fbpx

هنا القصة الثالثة

نبيل مروة - موسيقي لبناني

نبيل مروة - موسيقي لبناني

مقالات الكاتب

البيانو زينة الحياة الدنيا في البُيوتات اللبنانية

ليس من الصعوبة بمكان أن يلاحظ أحدنا مدى تعلُّق اللبنانيين على اختلاف أمزجتهم وانتماءاتهم الاجتماعية، بآلة موسيقية كمثل تعلقهم بآلة البيانو. فمِن المرجح أن تجدها في كثير من بيوت الطبقة المتوسطة ولكن من المؤكد وجودها في صالونات بيوت الطبقة الغنية وخصوصاً حديثي النعمة.

بينهم وبين هذه الآلة الموسيقية الكبيرة حجماً، لا شك ثمة علاقة غامضة ثُشبه علاقة حُبٍ شاءت الظروف أن تكون من طرف واحد، فيبقى مستحيلاً أو في افضل الحالات يتحوّل الى حُبٍ عذري رومانسي، لا يتولد منه سوى دوام السكون والفراغ المملوء بمشاعر النرجسية والحسرة.

حُبْ يا حُبْ:

وآلة البيانو يُفضلونها من بين الآلات الموسيقية المُتنوّعة نفخاً وقرعاً وأوتاراً. يُدللونها كما لو كانت ابنهم الصغير، خاتمة عنقود العائلة. يخططون لشرائها حتى قبل ولادة صغارهم. يبددون الكثير من وقتهم لينتقوا الأجمل لوناً والأفخم خشباً، لتلائم الآلة مفروشات بيوتهم. وعندما يأتون بالبيانو الى البيت، يفردون له مجالاً رحباً في الصالونات الانيقة. يلتقطون صورهم العائلية بجانبه ليضعوها مُرَتَّبة على سطحه الأملس، تجاور شيئاً من زينة توحي بأصولٍ ثقافية مرموقة كتمثال بيتهوفن أو بوذا أو رمز من رموز ديانتهم او زعاماتهم السياسية. كما قد تجد على ظهر البيانو بعض كتب الطهي والمُدونات الموسيقية لأغاني سفرائنا الى النجوم أو لنجمٍ آفل، إنما تعلوها سماكة من الغبار.

وإذا حدث أن أتى ضيوف أعزاء إلى أحد هذه البيوت اللبنانية، وعرفوا أنك موسيقي الهوى والحِرفة، فلا شك سيطلبون منك أن تعزف لهم شيئاً على البيانو، مفخرة العائلة. ولن تسلم من إصرارهم حتى إذا تمنَّعتَ مُعترفاً لهم بأنك عازف كمان أو عود، وبالتالي لا تُجيد اطلاقاً العزف على البيانو، فسيأتيك الرد المزلزل: “ولوْ مسيو ما نحنا كلنا بالبيت مِنْدِق بيانو”! وعندها قد تسارع الأم إلى مناداة أكبر أبنائها ليَمْثُلَ أمامها طالبةً منه وبلهجةٍ آمرة أن يعزف للضيف شيئاً من مقطوعات موزار. الولد لا ينصاع ويفر من امامها متبرماً، فلا يبقى لها سوى التعبير عن سخطها من هذا الجيل الجديد الطائش غير المُقَدِّر للنِّعَم والثقافة ومُتَمـتِمة في وجه الضيف: “بعُمرك ما تقول للمغني يغني”…

بدايات

قبل الحرب الأهلية اللبنانية كانت آلة البيانو هي آلة الطبقة البرجوازية في المدن الكبرى وخصوصاً مدينة بيروت. مقتنوها، كما طلابها الراغبون في تعلم أصول العزف عليها، بمعظمهم من الطائفتين المسيحية واليهودية ومن الميسورين. أمّا أساتذتها فأتوا بمعظمهم من روسيا إلى لبنان إبّان الثورة الاشتراكية وعلى دفعات متتالية هرباً من بطش النظام الستاليني. وقد يكون أكثرهم شهرة في لبنان هو عازف البيانو شسنيكوف، الذي لعب دوراً مهماً في تنشئة صحيحة لمجموعة من الطلاب اللبنانيين وإطلاقهم عازفين وعازفات. ساهم شسنيكوف في إدارة المعهد الموسيقي الوطني منذ تأسيسه على يد وديع صبرا الذي كان بدوره عازفاً بارعاً على آلة البيانو، وله محاولة شهيرة لصنع بيانو شرقي الدوزان أي يُصدر ثلاثة أرباع الصوت، وقد عُرضت هذه الآلة في مؤتمر القاهرة للموسيقى الشرقية سنة 1932 ولكنها لم تلقَ استحساناً من المؤتمرين فطويت محاولة صبرا مع النسيان.

