هنا القصة الثالثة

محمد خلف

مقالات الكاتب

“الجماعة الغامضة”: الإخوان المسلمون في أوروبا3/3 .. جماعة “رؤيا الملة” في ألمانيا

أقامت “حركة الإخوان المسلمين” في ألمانيا علاقات وثيقة مع تنظيم “رؤيا الملة” التي تعرف باسم “مللي غورش” الدينية الناشطة في أوساط المهاجرين الأتراك في البلاد. هذه العلاقة أثارت انتباه الاستخبارات الداخلية (هيئة حماية الدستور) التي وصفتها في تقاريرها السنوية بـ”منظمة من المتطرفين الأجانب”، وقالت إنه “على رغم ادعاء رؤيا الملة، على لسان قادتها اهتمامهم بالحوار الديموقراطي، ورغبتهم في رؤية المهاجرين الأتراك مندمجين في المجتمعات الاوروبية، إلا أن عدداً من زعمائها الآخرين أعربوا عن ازدرائهم الديموقراطية والقيم الغربية”.
أطلقت “مللي غورش” على جميع مساجدها اسم الفاتح، وذلك تخليداً للخليفة محمد الفاتح وهو أحد سلاطين الدولة العثمانية الأقوياء، اشتهر بتقويضه الامبروطورية البيزنطية، وافتتح ممالك ومدناً من بينها كورنته وغالاتا وآرغوس وجنوة. وكان قاد بنفسه الجيش في حصار بلغراد وفتحها ليستولي بعد ذلك على مملكة طيرانبرون اليونانية، وعام 1462 فتح رومانيا والبوسنة والهرسك، وأصبحت ألبانيا وقونيا جزءاً من الامبراطورية العثمانية، وعام 1476 فتح هنغاريا ومولدوفيا. وقال أولفكوته: “إن شخصية الفاتح ودوره في تاريخ التمدد الإسلامي هو السبب في إطلاق اسمه على كل مسجد تقوم بتشييده ليكون رمزاً لتوسع النفوذ الإسلامي الجديد في أوروبا”.
أربكان الأب الروحي
تأسسّ هذا التنظيم في مدينة كاتولونيا عام 1986، ويعد رئيس الوزراء التركي الأسبق، ورئيس حزب الرفاه الراحل نجم الدين أربكان الأب الروحي لهذا التنظيم الذي بحسب بيانات الاستخبارات الألمانية يصل عدد أعضائه إلى 40 ألف شخص، ومتعاطفين يتجاوز عددهم 100 ألف شخص، لهذا يعد أكبر تنظيم في ألمانيا ويرأسه منذ عام 2001 ابن أخيه محمد صبري أربكان. ويمتلك التنظيم 30 جمعية ناشطة، و511 مسجداً ومركز (زاوية) للصلاة، إضافة إلى 1091 حلقة دينية و2137 جمعية شبابية ونسائية. كما تصدر عنه مجلة دعوية باسم “ميلي جازيت”Mili Gazete، ولديها قناة تلفزيونية باسم Kanal 7، لتسويق أيديولوجيتها والترويج لأفكارها في أوساط الجالية التركية، ويقدر حجم ميزانية الجماعة بربع مليار يورو.
ترتبط بالتنظيم وتنتمي إليه جمعيات كثيرة من أبرزها: اتحاد الجمعيات الإسلامية في برلين، اتحاد الجمعيات الإسلامية في مقاطعة نيدرساكس، واتحاد الجمعيات الإسلامية في بريمن، واتحاد الجمعيات الإسلامية في فستفاليا وغيرها. ويتحدث الباحث دينيس بوشنر في كتابه “الأصوليون الإسلاميون في ألمانيا بعد 11 سبتمبر”، عن علاقة وثيقة تربط بين مللي غورش وحزب “العدالة والتنمية” منذ وصوله الى السلطة في تركيا عام 2002، فهو يتلقى منه تمويلات سخية مقابل توفير الدعم للحزب وتعزيز موقعه في أوساط الجالية التركية في ألمانيا”. وكان أربكان تحدث في مدينة هاغن في 15 أبريل/ نيسان عام 2000 عن توقعات بأن يصل عدد المسلمين في أوروبا عام 2040 إلى 40 مليون مسلم سيكون لهم الحق في تطبيق الشريعة الإسلامية بالانتخاب، في ظل تفوق عددهم وتراجع أعداد المواطنين الأصليين بسبب التزايد الطبيعي والولادات الكثيرة بين المسلمين.
عقد التنظيم الأوروبي لجماعة “رؤيا الملة” مؤتمراً موسعاً يعتبر الأول من نوعه في مدينة (آرنهايم) في هولندا، وألقى في افتتاحه نجم الدين اربكان خطبة عنيفة شن فيها هجوماً عنيفاً على النظام العلماني في أوروبا، وحذّر مما سماه “شرور الاندماج و القيم الأوروبية”، مشيراً إلى “أن الغرب بعد سقوط جدار برلين وانهيار الشيوعية وجد في الإسلام عدواً يجب القضاء عليه وتدميره”. في أحد تقاريرها عن التنظيم كشفت الاستخبارات الألمانية عن اهدافه السرية الرامية إلى نشر الفكر الإسلامي المتطرف ورفض العلمانية والديموقراطية الغربية”، ولفتت إلى أن “أجندته الحقيقية لاتختلف عن برنامج حليفه تنظيم الإخوان المسلمين مع أنه أكثر وضوحاً في خطابه العدائي للقيم الغربية والاندماج”. وأشارت إلى أن “التنظيمين يتعاونان ويتشاركان في مبادرات ونشاطات كثيرة ذات الطابع السياسي الديني”.

