fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب

البعد الخليجي في انتخابات ماليزيا

 

بنتيجة الانتخابات التي أجريت قبل أيام في ماليزيا، ركز الإعلام الغربي على “عودة” مهاتير محمد إلى السلطة بعد غياب عنها يعود إلى 2003، كما توقف عند كونه ابن 92 عاماً، ما يجعله أكبر السياسيين المنتخبين سناً في العالم. كذلك لم يغب عن الاهتمام سقوط رئيس الحكومة نجيب عبد الرزاق الذي بدأ حياته السياسية تلميذاً لمهاتير قبل أن تفرقهما الخلافات، ونهاية الحكم المديد لـ “منظمة الملاويين الوطنية” التي كان مهاتير أحد أقطابها قبل أن ينشق عنها ويتركها لعبد الرزاق.

أما عربياً، فانضافت عناوين غير متوقعة. فقد غرد عبد الخالق عبد الله، الأستاذ المشارك في قسم العلوم السياسية بجامعة الإمارات ومستشار الدراسات في جريدة “الخليج”، ناعياً على الماليزيين اختيارهم مهاتير العجوز، ومذكراً بأخطائه في الماضي، ومعتبراً أن ماليزيا، على ما يبدو، تفتقر إلى الحكماء. وإذا بهذه التغريدة تُشعل سجالاً: فالإسلامي الفلسطيني ذو الهوى الإخواني، عزام التميمي، رد بحدة في مقال نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني. وهو، من حيث يقيم في لندن، لم يوفر دولة الإمارات والسعودية من كلامه الجارح، معتبراً أن “سبب غضب الدولتين هو أن رئيس الوزراء السابق الذي رسب [في الانتخابات] متهم باختلاس مليارات من أموال الدولة الماليزية في عمليات مشبوهة، بالتعاون مع مسؤولين كبار في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية”. كذلك ردت على الأكاديمي الإماراتي الناشطة اليمنية الموصوفة بالقرب من الإخوان، ونائلة جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، ساخرةً من “عيال زايد”.

هكذا بدا أن البيئة القريبة من الإخوان المسلمين، ومن قطر، تحتفل بالحدث الذي أزعج البيئة السعودية – الإماراتية.

وهذا إنما يضرب جذره في تاريخ أسبق، وإن كان من الصعب رصد تعرجاته وتحولاته كلها. فالإسلام الماليزي كان دائماً محكوماً بالصراع مع الأقلية الإثنية الصينية الكبرى، ومن ورائها التحدي الثقافي الذي يمثله حضورها. فإذا كان نحو من ثلثي سكان البلد (31 مليوناً) من الملاويين المسلمين، فقرابة ربع مجموع السكان من الصينيين. وفي مواجهة “الدائرة الحضارية الصينية”، لا بد من الاعتماد على “الدائرة الحضارية المسلمة”، لا سيما منها أندونيسيا القريبة.

تكاثرت مواقف مهاتير التي تتمايز عن السعوديين أو تنتقدهم…

إلى ذلك فإن “منظمة الملاويين الوطنية” التي كانت العمود الفقري للاستقلال عن بريطانيا، الذي تحقق في 1957، وجدت دوماً منافسين أكثر إسلامية وراديكالية منها. وقد تجسد أبرز هذه الحالات في “الحزب الماليزي الإسلامي” الذي تعاظمت قبضة رجال الدين عليه، وبات يدعو إلى التعريب الكامل، فضلاً عن تأثره منذ 1979 بالثورة الخمينية في إيران. وهذا ما كان يفاقم الطابع الإسلامي لـ “منظمة الملاويين” التي حاولت أساساً تقديم الإسلام كعنصر بارز من عناصر القومية المتمحورة حول إثنية الملاويين.

على أي حال، فمنذ وصول مهاتير محمد إلى رئاسة الحكومة، في 1981، وضع الرجل نصب عينيه تقليد النموذج الياباني والانخراط الواسع في السوق العالمية، وهو في هذا أحرز نجاحات فعلية جعلت بلاده واحداً من “نمور آسيا”. وبقدر من العُظام القومي كشف مهاتير وجود خطة لديه لإنتاج “نسخة ماليزية” من وادي الرور الصناعي الألماني أو وادي سيليكون الأميركي يتم إنجازها في 2020. كما تأسس في عهده بناء الأبراج تدليلاً على العظمة القومية، تأثراً منه بالتجارب الخليجية، ما أثمر إقامة برجين توأمين في قلب العاصمة كوالا لامبور شكّلا يومذاك أعلى ناطحة سحاب في العالم.

