هنا القصة الثالثة

محمد خلف

مقالات الكاتب

“الجماعة الغامضة”: الإخوان المسلمون في أوروبا1/3 .. الانطلاقة الألمانية

 

تحيط جماعة الإخوان المسلمين عملها بالسرية التامة ما دفع إلى وصفها بـ”الجماعة الغامضة”. منذ تأسيسها على يد حسن البنا عام 1928 تجاهد الجماعة هذه لعدم الكشف، إلا عن أقل قدر ممكن من المعلومات عن سياساتها ونشاطاتها التي في غالبيتها سرية، وشبكاتها المالية الواسعة وتنظيماتها المتعددة. وتمثل أوروبا فضاءً قديماً وصلت إليه الجماعة في أكثر الأحيان على شكل أفراد أسسوا في فترة لاحقة شبكة علاقات ضمت جنسيات مختلفة، تداخلت فيها المصاهرات السياسية بالعلاقات الشخصية، وجمعتهم الخطط والأهداف.

توسعت نشاطات الإخوان المسلمين في أوروبا وتمددت عبر مؤسسات ومراكز كثيرة ومتشعبة. في هذه السلسلة المكونة من ٣ حلقات نستعرض كيف بدأت تلك الجماعة ونمت في أوروبا.. البداية من ألمانيا

في كتابها “مستقبل الإخوان المسلمين: استراتيجيتهم السرية.. وشبكتهم العالمية”، تشير الباحثة النمساوية (بترا رامساور) إلى “أن عدد فروع الإخوان المسلمين يصل إلى 79 فرعاً في بلدان كثيرة في العالم”، وقالت: “إن انتشار الإخوان في أوروبا بدأ في السبعينات ومن ألمانيا بالتحديد وبشكل كبير من المركز الإسلامي في ميونيخ”.

تقاطر إلى ألمانيا خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي آلاف الطلاب المسلمين من الشرق الأوسط للدراسة في الجامعات الألمانية، ولكنهم غادروا بغالبيتهم بلدانهم مع اشتداد حملات القمع التي شنتها الانظمة الحاكمة ضد الجماعات الإسلامية، وكان إخوان مصر في مقدمة طالبي اللجوء السياسي في أوروبا، وفي ألمانيا الغربية آنذاك التي منحتهم حق الإقامة.

في دراسته حول الظاهرة الجهادية في أوروبا يقول الخبير خالد دوران، “حكومة ألمانيا الغربية  كانت قطعت علاقاتها الديبلوماسية مع الدول العربية التي اعترفت بألمانيا الشرقية، وأقامت معها علاقات ديبلوماسية وفي مقدمها سورية ومصر، وسارعت إلى استضافة المنشقين عن هذه الأنظمة وغالبيتهم من الإسلاميين، فضلاً عن أن جماعة الإخوان كانت تعاونت مع النازيين قبلاً وأثناء الحرب العالمية الثانية حتى أن بعضهم قاتل في فرقة (Handschar) البوسنية سيئة الصيت.

يكشف الوضع في ألمانيا بالتحديد أن الإخوان المسلمين قد أحرزوا نفوذاً مهماً وقبولاً سياسياً، أكثر من أي مكان آخر في أوروبا لدرجة أن التنظيمات الإسلاموية في البلدان الأوروبية الأخرى تقتدي بشكل كبير بنظيرتها الألمانية. ويعدّ المصري سعيد رمضان أحد الرواد الأوائل للإخوان في ألمانيا وفق ما أكد لورينزو فيدينو Lorenzo Vidino، نائب مدير Investigative Project، وهو معهد أبحاث لمناهضة الإرهاب، مركزه واشنطن. وكان رمضان سكرتيراً شخصياً لمؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، وكان قاد متطوعي الإخوان في فلسطين عام 1948. وقبل انتقاله إلى ألمانيا كان وصل إلى جنيف عام 1958 ودرس في إحدى جامعاتها الحقوق. وأسس رمضان في ألمانيا الجمعية الإسلامية وترأسها حتى عام 1968، كما ساهم في تأسيس رابطة مسلمي العالم التي كانت تتلقى تمويلات كبيرة من المملكة العربية السعودية، والتي كانت تستخدمها لنشر التفسير المتطرف للإسلام في العالم. ويتضح من الابحاث التي تناولت الإخوان وتنظيماتهم في أوروبا أن هذه الرابطة كانت أثارت انتباه السلطات الأمنية الأميركية التي وضعتها تحت المراقبة المباشرة للاشتباه بتمويلها للارهاب. وفي مارس/ آذار عام 2002 داهمت قوة أمنية مكاتب الجماعة في فرجينيا الشمالية بحثاً عن ملفات تربط هذه المنظمة بالقاعدة وحماس والجهاد الإسلامي الفلسطينية، وطلبت لجنة التمويل في مجلس الشيوخ عام 2004 سجلات الرابطة من جهاز الضرائب الداخلي كجزء من تحقيق أجرته حول صلات محتملة بين المنظمات غير الحكومية والشبكات الممولة للارهاب.