تشدد الباحثة بترا رامساور في كتابها “مستقبل الإخوان المسلمين: استراتيجيتهم السرية… مشكلتهم العالمية”، على أن أهمية الشبكة الدولية للإخوان المسلمين والتنظيم الدولي قد تنامت بعد الضربة الأخيرة الموجعة للإخوان في مصر،

المصاهرة التنظيمية
ولتوثيق علاقاتهما التنظيمية والدينية ودعمها، عمدت قيادتا الجماعتين إلى إقامة روابط عائلية متميزة تعززت بالمصاهرة، فالزيات متزوج من صبيحة أربكان أخت محمد صبري أربكان الذي تدير والدته منظمة نسوية كبيرة ومهمة في ألمانيا. ويعمل والد الزيات إماماً لمسجد ماربورغ، ويدير بقية أفراد عائلته منظمات وجمعيات إسلامية متعددة. يقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية واستاذ العلوم السياسية في جامعة لونبرغ الالماني أودو آلفكوتي” ان آل اربكان وآل الزيات يقودون شبكات من المنظمات العامل والساعية من أجل نشر التطرف الإسلامي في أوساط الجاليات التركية والعربية والإسلامية في ألمانيا”، وأضاف “إن جماعتي الإخوان ورؤيا الملة ناشطتان في مساعيهما لزيادة تأثيرهما السياسي لكي يصبحا الممثلتين الرسمتين للمجتمع المسلم في ألمانيا برمته، فإلى جانب ميزانيتيهما الممنوحتين بسخاء، تقدم مساجدهما خدمات اجتماعية، وتنظم مؤتمرات، وتوزع المنشورات السياسية والدعوية”.
تجهد الجماعتان على التقيد عند القيام بنشاطاتهما العلنية بالقانون الألماني، وهو ما لاحظته هيئة حماية الدستور (الاستخبارات) في تقريرها حيث قالت “إن تهديد الإسلاموية لألمانيا يفرضه بالدرجة الأولى تنظيم “رؤيا الملة” والجماعات الأخرى المرتبطة بها، فهذه الجماعات تعمل على نشر وجهات نظر إسلاموية ضمن حدود القانون، ولكنها تحاول إلزام كل المسلمين في ألمانيا بتأويل محدد للقرأن والشريعة، ولهذا يجب التعامل مع تأييدها العلني للتسامح والحرية الدينية بحذر”. ورأى أولفكوته في كتابه “الحرب في مدننا: كيف يريد الإسلاميون المتطرفون السيطرة على ألمانيا” أن “ما يمثل مشكلة حقيقية هو أن السياسيين والاجهزة الامنية في ألمانيا ينظرون إلى الجمعية الإسلامية (الإخوان) و(رؤيا الملة) على نحوين مختلفين للغاية”، موضحاً أن “أكاديمية برلين الكاثوليكية الموقرة دعت الزيات ليقدم وجهة نظر المسلمين في لقاء الاديان الذي نظمته عام 2002″، كما “يربط سياسيون ألمان ومؤسسات مسيحية أنفسهم برؤيا الملة في مبادرات متنوعة”. ويقول أولفكوته إنه “يمتلك وثائق من دائرة حماية الدستور في ما يخص التحقيقات مع قادة التنظيمين تتعلق بعضها بعلاقات بين رؤيا الملة وخلية هامبورغ، التي نفذت هجمات سبتمبر/ أيلول الارهابية عام 2001 في واشنطن ونيويورك”. ومع ذلك وعلى رغم من “معرفتهم بخطورة هذه الجماعة على الأمن القومي الألماني والأوروبي عموماً، إلا أن المسؤولين السياسيين الألمان يلتقون مع ممثليها بشكل منتظم لمناقشة قضايا الهجرة والاندماج”.