واختلط هذا الميل التحديثي بتضييق على الحياة الديمقراطية، وبتصعيد لأفكار المؤامرات، لا سيما اليهودية منها بحيث شكلت اللاسامية إحدى العقائد الضمنية للحكم الماليزي. وبالطبع، كان التوجه نحو العالم الإسلامي، خصوصاً منه الخليج، أساسياً.

وفي بدايات الثمانينات، وصف اسماعيل الفاروقي، وهو فلسطيني أميركي عاش ودرس في الولايات المتحدة، ماليزيا بأنها صارت البلد – المثال. فهي غدت، بفعل تولي مهاتير رئاسة حكومتها، الوطن “الذي باركه الله بحكومة ونظام مُصممين لخدمة الشطر المسلم من السكان… وينبغي على جميع قادة الحكومات الإسلامية أن يدرسوا الوضع الماليزي نظراً لفرادته في التاريخ ما بعد الاستعماري”. والفاروقي كان إسلامياً سلفياً ومتشدداً، معجباً بتعاليم ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ومدافعاً عن فكرة “إسلامية المعرفة”. لكنه أيضاً كان المرشد الروحي لأنور ابراهيم، أحد أقطاب العهد الجديد. وبالفعل تشارك الاثنان في تأسيس “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” الذي تولى لاحقاً، وبين مهمات أخرى له، جمع مساعدات لحركة “حماس” الإسلامية الفلسطينية.

وفاروقي هذا، الذي أصدر كتباً عدة في عدادها “أصول الصهيونية في الدين اليهودي”، بات يعول على أنور لأسلمة التعليم في ماليزيا. والمعروف أن أنور، الذي كان الأقرب إلى مهاتير قبل نزاعهما في 1998، إنما دخل الحياة العامة بوصفه قائداً لـ “حركة الشبيبة الإسلامية الأندونيسية”، وهو الذي رعى، بمباركة مهاتير، مشروع الأسلمة الذي طال شطراً من الحياة الاقتصادية (البنوك الإسلامية) فضلاً عن التعليم واستمرار العمل بالشريعة في ما خص الأحوال المدنية لمسلمي ماليزيا.

وبدوره تعاون مهاتير، منذ وصوله إلى الحكم، مع عناصر إخوانية نظراً لما اعتبره قدرتهم على توثيق عرى التضامن مع العالم الإسلامي، وهو ما كان قد بدأه في الستينات أول رئيس حكومة لما بعد الاستقلال، تونكو عبد الرحمن. وبإشراف “منظمة المؤتمر الإسلامي”، التي أسستها السعودية بعد حريق المسجد الأقصى في 1969، راح عبد الرحمن يوصل الدعم المادي والعسكري لـ “جبهة تحرير مورو الإسلامية” التي كانت تقاتل لإقامة دولة مسلمة ومستقلة في منداناو جنوب الفيليبين.

على أي حال، ففي 1998 حين أُبعد أنور ابراهيم ثم سُجن، نتيجة الخلاف حول التعامل مع الأزمة المالية التي ضربت آسيا قبل عام (وكان ابراهيم الأكثر إسلامية هو الأشد رغبة في الاستجابة للمؤسسات الدولية!)، ارتفع صوت عربي في الدفاع عنه، هو يوسف القرضاوي. وهذا ما فعله القرضاوي ثانيةً حين لُفقت لابراهيم، وللمرة الثانية، تهمة جنسية مشينة عام 2009. ومع أن الحكومة الماليزية كانت، في العام نفسه، قد كرمت الشيخ المصري المقيم في قطر بأحد أرفع أوسمتها، فإنها انتقدته لدفاعه عن أنور ابراهيم. ففي 2009 كان عبد الرزاق يصعد إلى رئاسة الحكومة، خلفاً لعبد الله أحمد البدوي، بوصفه من تلاميذ مهاتير وأحد شركائه في تلفيق التهم لأنور ابراهيم.

