fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - orient

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

الجزائر : الجنرالات يفتحون الباب لخلافة بوتفليقة

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الرئاسية، تتكاثر المكائد والمناورات والاعتقالات، لتبرز حدّة الصراع المتفاقم من أجل استخلاف الرئيس بوتفليقة في سدة الحكم في الجزائر، ويضع الجيش ثقله كله للتأثير في موازين القوى وتوجيه البوصلة في هذه الساحة.

في غضون ثمانية أيامٍ فقط، شهدت الجزائر رحيل اثنين من أقطاب “الأجهزة الأمنية” صاحبة الثقل الكبير وفقاً للمصطلحات الرسمية، في تسيير دواليب الحكم في البلاد. في 26 حزيران/ يونيو، تمت الإطاحة باللواء عبد الغني الهامل، الذي كان على رأس جهاز الأمن الوطني (200,000 فرد) منذ عام 2010 والمقرب من عائلة بوتفليقة، من دون أن يصاحب عملية إقالته أي تفسير، وتم استبداله بالخبير في الحماية المدنية، الذي يتجاوز الثمانين من العمر، مصطفى لهبيري. وفي 4 تموز/ يوليو، لحق بعبد الغني الهامل، اللواء مناد نوبة، رئيس قوات الدرك (حوالى 180,000 فرد) ليترك منصبه بعدما أمضى ثلاث سنوات في الخدمة، وحلّ مكانه رئيس أركانه الجنرال غالي بلقصير.

قضية مخدرات

يكمن جوهر هذا الزلزال الأمني، في قضية مخدرات، جاءت لتشغل الساحة أثناء الاستعداد المحموم للانتخابات الرئاسية المقبلة في ربيع 2019. وقد تسببت هذه القضية بما يشبه، عملية تطهير، تتأكد يوماً بعد يومٍ، تقودها قوات الجيش ضد كثيرين من المسؤولين، والمصرفيين، ورجال الأعمال أو حتى ضد المدير المركزي للموظفين ومدير المالية في وزارة الدفاع. في 28 أيار/ مايو، أقدم محققون في جهاز خفر السواحل (تابعون لنائب وزير الدفاع، الفريق أحمد قايد صالح)، على اقتحام سفينة قادمة من إسبانيا محملة بشحنة من اللحوم البرازيلية، واكتشفوا أثناء التفتيش كمية 701 كيلوغرام من الكوكايين. وكان مصدر هذه المعلومات الاستخبارية، من إدارة مكافحة المخدرات الأميركية DEA، الموجودة بكثافة في دول أميركا اللاتينية، سلمتها إلى السلطات الجزائرية من طريق مصالح أمنية إسبانية أو فرنسية.

وفور ذلك، تم استدعاء مورد اللحوم كامل شيخي، الملقب “كامل الجزار” واعتقاله مع أشقائه. تشمل نشاطات كمال شيخي مجالات واسعة، ويعتبر أحد أكبر مطوري العقارات في الجزائر العاصمة، ومتخصص في تعمير الأحياء الجميلة، حيث يشيد على أنقاض الفيلات الاستعمارية الساحرة، مجمعات سكنية قبيحة المظهر، تفتقر إلى كل ذوق وجمال. واستُجوب أشخاص كثيرون، تربطهم بشكل أو بآخر علاقة مباشرة بنشاطاته المتعددة، حول علاقتهم مع هذا الشخص المقرب من سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس، من بينهم، السائق الشخصي للجنرال عبد الغني الهامل، الذي استشاط غضباً بسبب إبقاء أجهزة إدارته بعيدة من القضية. وتم التحقيق مع نجله ساعات عدة، بصفته يملك مرفأ بميناء وهران، فضلاً عن إقالة قائد الشرطة في الجزائر، أحد أقاربه، في اليوم نفسه من رحيله، من قِبل المدير العام الجديد.

منْ سيسيطر على نادي الصنوبر؟

وبعد فترة وجيزة توجهت تحقيقات الدرك الوطني إلى أحد مراكز السلطة الأخرى: نادي الصنوبر، مقر إقامة حكومي آمن يشمل مئات الفيلات، يقطنها مسؤولون رسميون في الدولة، حاليون أو سبق أن شغلوا مناصب وأحيلوا على التقاعد (وزراء، جنرالات، كبار المسؤولين…).