في مقالة لها قالت ميلي غازيت، إن “رؤيا الملة هي الترس الحامي لإخوتنا المواطنين من الذوبان في أوروبا البربرية”. ووصف مكتب حماية الدستور هذه المساعي بقوله إن “رؤيا الملة والجمعية الإسلامية تجهدان للهيمنة على منظمات واتحادات المسلمين القومية والإقليمية التي تحوز أهمية متعاظمة كأطراف محاورة للدولة وكسلطات كهنوتية، ولتوسع نفوذها داخل المجتمع”. ولقد نجحا بحسب الباحثين الألمان في تحقيق هذا الهدف، فعلى سبيل المثال إن الأمين العام للجمعية الإسلامية في ألمانيا (الإخوان) أحمد الخليفة يمثل الإسلام أمام البرلمان الذي يتحاور معه حول قضايا التسامح الديني وأوضاع المسلمين وقضاياهم المختلفة.
فساد القيادات وتمويل الإرهاب
في 20 مارس/ آذار عام 2009 وجه المدعي العام الألماني عدداً من التهم إلى كل من اوزغور اوجونجو الامين العام الجديد لمنظمة “مللي غورش” وابراهيم الزيات رئيس الجمعية الإسلامية في ألمانيا، ومازيك آيمان الامين العام لمجلس المسلمين في ألمانيا، تهماً بالفساد والتطرف الديني ومخالفة القوانين السائدة، وكانت الشرطة عثرت في مكاتبهم وبيوتهم على أدلة دامغة تدينهم. وذكر المدعي في مؤتمر صحافي أن “المبالغ التي حصلت عليها هذه المنظمات من ميزاينة الدولة كمساعدات بقيمة نصف مليون يورو سنوياً لم تنفق بالشكل المطلوب والقسم الآخر تم إرسالة من طريق أشخاص، لا عبر تحويلات مصرفية، إلى منظمات متطرفة في العراق وغزة وأفغانستان ومصر وباكستان، فيما الثالث دخل في جيوبهم الشخصية”.
استراتيجيات سرية
وتشدد الباحثة بترا رامساور في كتابها “مستقبل الإخوان المسلمين: استراتيجيتهم السرية… مشكلتهم العالمية”، على أن أهمية الشبكة الدولية للإخوان المسلمين والتنظيم الدولي قد تنامت بعد الضربة الأخيرة الموجعة للإخوان في مصر، وقالت إن “التعاون الدولي الذي يحدث الآن مشابه للوضع في 1994، حين كان في كل بلد مجلس شورى ينتخب المراقب العام، ومجلس شورى دولي من 130 عضواً ليختار القائد العام”.
يعيش في ألمانيا وفق البيانات الحكومية الصادرة عام 2007 نحو 3.5 مليون مسلم من أصل 82 مليوناً يشكلون العدد الإجمالي للسكان. ويعتبر المسلمون في ألمانيا أكبر الأقليات الدينية بعد المسيحيين. ويشكل الأتراك أكثر من نصف المسلمين في ألمانيا حيث يصل عددهم إلى نحو 1.8 مليون نسمة. وشهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في الإقبال على اعتناق الإسلام من قبل المواطنين الألمان، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد المتحولين إلى الإسلام يصل إلى 4 آلاف شخص حتى 2007.

إقرأ أيضاً:

“الجماعة الغامضة”: الإخوان المسلمون في أوروبا 1/3.. الإنطلاقة الألمانية

“الجماعة الغامضة”: الإخوان المسلمون في أوروبا 2/3 .. بريطانيا ومفاجآت الإرهاب..

إقرأ أيضاً