وخلف رمضان في رئاسة الجمعية الإسلامية في ألمانيا المواطن الباكستاني، فاضل يازداني لفترة قصيرة قبل غالب همّت، وهو سوري يحمل الجنسية الإيطالية، وكان هو الآخر تحت رقابة أجهزة الاستخبارات الدولية التي تحرت عن صلات بينه وبين جماعات إرهابية. ويعتبر همّت أحد مؤسسي (بنك التقوى) الذي أطلقت عليه الاستخبارات الإيطالية اسم (بنك الإخوان المسلمين) حيث ساعد يوسف ندا الذي يعد أحد العقول المالية المدبرة للإخوان المسلمين في إدارة المصرف وشبكة من الشركات في سويسرا وليختنشتاين والباهامس. ويشتبه في أن الاثنين مررا مبالغ كبيرة لجماعات مثل حماس وجبهة الإنقاذ الجزائرية، كما فتحا خط ائتمان سري لكبار مساعدي زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن، وهو ما دفع إلى إدراجهما من قبل وزارة الخزانة الأميركية في لائحة ممولي الإرهاب. ووفقاً لتقارير صادرة عن وكالات الاستخبارات الداخلية الألمانية فإن الاثنين همّت وندا، كانا من بين أكثر أعضاء تنظيم الإخوان نفوذاً خلال فترات محددة، وإن الجمعية الإسلامية الألمانية هي فرع من تنظيم الإخوان المسلمين، وتقع تحت الهيمنة المباشرة للفرع المصري منذ ايامها الاولى. وتشير المعلومات الاستخباراتية إلى أن شبكة التقوى مولت أيضاً المراكز الإسلامية عبر أوروبا، والعديد من النشرات الإسلامية مثل (رسالة الإخوان) وهي المجلة الرسمية للإخوان المسلمين.

الإخوان والسعودية… تحالفات المصلحة

اضطر همّت بعد إعلان تصنيف الخزانة الأميركية إلى الاستقالة من رئاسة الجمعية الإسلامية في ألمانيا، فخلفه المصري ابراهيم الزيات.

(36 عاما) الذي وصف آنذاك بأنه شخصية كاريزمية تولت قيادة عدد من المنظمات الطلابية. إلا أن تقريراً لشرطة (ميكينهايم)، أكد أنه يرتبط بالمجلس العالمي للشباب المسلم الذي هو منظمة سعودية تسعى إلى نشر الوهابية، والتفسير غير المتسامح للإسلام. وأشار إلى أن المجلس أصدر كتابا بعنوان “توجيهات إسلامية” جاء فيه”: لنربي أطفالنا على حب الانتقام من اليهود والطغاة، ونعلمهم بأن شبابنا سيحررون فلسطين والقدس عندما يعودون إلى الإسلام ويقومون بالجهاد في سبيل الله”. كما كشفت الشرطة صلات له مع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، وهو معهد فرنسي يتولى إعداد أئمة أوروبيين، ولكنه تعرض لاتهامات بنشر الكراهية الدينية”. واتهمت السلطات الألمانية الزيات بتعاملات مالية مثيرة للشك، واقامة علاقات مع منظمات تنشر الكراهية الدينية”.

التقط تنظيم الإخوان بقيادة رمضان وهمّت فكرة إنشاء مركز إسلامي واختارا له مدينة ميونيخ،  وذلك عام 1960 وحصلا على مباركة العاهل السعودي الراحل الملك فهد الذي تبرع للمشروع بمبلغ 80 الف مارك، وفقاً لما ورد في تحقيق نشرته صحيفة Sueddeutsche Zeitung الألمانية عام1967. وكانت وزارة الداخلية بولاية نوردرهاين- ويستفولن أكدت “أن المركز الإسلامي في ميونيخ كان أحد مقار الإخوان الأوروبية منذ تأسيسه”. ويشير تقرير أمني ألماني إلى أن “مجلة (الإسلام) التي يصدرها المركز تكشف بوضوح أن الإخوان يرفضون مفهوم الدولة العلمانية”.

