fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد سليمان - صحافي وكاتب كردي عراقي

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

 البلاستيك في قمة كيبيك… وفي بحارنا حساء قاتل

احتل البلاستيك مساحة كبيرة في قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى التي أقيمت في مقاطعة كيبيك الفرنسية بكندا نهاية الأسبوع الماضي. وعلى رغم محاولات كندا التركيز على سبل تقليص استخدامه، إلا أن البلاستيك دخل حتى إلى تفاصيل الاجتماعات التي لم تحضر لها حكومة كندا الصحون والمعالق وأكواب القهوة الزجاجية. تالياً، لم يبدُ مكان المؤتمر، وفيه الفندق المخصص للضيوف، وصالات المؤتمرات واللقاءات الصحافية خالياً إلّا من البلاستيك الخفيف المخصص للاستخدام مرة واحدة. وقد ابتكر الكنديون أفكاراً “جميلة” لإبعاد شبح البلاستيك من المؤتمر، وفيه سمعة كندا بطبيعة الحال، مثل تبديل القصب البلاستيكي بقصب البامبو للشرب واستخدام عُلب (باك-تيترا) الكارتون بدل قناني المياه البلاستيكية الرقيقة أو تبديل سماكتها لتكون صالحة لإعادة الاستخدام.

الأفكار الكندية حول تقليص استخدام البلاستيك، سبقت قمة الدول الصناعية الكبرى في بلدة شارلفوا بمقاطعة كيبيك، إنما في الواقع لم ترتق إلى مستوى دور دول الاتحاد الأوروبي في مكافحة المخاطر الجدية التي يشكلها البلاستيك على البحار وكائناتها وعلى حياة البشر ومصادر الغذاء والشرب بطبيعة الحال. وهي بمجملها أفكار تلخص موقف كندا المتردد والخجول في ما خص البيئة، إذ تأخذ حكومة الحزب الليبرالي موقفاً وسطياً في السجال الدائر حول إمكان تبديل الطاقة الإحفورية بالمتجددة ومحاولات تنظيف مياه المحيطات من مادة أصبحت قاتلة للأسماك والدلافين والحيتان والكائنات الأخرى.

دعونا نُدخل صورة مؤلمة نشرتها وسائل الإعلام العالمية في الأسابيع الأخيرة لحوت مات في جنوب تايلاندا، إلى السجال البلاستيكي (المطاطي) الذي يدور حول إمكان الحد من استخدام البلاستيك الرقيق وتبديله بما هو غير ضار للبيئة. لقد ابتلع الحوت المقتول بفعل فاعل كمية يصل وزنها إلى 8 كيلوغرامات من البلاستيك وأصيب بألم في المعدة، بعد توجهه إلى شاطئ من شواطئ تايلاندا ليتخلص منها، ولم يتقيأ منها سوى أكياس محدودة ولم يتمكن المسعفون تالياً من إنقاذ حياته، فمات من الألم. إنها الصورة الأوضح عن تلوث بيئي قاتل يواجه القرن الواحد والعشرين الذي تتفوق فيه نسبة البلاستيك على نسبة الأسماك في البحار بحدود عام 2050، وفقاً لوكالة الأمم المتحدة للبيئة، إذ هناك ما يقارب 10 ملايين طن من البلاستيك، ترمى في المحيطات والبحار كل عام، ناهيك بما يقارب 10 مليارات طن جرفتها الأنهار والمياه السطحية الأخرى مثل الفيضانات إلى شواطئنا وعمق مياهنا.

لم تؤثر صورة الحوت الميت على سياسة كندا التي استضافت قمة السبعة الكبار، وبدا خيار إعادة التدوير (ريسايكلين) وتسميك البلاستيك أقوى من خيار منعه. وقد ذكرت الأمم المتحدة في وثيقة أصدرتها بتاريخ 5 من هذا الشهر دور 50 دولة في العالم تتخذ إجراءات وطنية للحد من تلوث البلاستيك ورغوة البوليسترين، وعلى رغم اعتراف وزير بيئتها بمخاطر البلاستيك حيث يحل محل الأسماك في المستقبل، ليست كندا واحدة من بين تلك الدول، إلا أن هناك بلديات كندية تتخذ إجراءاتها الذاتية لمحاربة هذه المادة التي تقاوم الذوبان أكثر من قرن كامل.

