمات انشأها افراد لديهم صلات قوية بالإخوان، “وأنشأ هؤلاء الأفراد في كل بلد غربي مجموعة من المؤسسات التي تتخذ أشكالاً محلية مألوفة: جماعات لحقوق الانسان، مؤسسات دينية، مؤسسات بحثية، اتحادات طلابية، وجماعات ضغط الخ”.

تنقسم المنظمات الإسلامية في أوروبا برأى الباحثين في شؤون الجماعات الإسلامية الاصولية إلى نوعين: الأول، منظمات أو جمعيات عامة تتولى الأنشطة الدينية والاجتماعية والتعليمية، وتربطها علاقات تختلف في قوتها بجماعة الإخوان، فهي اما جمعيات دعوية، أو جمعيات متعاطفة، أو جمعيات منتمية رسمياً إلى الإخوان. أما النوع الثاني فهو كيانات أكثر تخصصاً مكملة لشبكة الدعوة الإسلامية مثل: جمعيات الشباب والطلاب وجمعية المرأة مثل “المنتدى الأوروبي للنساء المسلمات”، وجمعيات خيرية مثل “الإغاثة الإسلامية”، وجمعيات طبية “ابن سينا” وجمعيات فلسطينية “لجنة إغاثة ودعم فلسطين”.

عام 1989 أعلن الإخوان رسمياً عن إنشاء (اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا)، وذلك في مدينة ماركفيلد قرب لستر في المملكة المتحدة،وتم نقله إلى بروكسيل عام 2007 في إطار الاهتمام الكبير بتوسيع وتدعيم مواقعهم في القارة الأوروبية، ولمواكبة النشاطات المتزايدة مع الهيئات الأوروبية. ويجمع هذا الاتحاد تحت مظلته نحو 500 جمعية وطنية من 28 بلداً، نصفها تقريباً من فرنسا. تقول كولومبو إن “المنظمات الإسلامية الأوروبية الـ19 التي تمثل الأعضاء المؤسسين، ترتبط جميعها بتنظيم الإخوان المسلمين الدولي وهي: اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية، الجمعية الإسلامية في ألمانيا، الرابطة الإسلامية في بريطانيا، رابطة مسلمي بلجيكا، رابطة مسلمي سويسرا، الجمعية الإسلامية السويدية، والاتحاد الإسلامي في إيطاليا”.

يضطلع الاتحاد بمهمات كثيرة من بينها: توسيع التعاون والتنسيق بين الجماعات الإسلامية في أوروبا، والتشجيع على المشاركة في انتخابات البرلمان الأوروبي. ووضع خطط واستراتجيات الإخوان في أوروبا. ويتضح من أنشطة الاتحاد ومبادراته برأي كولومبو” أن نموذج حسن البنا لأسلمة المجتمع من اسفل إلى أعلى عبر الدعوة والتعليم ما زال حياً، على رغم من تكييفه”. وبرأي الباحث آيان جونسون إن “أحد أهداف هذا الاتحاد يتمثل في لم الشمل والتنسيق بين جماعات الإخوان في أكثر من عشرين دولة. ويأتي بعده “المجلس الأوروبي للفتوى والبحوث” الذي مقره دبلن، ومن ثم “المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية” ومهمته تدريب الائمة في ثلاث جامعات موزعة على فرنسا وويلز، إضافة إلى مجموعة من الكيانات الاقتصادية والتي وظيفتها توصيل الاموال المقدمة من الخليج إلى المنظمات والحركات التابعة للإخوان”. ويضيف “أن هذه الكيانات والمنظمات على تعددها وتشعبها تتلاقى في النهاية عند طرف الإخوان المسلمين عبر شبكة من المستشارين على رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي، كما تتلقى هذه الكيانات تمويلات سخية من الجهات الأجنبية”. وأنشأ الإخوان 6 معاهد تقوم بتعليم الدين الإسلامي في أوروبا وهي: المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في فرنسا في عام 1991، وهو مختص في الدراسات الإسلامية واللغة العربية والدورات القرآنية، المعهد الأوروبي للعلوم الانسانية في المملكة المتحدة عام 1998، والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في فرانكفورت بألمانيا عام 2012.