الوصمة “أرتيست”

انتشرت هذه الآلة أكثر في لبنان مع وصول عدد من العازفين الماهرين المُتحدرين من أصول لبنانية أو أرمينية وحتى يهودية للعيش في الجمهورية اللبنانية المزدهرة آنذاك في خمسينات القرن الماضي وستيناته، ولكنها ظلّت مقتصرة على شريحة مُخملية من عائلات بيروت البرجوازية والتي تميل بتربية أبنائها وبناتها على الثقافة الغربية. فكانت إجادة اللغة الفرنسية والعزف على البيانو تحديداً بمثابة جواز عبور الى شريحة نخبوية مزعومة تمارس تفوقها الحضاري على سائر شرائح  المجتمع اللبناني.

لقد حمت نخبوية آلة البيانو، أساتذتها الكبار وعازفيها هواة أم محترفين، من “وصمة عار” ألحقها المجتمع اللبناني بأفراد قرروا أن تكون الموسيقى مهنتهم الأساسية. فكان وقتذاك، أن تتعلم الموسيقى كهواية هو أمر مُستغرب ومُنْفِر، أمّا أن تختارها مهنة للعيش الكريم في لبنان فهو لا شك أمر مُستنكر ومرفوض من الأهل والأقارب والجمهور على حد سواء، وقد يجلب على صاحبه السخرية والتندُّر، كأن يشار إليه في لبنان: “ها قد أتى المزيكاتي”. فأن تكون عازفاً على آلة الكمان أو الناي أو الطبلة أو حتى أي آلة موسيقية أُخرى يعني أن تصبح موصوماً بالفشل والعربدة طقشاً وفقشاً.

بينما أن تكون من عداد عازفي آلة البيانو فهذا يجعلك بمنزلة عالية محترمة وبمنأى عن تلك الوصمة الشنيعة التي تحولت مع مرور الزمن إلى تشوّه في الوعي الجماعي الثقافي للـ “الشعوب اللبنانية” كافة، في علاقتها مع الموسيقى كمهنة لها مقوماتها وحيثياتها في عالمنا المعاصر. ودليلي على هذا الأمر هي تسمية “أرتيست”artist ، التي ما زالت تُطْلِقُها الجهات الرسمية على العاملين في قطاع الفنون مشمولين من ضمن كل العاملين في مجال الدعارة والترفيه.

الثأر

أتت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، على كل شيء من حجر وبشر ومجتمع.

المُتحاربون، يساراً ويميناً، وهم بأغلبيتهم الساحقة من المُنتَمين إلى طبقات اجتماعية فقيرة، إضافة إلى شرائح مذهبية مهمشة، ثأروا من رموز الثقافة المخملية التي كانت سائدة أيام ما قبل تفجر الحرب، فنعتوا نتاجاتها “بالرجعية” وأرجعوا جذورها إلى “استلاب فكري” وارتباط مشبوه بالغرب او الغريب، ويجب النضال من أجل محاربة ذلك وإزالته وإحلال ثقافة الثورة الشعبية، في المقلب اليساري، أما في المقلب اليميني فأتت الدعوة إلى إحلال الثقافة اللبنانية الخَلاصية والشوفينية عبر العودة إلى الأجداد الفينيقيين لغةً وثقافة وتقاليد مُتَخَيَّلة.

خسارة لا بد منها

أثناء هذه الحرب الدائرة على الصعد كلها، خسرت آلة البيانو الكثير من رصيدها المعنوي وإطلالتها المتفوقة لمصلحة آلات موسيقية غيرها وُظفت في المعركة.