قبل انعقاد القمة بأيام قدمت المفوضية الأوروبية مشروعاً لتنظيف البحار الأوروبية والحد من النفايات البحرية في جميع أنحاء العالم. ومن شأن الموافقة على هذا المشروع والإجراءات التي تحتاج إلى توقيع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والبالغ عددها 28 دولة، تنظيف وتقليل مواد بلاستيكية موجودة على الشواطئ مثل أدوات المائدة والصيد والقصب والعيدان القطنية، كما من شأنها تغيير استهلاك البلاستيك وإنتاجه. وفقاً للمشروع الأوروبي، فإن المحيطات أصبحت عرضة لخطر الاختناق بالبلاستيك الموجود في الهواء والمياه والطعام، وفي أجسادنا أيضاً. اقتضاباً، يتجه الاتحاد الأوروبي إلى منع البلاستيك القابل للاستخدام مرة واحدة منعاً نهائياً، وهناك دول داخل الاتحاد اتخذت إجراءاتها الوطنية مثل الدنمارك، فرنسا، بلجيكا، إيطاليا، البرتغال. وللحد من معارضة الشركات المصنعة للبلاستيك، يوفر الاتحاد فرصة مشاركة الشركات ذاتها في عملية تنظيف البحار والمحيطات والتي تستغرق أكثر من عقد من الزمن.

ماذا عن بلداننا؟

هناك صور داخل مدينة البصرة وشط العرب في جنوب العراق قد تختصر الحديث عن أحوال الشواطئ والبحار والأنهار في البلدان العربية. النفايات في كل مكان، في قنوات المياه الموزعة داخل المدينة التي كان من المفترض أن تكون فينيسيا العراق، البلاستيك يغطي الكورنيش وأُصص الورود البلاستيكية على جسر يربط جهتي المدينة ببعضها بعضاً. سفن حربية ومدنية غرقت وتعطلت إبان الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988)، ما زالت في مكانها داخل الشط. سألت وكيل وزير الصناعة العراقي عادل كريم عن خطط الحكومة العراقية لتنظيف شط العرب من مخلفات ونفايات الحرب، قال إن هناك مشروعاً لذلك، إنما المشاريع في العراق لا تبقى سوى في نطاق المشاريع. كان ذلك عام 2015 وصودف أن زرت بيروت في صيف العام ذاته، وكانت النفايات في كل مكان: الحارات، الشوارع، مركز المدينة وأطرافها. وما زلت أسأل نفسي كما يسأل غيري، أين ذهبت كل تلك النفايات، أين رُميت أو دُفنت كل تلك الأكياس البلاستيكية المعبئة ببقايا الغذاء والمواد الكيمياوية؟ هل تنجو منها شواطئ بيروت؟ كم من الأسماك والطيور ماتت بسببها؟ ولا أسأل بطبيعة الحال عن شواطئ البصرة وقنواتها، لأن حجم نفاياتها ومخلفاتها يفوق كمية الأسماك والروبيان في البحر الذي تحول إلى حساء قاتل لسكانه الأحياء.

صفوة الكلام، أن التلوث البحري في لبنان قد يصل إلى شواطئ تونس، فيما بإمكان التلوث في العراق الوصول إلى شواطئ عُمان والهند، ذاك أن تلوث المياه لا حدود له. تالياً، نحن أمام كارثة طبيعية تنتقل بكل الاتجاهات، ومن شأنها جعل تراجيديا موت الحوت مشهداً يومياً للأسماك والطيور في كل مكان.

إقرأ أيضاً