مساجد سياسية

وتناولت مجموعة من الدراسات التي أعدتها مركز بحوث أوروبية وغربية مراكز العمليات السياسية للجماعة في أوروبا والولايات المتحدة والتي في الجوهر تركزت في المساجد التي يديرها أئمة من التنظيم. ويشير الباحث الدكتور عبد الخالق فاروق إلى أن “حركة بناء المساجد في هذه الدول قد تضاعفت خلال العقود الأخيرة، بما يتناسب مع نمو التنظيم وتنامي وزيادة عدد المهاجرين من الدول العربية والإسلامية طلباً للجوء أو للدراسة في الجامعات الأوروبية والولايات المتحدة. وتشير بيانات غير مكتملة إلى أن عدد المساجد في المانيا التابعة للجماعة تبلغ أكثر من 50 مسجداً في عام 2011، فيما في بريطانيا وصل عددها عام 2002 إلى329 مسجداً، منها نحو 50 مسجدا في برمنغهام، وتضاعف عددها ليصل خلال عام 2011 إلى 1400 مسجد في كل المدن والمقاطعات البريطانية واسكتلندا، أما في دول أوروبا الغربية الأخرى فيزيد عددها على ثلاثة آلاف مسجد، من بينها نحو 1200 تديرها هيئات تركية.

واتسع وجود الإخوان ليشمل النمسا التي تعتبر أحد المراكز المهمة للتنظيم الدولي، وكشف تقرير حكومي كيف أن الجماعة استخدمت الاموال التي تقدمها الحكومة النمسوية للمراكز الإسلامية في نشر التطرف، وتطرق إلى استخدام الإخوان البلاد قاعدة انطلاقٍ لأنشطتهم في الدول المختلفة. وخلص التقرير أيضاً إلى أن الجماعة استخدمت وعلى نحو انتقائي العنف وفي بعض الأحيان الإرهاب، تحقيقاً لمآربها المؤسساتية، واعتبر تمكين المنظمات التابعة للإخوان المسلمين في القارة الأوروبية وفر لها أرصدة وإمكانات جديدة للسعي ليس وراء مطامعها السياسية واختراقها المجتمعات الأوروبية فحسب، وإنما ساهم أيضاً في تقويض دمج المسلمين في هذه المجتمعات.

في بلجيكا أسس الإخوان “رابطة مسلمي بلجيكا” (LMB) عام 1996 وزعيمها الروحي باسم حتاحت، وتمتلك عشرة مساجد ومقار في بروكسيل وانفير وغراند وفيرفييه. أما في هولندا فلقد أسست الجماعة ما يعرف باسم” رابطة المجتمع المسلم” ومركزها لاهاي وتضم مؤسسات عديدة منها” مؤسسة اليوروب تراست نيديرلاند-ETN”، و”المعهد الهولندي للعلوم الإنسانية والإغاثة الإسلامية”. في إيطاليا يعتبر “اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية(UCOII) الممثل الرسمي للإخوان، وقد تأسس عام 1990، ويضم ما نحو 130 جمعية ويتحكم في 80 في المئة من مساجد البلاد. ولديه فرع ثقافي وآخر نسائي وثالث للشباب، وتقوم الرابطة بإصدار مجلة باسم “رسول الإسلام”. وفي سويسرا أسست الجماعة “رابطة مسلمي سويسرا” ولديها فروع في بازل وجنيف وتيسين وبيرن وزيوريخ وغيرها. أما في فرنسا فيدير الإخوان “اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا”، ويعتبر المحللون فرنسا مركزاً للايديولوجية الإخوانية، إذ فيها ما يقرب من 250 جمعية و100 مكان للعبادة خاصة بالإخوان. واستنسخ الإخوان هذا النموذج في العمل التنظيمي والدعوي والسياسي والثقافي والإعلامي في البلدان الأوروبية.

تلفت دراسة آيان جونسون Europe Underestimated Islamists، التي نشرتها مجلة Middle Esat Forum، الفصلية في عددها الصادر في خريف 2011 إلى “أن الوضعية السياسية في أوروبا، بكل ما تنضوي عليه من نظم ديموقراطية ودساتير مؤيدة للحريات ونزوع نحو التعددية، في مقابل بيئة الاستبداد العربي، كانت تمثل الحاضنة الخصبة لهذا الغرس الذي كانت بذرته الأولى “المعهد العالمي للفكر الإسلامي”، والذي تمثلت مهمته الاساسية في التنظير للحركة الإسلامية الإخوانية في القارة الأوروبية”.

“الجماعة الغامضة”: الإخوان المسلمون في أوروبا 1/3.. الإنطلاقة الألمانية

إقرأ أيضاً