يدير نادي الصنوبر حميد ملزي (يقال عنه أنه “تم تعيينه بالخطأ، والحفاظ عليه في منصبه سهواً”)، وهو شخصية نافذة وقوية، يدير ما لا يقل عن 5 فنادق مرموقة في العاصمة، ووهران وتلمسان… وقد أفلح في مقاومته بشدة، محاولة إبعاده من منصبه بنادي الصنوبر عام 2013، وأجهض طلباً بتعيين لجنة تحقيق برلمانية تقدمت بها جبهة التحرير الوطني، حزب الأغلبية في مجلس الشعب (البرلمان).

وكانت مصالح الدرك الوطني التي تراقب مقر هذه الإقامة الرسمية الفاخرة ليل نهار، قد حاولت في الماضي منازعته هذا الحصن الذي يؤوي أفراد الأوليغارشية الجزائرية وحيث بجميع أنواع الاتجار غير المشروعة، من بينها الاتجار في المخدرات، في ظل جو يحصنهم من كل متابعة. لكن في نهاية المطاف، باءت كل محاولات الدرك بالفشل بسبب الدعم الذي يحصل عليه ملزي من قبل رئيس الحكومة أحمد أويحيى وخاصة من الجنرال محمد مدين، المعروف باسم “توفيق” (قائد الاستخبارات ذائع الصيت إلى غاية 2013). وكان ملزي على وشك تعيين أحد أقاربه على رأس قوات الدرك الوطني التابعة لنادي الصنوبر، عندما أقيل الجنرال ماجور نوبا، بسبب مجاملته ملزي، لكن أيضاً لأن الجيش كان يريد أن يتولى التحقيق في قضية الـ701 كيلوغرام من الكوكايين شخصٌ موثوقٌ به.

حاولت الرئاسة الرد والتفاعل مع الموضوع. دعا رئيس الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، إلى فترة ولاية خامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ووافقت على هذا الاقتراح الأحزاب المجهرية التي تكاد تغيب تماماً عن المشهد السياسي، والتنظيمات الهزيلة. وصدر مرسومٌ يعلن أن نادي الصنوبر يعتبر من ممتلكات الدولة، وهو بالتالي غير قابلٍ للتحويل، وهو ما اعتبره المراقبون، تحركاً هزيلاً أكثر منه هجوماً مضاداً. بالنسبة إلى عائلة بوتفليقة، تعتبر عملية إقالة الجنرال الهامل ضربة قاسية. لم يكن هذا المهندس في الأصل، المتقاعد، والذي يقود جيشاً صغيراً، ويستقبل في كثير من الأحيان في بيته وزراء وكبار المسؤولين، يخفي طموحاته. وكان قد طمأن أفراد الأسرة الكبيرة، أنه إذا تم تعيينه، لن يتعرضوا أبداً لأي عملية انتقامية أو طرد من مواقعهم وهو أمر يعتبر من خاصيات الحياة السياسة الجزائرية. يعتبر الجنرال الهامل ثاني شخصية مقربة ومدعومة من بوتفليقة تتم الإطاحة بها بعد وزير الطاقة السابق شكيب خليل، الذي تعرض لحملة إعلامية في قضية فساد يتم التحقيق فيها في إيطاليا.

منذ أكثر من نصف قرنٍ، يفرض الجيش في الجزائر نفسه ويفرض وجهات نظره على المدنيين. عام 1954، كان أنصار حركة التمرد هم من أخذوا زمام المبادرة. وعام 1957، بعد عامٍ واحدٍ من مؤتمر 1956، حيث أعلنت أسبقية السياسيين على العسكريين، استولى العقداء  (من جيش الحدود) مرة أخرى على السلطة، ولم يسلموها لغيرهم منذ ذلك الحين. واليوم، يقوم الجنرالات بإعداد مرحلة ما بعد بوتفليقة. ونظراً إلى الوضع الصحي الحرج والمتفاقم للرئيس البالغ من العمر 81 عاماً، لم يعد يشكل حلاً للمستقبل، ومن ثم هناك حاجة إلى استخلافه عاجلاً أم آجلاً وقد بدأت عملية الإعداد للأمر بالفعل.