فتصدرت آلات مثل الغيتار والعود، المشهد الموسيقي، وحصدت تقديراً عالياً لدى الجمهور. وربما يكون قد ساعد في هذا، الانتشار الواسع للـ”كاسيت” المُسَجَّل وبعده الفيديو كاسيت، اللذين عبرهما برزت أسماء مُلهمة مثل جون لينون او بوب مارلي يُغَنِّيان برفقة الغيتار، أو الشيخ إمام يصدح غناءً مع عودِه. وقد يصح وقتها أن يكون المُعادل اللبناني لهذا التَصَدُّر، في بروز ظاهرة فنّاني الأغنية “المُلتزمة” متأبطين أعوادهم وغيتاراتهم كبنادق مستحدثة لحرب عبثية.

امّا البيانو فتوارى عن المشهد شيئاً فشيئاً وزالت عن مريديه هذه الرفعة والسمو. فتَحَوَّل الراغبون في تعلم العزف عليه إلى “الأورغ” الذي ومع التطور التكنولوجي قضى نهائياً على “البرستيج” القديم للأصل أي البيانو لجهة نوعية العازف وطغيان انتمائه الاجتماعي والطائفي. وهكذا هوَت آلة البيانو من حصنها المنيع  في لبنان وتمٓوْضعت من جديد في اوساط شعبية استطاعت أن تستبدلها بالاورغ الرخيص نسبياً، أو تشتريه بأسعار بخسة وتشحنه بكلفة زهيدة من دول الاتحاد السوفياتي “الصديقة” لشعوبنا “الوفيّة”.

الحُسيني VS رخمانينوف

ساهم التطور التكنولوجي في مجال الصوت والموسيقى في العالم بجعل نتاجات الفن الموسيقي أكثر ترفيهاً وأوسع انتشاراً وليبيرالية. ففي الغرب تولّدت أشكال تأليفية جديدة بأبعاد صوتية ومضامين فكرية عصرية متجددة. فشارك البيانو الكهربائي او مُولد الاصوات sound generator ، بشكل فاعل وإيجابي في عملية خلق الفن المعاصر، كموسيقى البوب والروك والميتال والفيوجن كتيارات جماهيرية جنباً إلى جنب مع مدارس التأليف الكلاسيكية المعاصرة والموسيقى الإلكترونية. كما انتشرت في عواصم الفن في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ظاهرة العروض الفنيّة art performances، لتفكيك آلة البيانو الضخمة وتحطيمها أمام الجمهور كرد فعل فنّي/ اجتماعي ضد عبادة الفرد- النجم soloist، المُنتمي إلى النخبة.

أما في عالمنا العربي وبالتحديد في لبنان فلم تساهم هذه الثورة التكنولوجية إلا بمزيد من الفوضى العارمة وانعدام الذوق السليم في استخدام آلة كالبيانو الكهربائي (الأورغ). إذْ لم تؤدِ إلى أيّ دور ايجابي في تطوير البنية الثقافية الموسيقية، بل على العكس تماماً فقد أرست الكثير من المفاهيم الخاطئة في موضوع التأليف والتوزيع الموسيقي ورسَّخت ممارسات سطحية وشعبوية في طرق العزف وأساليبه.

فَحَلَّ عازف الاورغ غير المتعلم محل عازف البيانو المتخصص الذي اضطر إلى الهجرة ليعمل ويُنتج فناً مُقدَّراً يؤمن له حياة كريمة.

مع الوقت اختصر عازف الأورغ بآلته لوحده مجموع أعضاء الفرقة الموسيقية فاستحقّ بذلك لقب “رجل العرض الوحيد”  one man show، المُبَجّل والمحبوب من الجماهير كنصف إله. فأمسى عازف الأورغ المصري مجدي الحسيني مصدراً للإلهام وبديلاً وطنياً وقومياً عن عازف البيانو والمؤلف الموسيقي الروسي سرغي رخمانينوف. أمّا عازف الغيتار الكهربائي عمر خورشيد فتربع في قلوب الجماهير بدل السنباطي وفريد الاطرش.

عودٌ على بدء

وعلى رغم كل هذه المتغيرات الجذرية، ظلت آلة البيانو أسيرة لصالونات اللبنانيين ومفرشاً خصباً لزينتهم، أما مفاتيحها السوداء والبيضاء فظلت عصيّة على أصابعهم وقدرتهم على الإبداع واستيعاب التنوع والاختلاف. فلم تتغير نظرة اللبناني الاستعلائية والمُعقّدة الى الموسيقى كخيار مِهني للفرد، بل ظلت موصومة بالسالب من الأوصاف كونها مهنة “العَطَلْجية” الفاشلين، يحاول الأهل استبعادها بين خيارات أبنائهم الجامعية والمهنية.

