هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

التحيز الجنسي لمصطلح “عبقري”

كان ستيفن هوكينغ أحد العلماء الذكور العديدين الذين وُصِفوا بالعبقرية، وهو من المصطلحات التي نادراً ما تُطلق على الإناث
يجتهد معظم الناس لفهم العمل الرائد الذي قدمه ستيفن هوكينغ حول ديناميات الثقب الأسود أو التفرد الجذبوي، أو الميكانيكا المرتبطة بكيفية نشأة المجرات في الكون. أحاول القيام بذلك، على أي حال. ولكن هناك أمر واحد يتعلق بعالم الفيزياء النظرية، الذي مات مؤخراً، وهو أن الجميع يفهم، أنه كان عبقرياً.
انعكس ذلك في العديد من الإشادات الموجهة إلى حياة هوكينغ الرائعة، التي انتهت بعد صراع طويل مع مرض التصلب العضلي الجانبي الضموري ALS، المعروف أيضاً باسم مرض Lou Gehrig’s. كان هوكينغ من “العباقرة الأفذاذ”، وفق ما ذكرت صحيفة “الغارديان”؛ ومن “العباقرة الذين يمكن أن يسخروا من أنفسهم” وفقاً لصحيفة “ذا ديلي بيست”. ووصفت “وكالة الصحافة الفرنسية” هوكينغ بأنه “العبقري الذي كرّس حياته لكشف أسرار الكون”. وكتبت أماندا جيفتر في موقع “ذا أتلانتيك”: “هناك أمر ما يتعلق بالشخص الذي يتحدث عبر صوت حاسوبي وهو ما يجعله يبدو عبقرياً بشكل تلقائي”.
يستحق هوكينغ اللقب، إذا كنا نستقي حكمنا من قاموس “أوكسفورد”: إذْ يمتلك العبقري “قوة فكرية وإبداعية استثنائية أو قدرات طبيعية أخرى”. ومن المؤكد أن هذا التعريف يناسب هوكينغ، الذي، على رغم اتساع نطاقه، ينطبق بشكل كبير على العلماء الذكور. ونتيجة لذلك، تميل النساء الشابات إلى عدم النظر إلى أنفسهن على أنهن عبقريات– أو قادرات على أن يصبحن عبقريات– وبالتالي يعتبرن أقل تحفز لمتابعة عملهن في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات STEM. كما يُلتمس العذر أيضاً للعديد من الرجال “العباقرة” على السلوكيات الرديئة وحتى المسيئة سواء أكانت اجتماعية أو في مكان العمل.
واعترض هوكينغ نفسه على كلمة “عبقري”، على الأقل في وصفه نفسه. فعندما سأله طالب جامعي عام 1993 كيف كان شعوره عندما صُنّف كـ”أذكى شخص في العالم”، أفادت تقارير بأن هوكينغ بدأ في الكتابة بسرعة. وذكرت التقارير بأنه قال “يا له من أمر محرج للغاية. إنه محض هراء ومجرد مبالغة إعلامية. إنهم يريدون بطلاً وحسب، كما أنني أناسب دور القدوة الذي يؤديه معاق عبقري. فعلى الأقل، أنا معاق، لكنني لست عبقرياً”. كما وصف هوكينغ نفسه بالنسائي، إذ أخبر الصحافي البريطاني بيرس مورغان العام الماضي أنه كان مهتماً بالتمثيل المتكافئ في القطاع الخاص. وقال: “تعتبر النساء على الأقل مساويات للرجال، أو أفضل”.
فعلى الأرجح يُقدِّر هوكينغ الأدب العلمي الذي يوضح أن مصطلحات مثل مصطلح “عبقري” الذي اقترن بظهور العلماء المشاهير (وتصادف أن يكون معظمهم من الذكور)، قد أضرّ بالنساء في مجال العلوم.
واستعرضت هيلفي جانتيز، أستاذة الدراسات الجنسانية في جامعة ستوكهولم، صعود الحائزين على جائزة نوبل – عباقرة مشاهير العلوم الأصليين – في مقالة عام 2015 نُشِرت في مجلة ” Celebrity Studies”. وأشارت إلى أن الأغلبية الساحقة من الحائزين على الجائزة من الرجال؛ وعندما تُكرّم النساء، يطرح القائمون على إجراء الحوار أسئلة تتعلق بملابسهن وأسرهن وعاداتهن المنزلية، فيما يُسأل المكرمون من الرجال عن هواياتهم وأبحاثهم. وبالتالي، يُقدَّم الحائزون على الجائزة من الذكور على أنهم علماء جادون يتمتعون ببراعة فطرية، وتُقدَّم الحائزات من النساء على أنهن شاذات نجحن في الأعمال الشاقة. وكتبت جانتيز قائلة: “يجب أن تختفي العبقرية الأنثوية من أجل إظهار الأنوثة المحترمة وللتركيز على المجال المنزلي”.