في موقع قيادة السفينة، يوجد الجنرال قايد صالح، مدعوماً من قادة المناطق العسكرية، ودائم الحضور في وسائل الإعلام. وقد قاوم هو بنفسه محاولة إحالته على التقاعد ورفض الرضوخ للأمر الواقع، ورفض استقبال حامل الرسالة الرئاسية الموجهة إليه مطالباً بأن يكون بوتفليقة نفسه هو من يعلن له تقاعده. لم يحدث شيءٌ. وفي يوم السبت، 30 حزيران/ يونيو، في حرم الأكاديمية العسكرية بشرشال (كلية تدريب ضباط الجيش الجزائري)، تطرق قايد صالح في كلمته أمام مستمعيه إلى موضوعين، قائلاً: “إن الهدف الخسيس الذي  لم يتمكن المستعمر من تحقيقه على أرض الجزائر لا يمكن ولن يتمكن أي شخص من تحقيقه…الجزائر فوق كل شيءٍ”.

معارضة التدخل ضد متمردي الطوارق

فكَّت الطبقة السياسية بسرعة شيفرة خطاب قايد صالح في أكاديمية شرشال: الأجنبي يريد أن يفرض علينا قرارات نرفضها والجيش فوق كل شيء آخر في الجزائر.

بالنسبة إلى النقطة الأولى، تمحور النقاش حول منطقة الساحل. يبدو واضحاً أن باريس لم تعد تخفي نفاد صبرها إزاء رفض الجزائر التدخل عسكرياً لوضع حد لتمرد الطوارق الذي يمزق المنطقة منذ استقلال مالي عام 1960. “إذا لم تنته الحرب، فالسبب وراء ذلك هو الجزائر” هذا ما قاله الرئيس ايمانويل ماكرون، في حديث له على انفراد في قمة نواكشوط الأفريقية يوم 2 تموز/ يوليو. ومنذ كانون الأول/ ديسمبر 2017، لم يزر ماكرون الجزائر العاصمة وأجل إلى موعد غير منظور جميع خططه للقيام بزيارةٍ رسميةٍ.

يتأسس الرفض الجزائري للتدخل الخارجي على مصادر داخلية: لا يرغب الجيش في محاربة الطوارق الماليين لأن عدداً كبيراً من الطوارق يحتلون جزءاً كبيراً من ما يعرف بـ”التنورة الصحراوية” في الجزائر، ولهذه الفئة من السكان مآخذ على سكان شمال البلاد، ويشعرون بقدر من الغبن، لا سيما من الناحية الاقتصادية والاجتماعية وليس من الوارد إضافة نزاع سياسي والانخراط في مغامرة قد تنقلب ضدها. وكثيراً ما يُذكر النظام الجزائري بالسابقة الكارثية لحرب الناتو في ليبيا عام 2011، والتحجج بها لتبرير معارضة المطلب الفرنسي بالتدخل الجزائري.

أما المأخذ الثاني، فيتعلق بمسألة المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، ومثل الرباط وتونس، ترفض الجزائر السماح بإقامة البؤر الساخنة، مثل مخيمات العار التي يواصل الاتحاد الأوروبي في عناده لإبقائها خارج حيزه وبعيداً من أراضيه. تقوم الحكومة الجزائرية بطرد الأفارقة من دون أدنى شعور بالخجل أو أي عقدة (15000 في غضون بضعة أشهر) بموجب اتفاق مع النيجر، ولا تكلف النيجر نفسها عناء الفرز لتميز بين مواطنيها، المشمولين بالاتفاق، وغيرهم من الأفارقة الذين تستلمهم من دون خيار منها. يحظر على شركات الحافلات الجزائرية نقل اللاجئين، إذ يُجبَرون على عبور الصحراء الكبرى الشاسعة على أقدامهم عند توجههم نحو البحر الأبيض المتوسط.