مع انتهاء الحرب عام 1991، عادت الموسيقى تحاول أن تجد لها مستقراً طبيعياً في المجتمع اللبناني عبر قنوات المؤسسات التربوية العامة والخاصة، ومعها عادت آلة البيانو إلى حيز الوجود تتنفس فقط في الاطر التعليمية/ التربوية أو في ما ندر من حفلات موسيقية، كآلة منفردة أم مُرافقة.

وعلى رغم كل التغييرات والجراح والمهانة التي ابتُليت بها آلة البيانو خلال السنوات الأربعين المنصرمة، فلا تزال “الشعوب اللبنانية” تكن لها مشاعر “الحب” والتفضيل. فليس هناك أسطع من سجلات تسجيل الطلاب الجدد في المعاهد الموسيقية الخاصة والرسمية، دليلاً على هذا “الحب” الجارف والمتعاظم، إذْ تشير الاحصاءات غير الرسمية لأعوام قليلة خلت في المعهد الوطني العالي للموسيقى، إلى أن خمسة طلاب من أصل عشرة يتسجلون سنوياً، يختارون وبإصرار آلة البيانو. ويُشير أيضاً إلى أن طالباً واحداً على الاكثر سنوياً يُكمل دراسته التخصُصية في البيانو (وليس بالضرورة ينهيها) من أصل ستة طلاب يصلون إلى مرحلة الشهادة الأولى البكالوريا، من مجموع كل الطلاب المسجلين في قسم البيانو وعددهم 2000 طالب، ومن أصل 3500 يتابعون دراستهم في القسم الغربي بالمعهد. والمثير في الأمر أن عدد الأساتذة في المعهد عينه يبلغ فقط 80 أستاذاً لآلة البيانو غير متفرغين بالكامل وبمتوسط أعمار يبلغ الخمسين. فالسؤال يطرح نفسه بإلحاح؛ إلى أين يمضي بنا هذا “الحب”… إلى ازدهار أم اضمحلال؟؟

ماذا لو؟

أخيراً لو شاءت آلة البيانو أن تقول شيئاً في موضوع هذا الحب الأعمى غير المُجدي لقالت:

“…أيها القوم في لبنان حرروا أطفالكم من حبكم المريض لي ولا تجبروهم على حبي رغماً عنهم. فقط دعوهم يختارون أحلامهم وآلاتهم الموسيقية بأنفسهم. فأنا يُحبطني أن أسمع صراخ غضبهم المكبوت لمجرد ملامسة مفاتيحي، ويؤرقني أن أرى في عيونهم الملل واللامبالاة تجاهي، ويُخجلني أن أتحسس عرق أجسادهم الطرية خوفاً وارتباكاً مني. أيها القوم أزيلوا زينتكم البائسة عن ظهري، حرروني من صالوناتكم المُترفة، ضعوني في الشمس، شرِّعوني للريح، فكِّكوني قطعاً صغيرة، انتزعوا أوتاري واجعلوها حبلاً لأحلامكم الضائعة، حطموني، لعلّ في كل هذا يكون شفاؤكم الأخير من حبكم السقيم… أنا آلة البيانو في إقامتها اللبنانية أحيي كل المحترفين من عازفين وعازفات على مفاتيحي، مُدرّسين ومدرسات على آلتي في الكونسرفاتوار الوطني، الذين بذلوا ويبذلون الغالي والرخيص من أجل إعلاء شأن الموسيقى كتعبير فني حقيقي حر ومنفتح، واعلن جهاراً حبي لهم واخص منهم بالذكر: شسنيكوف الروسي الأصل، وديع صبرا، أنيس فليحان، ناديا تقي الدين، مادلين مدور، ليلى عواد، برت بشعلاني، بوغوص جلاليان، نادين سمراني، الأخوات الاربع من عائلة فينكلشتين، آربي تشرويان، زِڤات سركسيان، وليد عقل، وليد حوراني، عبد الرحمن الباشا، ناجي حكيم، فليبا كيروز، تاتيانا بريماك خوري”.            

 

إقرأ أيضاً