في البداية ركز الإخوان المسلمون على ألمانيا لترسيخ تنظيمهم، وفي الوقت الذي اختارت المجموعة المصرية ميونيخ كقاعدة لعملياتها السرية في ألمانيا،  فيما فضلت المجموعة السورية مدينة (آخن) الواقعة قرب الحدود مع هولندا، وكان أول من انتقل إلى هذه المدينة عائلة العطار السورية البارزة وفي مقدمتهم عصام الذي كان زعيما للفرع السوري للإخوان، ولحق به إسلاميون من بلدان اخرى اتخذوا من مسجدي العطار وبلال مراكز لنشاطاتهم الدعوية والتنظيمية. ويقول فيدينو أن “مدينة (آخن) معروفة لكل أجهزة الاستخبارات العالمية بوصفها مقراً للارهابيين الجزائريين، ومركزاً لإدارة الأعمال الخيرية المصنفة من الخزانة الأميركية كجبهة مالية لحركة حماس”.

 

تجهد السلطات الأمنية الألمانية لاحتواء نفوذ الإخوان المسلمين الذين نجحوا في مد جذورهم في أوساط المهاجرين العرب والمسلمين وأقاموا شبكة معقدة من العلاقات والروابط تجمع بين خلايا سرية وشبكات تنظيمية متحركة

 

المجلس الإسلامي الألماني: أموال سعودية وأدوات إخوانية

صنّف تقرير صادر عن المكتب الاتحادي لحماية الدستور في ألمانيا (الاستخبارات الداخلية) ما يعرف باسم (حركة المجتمع الإسلامي في ألمانيا) بأعضائها الـ1300 كأهم مؤسسة مركزية تتكون من أعضاء الإخوان المسلمين في ألمانيا، إذ إضافة إلى المركز الإسلامي في كولون، ظهرت مراكز إسلامية أخرى في فرانكفورت ونورنبرج وشتوتغارت وماربورج ومونستر وغيرها كانت كلها تحت سيطرة الإخوان.

عام 1989 وتحت رعاية عبد الله التركي الذي كان العميد النافذ لجامعة بن سعود في الرياض، انشأ السعوديون المجلس الإسلامي في ألمانيا. وقد عين التركي في منصب الرئاسة، فيما انيطت بكل من ابراهيم الزيات وحسن زدغان وأحمد خليفة وهو أحد مدراء المركز الإسلامي في ميونيخ مواقع ادارية اخرى مختلفة. والمجلس هو مظلة تضم تسع عشر منظمة، بما فيها الجمعية الإسلامية والمركز الإسلامي في ميونيخ، والمركز الإسلامي في آخن وغيرها. وذكر تقرير للاستخبارات الألمانية أن 9 على الأقل من هذه المنظمات ترتبط مباشرة بتنظيم الإخوان المسلمين. وكانت صحيفة (دي فيليت) تحدثت آنذاك عن نديم الياس الذي تولى رئاسة المجلس، وهو طبيب سعودي ألماني الثقافة، ومسؤول في المركز الإسلامي في (آخن) وعن علاقته بكريستيان غانزيرسكي أحد عناصر القاعدة والذي يعتبر العقل المدبر للهجوم على الكنيس اليهودي في تونس. واعترف غانزيرسكي وهو ألماني من أصول بولندية تحول إلى الإسلام بأن القاعدة جندته في الجامعة الإسلامية وأن الياس ارسله للدراسة في السعودية. ولقد اعترف الياس أمام الشرطة الألمانية انه أرسل المئات من المسلمين الألمان للدراسة في واحدة من اكثر الجامعات تطرفا في السعودية.