“إنهم يتقاضون أجوراً لإهانتي”

النقطة الثانية واضحة وضوح الشمس: في خضم الصراعات المحتدمة حول الاستخلاف المرتقب للرئاسة، سيكون الجيش- المعروف عنه تقليدياً أنه الحكم الفعلي ويُجسد الجزائر كدولة- حاضراً وستعود له الكلمة الأخيرة. ومن بين المرشحين المحتملين لتولي منصب رئاسة الجمهورية عام 2019، يعتبر رئيس الوزراء أحمد أويحيى الأكثر تناغماً مع التوجهات الفرنسية.

استقبِل مرتين في غضون شهرٍ واحدٍ من قبل إيمانويل ماكرون في باريس ونواكشوط  خلال المؤتمرات الدولية حول الساحل وأفريقيا. وفي ظل مناخ مشحون بالتوتر والشائعات والغموض والذعر الذي أصبح ينعكس بشكل متزايد داخل كواليس العالم المصغر في الجزائر، المتخبط في حالة من الفوضى، أصبح أويحيى، يثير الكثير من الاعتراضات، إذ يؤخذ عليه ارتباطه بـ”حزب المال” المستفيد الأكبر من حكم بوتفليقة الذي استمر قرابة العشرين عاماً، وتمتعه بدعم ما تبقى من شبكات الجنرال توفيق، وأخيراً انتمائه إلى الأقلية القبلية التي ثارت مرتين (في عامي 1980 و2000) ضد النظام، وعادة ما يتعرض  أويحيى للصفير والاستهجان في الملاعب من قبل الجماهير أثناء حضوره مباريات كرة قدم، ومع ذلك لا يبدو عليه أي علامة ضيق من ذلك، وعن هذا النفور صرح لوسائل الإعلام “إنهم يتقاضون أجوراً لإهانتي”.

حتى وقتٍ قريبٍ، كان الجيش لا يزال يفضل على أويحيى، الجنرال بن علي بن علي، قائد الحرس الجمهوري، لكن نظراً إلى إصابة هذا الأخير بمرضٍ عضالٍ، فلا يمكن التعويل عليه لفترة طويلة. من ناحية أخرى، تحاول واشنطن التواري عن الأنظار وعدم البروز كثيراً في هذا الصراع. في الجزائر العاصمة، يوم 28 حزيران، قال نائب وزير الخارجية جون سوليفان، وهو جمهوري من الدائرين في فلك الرئيس ترامب إن “الولايات المتحدة لا تدعم مرشحاً بعينه”، أما الروس، فينظرون إلى ما يحصل في الجزائر من بعيد، علماً أن الكرملين لا يملك قاعدة عسكرية في البلاد، كما هي الحال في سوريا، ومكانته كمورّد للأسلحة لا يخشى عليها مثلما تبدو مهددة في ليبيا.

وفي ظل هذا المناخ الغامض، تُعد مختلف السيناريوهات في صالونات المجتمع في الجزائر العاصمة. يحظى أحد هذه السيناريوهات، بدعم وزير العدل الطيب لوح، ويمر عبر إدخال إصلاح دستوري من شأنه أن ينشئ منصباً لنائب الرئيس. ربما عام 2019 وفق ما يروج في الكواليس، تكون الأطراف قد توصلت إلى تسوية محددة، تقضي بإبقاء بوتفليقة رئيساً إضافة إلى شخصية تنوب عنه، يتعين العثور عليها. ومن بين الأسماء المتداولة، يبرز اسم الأخضر الإبراهيمي، وزير الخارجية السابق والناجي من جيل الديبلوماسيين المناضلين في الحرب الجزائرية. فضلاً عما يتميز به من علاقات واسعة على الساحة الدولية، فقد شغل مناصب عليا في الأمم المتحدة ويمكنه تقديم خدمات ثمينة إلى نظام معزول للغاية في هذه الأوقات العصيبة. هذا طبعاً ما لم يتوجه وفدٌ من الجنرالات إلى زيرالدا (مقر إقامة الرئيس)، هذا الشهر، بعد تجفيف مخزون المتنافسين المرشحين بشكل مدروس، لمطالبة الرئيس بوتفليقة بتعيين خلفه بنفسه… من دون حل وسط.

 

هذا المقال مترجم عن orientxxi.info ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

 

إقرأ أيضاً