لقد أثّرت هذه المعاملة غير المتساوية على كيفية نظر النساء والفتيات الشابات إلى أنفسهن. وتوصلت دراسة أُجريت عام 2016 نُشِرت في مجلة “علم النفس الاجتماعي والشخصي”Social Psychological and Personality Science، إلى أن العديد من الأشخاص واجهوا صعوبة في الربط بين “النساء” و “العبقرية”. وأخبر مؤلف الدراسة إضافة إلى كريستين إلمور، الباحثة في جامعة كورنيل، مجلة “فورتشن Fortune:””نعتقد بوجه عام أن العبقرية حكر على الذكور”. كما توصلت دراسة أخرى نُشِرت في مجلة “Science” عام 2015 إلى أن طالبات الدراسات العليا تجنبن على الأرجح التخصصات الأكاديمية المرتبطة بالذكاء الطبيعي المتأصل – في مجالات مثل الفلسفة والفيزياء والرياضيات. وألقت سارة جين ليسلي، أستاذة الفلسفة في جامعة برينستون التي أجرت الدراسة، باللوم جزئياً على ثقافة البوب، إذْ “يُصوَّر العباقرة من الرجال على أنهم كائنات ذكية بالفطرة، غير مضطرين أبداً للعمل بجدية لتكوين فكرهم” وفق ما ذكرت “هيئة الإذاعة الوطنية” NBC.
وأظهرت دراسة نُشِرت عام 2017 في مجلة Nature، أن الفتيات قبل أن يبلغن الستة أعوام من عمرهن، من المحتمل أن يتصورن الفتيان أكثر براعة منهن. وقالت كريستيا براون، أستاذة علم النفس في جامعة “كنتاكي”، لصحيفة “الغارديان”: “تُظهر هذه الدراسة أن الفتيات يستوعبن هذه الرسائل الثقافية في وقت مبكر من التطور، معتقِدات أنه، من الممكن أن يعملن باجتهاد، لكن بالفعل لا يعتبرن ذكيات بشكل طبيعي. ويمكن هذه المعتقدات أن تكون لها تأثيرات مهمة على نوع المسارات الأكاديمية التي يختار الأطفال خوضها، كما توضح السبب في اختيار الفتيات الابتعاد من مجالات رئيسية مثل الفيزياء، على رغم حصولهن على درجات عالية في المدرسة”.
وفي الوقت ذاته، غالباً ما يُعذر الرجال الذين يعتبرهم أقرانهم “عباقرة” على سلوكهم المسيء تجاه النساء. وتم استكشاف هذا الأمر على نحو جيد في الفنون؛ إذْ شرّف رجال أمثال هارفي واينستين ولويس سي كي مجالات اختصاصهم، على رغم من سنوات مرتبطة بسوء السلوك الجنسي. ولكن تبرز الظاهرة ذاتها في العلوم، أيضاً، إذ يواجه العلماء “العباقرة” المشهورون أمثال عالم الفيزياء النظرية لورانس كراوس وعالم الفلك جيوفري مارسي مزاعم التحرش الجنسي المتسلسل.
لقد طرح هوكينغ كلمة “عبقري” بشكل جيد. فبالنسبة إلى هؤلاء الذين يؤمنون بفكرة العبقرية– كما لا يؤمن بها عديدون– كان واحداً منهم بكل موضوعية. لكنه أيضاً من الرجال الذين، على رغم شهرته ونفوذه، كان يتعامل باحترام مع الناس. ولكن هناك العديد من “العباقرة” لا ينتمون إلى العباقرة أو إلى السادة المحترمين. ويمكن أن يتمثل أحد الحلول في إنقاذ الكلمة، بإطلاقها بشكل أكثر انتقائية على الرجال وبشكل أكثر سخاءً على النساء. وربما يتمثل أحد الحلول الأبسط، في التخلي عن الكلمة نهائياً.

*إميلي أتكين

هذا الموضوع مترجم عن موقع new republic ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابطالتالي.

إقرأ أيضاً