رصدت هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) تنامياً ملموساً لنفوذ الإخوان في ولاية سكسونيا شرقي ألمانيا، وذكر رئيس الهيئة المحلي جورديان ماير – بلات ” أن الجماعة تخترق تجمعات اللاجئين لتوسيع هياكلها والترويج لايديولجية الإسلام السياسي، واشار إلى قيامها بشراء مبان وتحويلها إلى مساجد او ملتقيات دينية، وبشكل خاص في مدن: لايبزك وريزا ومايسن وبيرنا ودريسدن وباوتسن وجورليتس”. وبحسب تقرير للمكتب الاتحادي لحماية الدستور صدر عام 2013″ أن خطاب الإخوان يتنافي مع أساسيات النظام الديمقراطي في البلاد”وأشار إلى  تفاصيل خطة رباعية أعدها الإخوان عام 2009 تتأسس في جوهرها على استراتيجية مزدوجة إذ من الخارج أظهر الإخوان انفتاحاً وتسامحاً واستعداداً للحوار والتعاون، ولكن هدفهم الكامن يتمثل في إقامة الشريعة وجعلها مصدراً وأساساً للنظام السياسي والاجتماعي”.

الإخوان والسلطة الألمانية

لم تسر العلاقة بين الحكومة الألمانية والإخوان في مسارات ثابتة وتميزت بالتباين والشكوك المتبادلة، وفي كتابه المعنون “الغرب والإخوان بعد ثورات الربيع العربي”، يلقي الباحث في المركز الألماني للسياسات الأمنية غيدو شتاينبرغ الضوء على العلاقة بين الجانبين مشيرا إلى انها مرت بثلاث مراحل رئيسية: الأولى (أواخر الخمسينات وحتى عام 1979) تميزت بعدم الفهم العميق لظاهرة ( الإسلام السياسي)، فضلاً عن (جماعة الإخوان). الثانية، اقتصار العلاقة على اتصالات عدد من عناصر الجماعة بأجهزة الاستخبارات، دون باقي مؤسسات الدولة، الثالثة، بعد الثورة الإسلامية في إيران اكتسب الإخوان مزيداً من اهتمام السلطة الألمانية بالجماعة ولكن العلاقة ظلت مقتصرة بشكل عام على الجانب الاستخباري. يرى فيدينو أن “الإخوان المسلمين يخدعون السياسيين الألمان الذين يعتقدون أنهم يستفتون طيفاً من الآراء، بوجود العديد من المنظمات الإسلامية الإخوانية العاملة تحت أسماء مختلفة، فيما تلوذ وسائل الاعلام بمسؤولي المجلس عندما تريد أن تستطلع الآراء خلال السجالات حول الحجاب في المدارس أو الموقف من المرأة او الارهاب و النزاعات في الشرق الأوسط”. ولكن هذا لم يستمر طويلاً إذ اهتزت الاوساط الاجتماعية والسياسية الألمانية، وشعرت بالصدمة عندما شاهدت وسمعت نموذجاً من الوعظ الذي يقدم في المدارس والمساجد الممولة من الإخوان و السعودية، ففي خريف العام 2003 سربت كاميرا خفية نصبها صحفي من تلفزيون (ARD) الألماني في مدرسة الملك فهد التي أنشأتها السعودية في بون، وسجلت ما يتعلمه التلاميذ المسلمون الصغار من المعلمين من دعوات للجهاد ضد الكفار. كتب فيدينو معقباً على السذاجة الأوروبية والألمانية بالتحديد،  “الإخوان يقدمون أنفسهم في العلن كحركة معتدلة، تشدد على الاندماج والوحدة والتسامح الديني وتدين الإرهاب، وغيرها من العبارات الطنانة التي يفضّل صناع القرار السياسي في الغرب سماعها، لكن إذا ما نظرت إلى ما يقولونه في مساجدهم أو في الكتب التى يبيعونها في مكتباتهم، تجد الرسالة مختلفة تماماً، فهم ينظرون إلى أوروبا كمجتمع فاسد، كافر لا يجب أن يندمج فيه المسلم. كما يصورون ما تقوم به الحكومات الغربية كحرب ضد الإسلام”.

تجهد السلطات الأمنية الألمانية لاحتواء نفوذ الإخوان المسلمين الذين نجحوا في مد جذورهم في أوساط المهاجرين العرب والمسلمين وأقاموا شبكة معقدة من العلاقات والروابط تجمع بين خلايا سرية وشبكات تنظيمية متحركة توسع باستمرار من نفوذها وتأثيرها الذي وجد في موجات اللاجئين فرصة كبرى لتجنيد المزيد من الأتباع في مناطق عدة بشرق البلاد وغربها، ومن ثم ربطهم بمفاهيم الإسلام السياسي وضرورة فرض الشريعة على المجتمعات الغربية المسيحية.

 

 

إقرأ أيضاً