على أن العلاقة انهارت كلياً بين كوالا لامبور والقرضاوي في 2012، حين اتهمه أحد “العلماء” الرسميين بأنه من حرض على الثورة ضد حسني مبارك.

في هذه الغضون كان قد حصل افتراقان: من جهة، لم يعد “العرب” و”الخليج” شيئاً واحداً في أنظار الماليزيين، إذ راح يتبدى خطان، واحد سعودي – إماراتي وآخر قطري. ومن جهة أخرى، وقع الخلاف بين مهاتير وعبد الرزاق فيما اتجه أولهما إلى مصالحة أنور مجدداً.  

ويبدو أن مهاتير، رداً على العلاقة الودية بين عبد الرزاق والرياض، اختار الدوحة. إلا أنه، فوق هذا، أراد تحريك قومية مالاوية تريد أن تستقل بإسلامها عن إسلام السعودية ورجال الدين الذين درسوا اللغة العربية فيها.

هكذا رأت مارينا مهاتير، ابنة مهاتير، “أن الثقافة العربية تنتشر، وأنا أضع اللوم بالكامل على العربية السعودية”. وهذا، على ما يبدو، بات يعكس رأياً مألوفاً في بعض الأوساط الماليزية التي تركز على “الاعتدال” و”الوسطية” و”الوطنية الإسلامية للملاويين”.

ولم يتردد مهاتير نفسه، في 2014، في أن يهاجم “علماء الدين”، وينبه الجمهور إلى أنه لا تكفي معرفة اللغة العربية لجعل رجل الدين عالماً، متهماً “العلماء” هؤلاء بتجزئة المسلمين وإثارة العداء لغير المسلمين. وكان بهذا يرد على اتهامات له بأنه يسيء إلى الحديث النبوي ويقلل من أهميته، بسبب دفاعه عن “عالم دين” اسمه قاسم محمود اعتبر أن الأولوية هي دائماً للقرآن، كما أخذ على بعض الأحاديث قسوتها وحضّها على العنف.

وعلى العموم، تتداول هذه البيئة السياسية استياء معلناً من تعاظم نفوذ رجال الدين في الحياة السياسية، واعتبار ذلك ناتجاً عن إسلام مستورد من السعودية.

وبالفعل تكاثرت مواقف مهاتير التي تتمايز عن السعوديين أو تنتقدهم. ففي 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017 وجه رسالة مفتوحة إلى “الأخوة في الإسلام في العربية السعودية ودول الخليج وكذلك اليمن”، طالباً وقف حرب اليمن بوصفها مأساة إنسانية وعبثية، ومناشداً “مسلمي العالم أجمع أن يكونوا أوفياء لإسلامهم، وأن يفعلوا كل ما نستطيع لوقف هذه الحرب”. وكان قبل أشهر قليلة على ذلك قد رأى أن السعودية ليست شريكاً ملائماً لماليزيا في نشر الاعتدال في العالم الإسلامي وفي مكافحة الإرهاب، وأن التعاون ممكن مع بلدان ليست منخرطة في أية حرب، فيما الرياض لا يصح فيها هذا التوصيف.

لكنْ بعد ست سنوات، وقبيل إطاحة محمد مرسي في مصر، زار مهاتير القاهرة وعقد مؤتمراً صحافياً مع خيرت الشاطر، نائب المرشد الأعلى لجماعة الإخوان آنذاك، كما قدم بعض الاقتراحات المستمدة من تجربة بلاده، تحت عنوان “تجربة النهضة الماليزية” علّ الحكم الإخواني في مصر يستفيد منها.

هكذا ربط الكتّاب الإخوانيون والموالون لقطر “فساد” نجيب عبد الرزاق بأموال باهظة قيل أن السعودية والإمارات دفعتاها له ولتأمين انتخابه في 2013، وجرى ربط أوسع بين تلك الأموال وقنوات الفساد الماليزي ومجاريه. وقد قُرن النشاط المالي هذا باسمي الأمير تركي بن عبد الله، نجل الملك الراحل عبد الله، وسفير الإمارات في الولايات المتحدة الأميركية يوسف العتيبة.

والسؤال الذي يجوز طرحه بعد الانتخابات وفوز مهاتير واحتمال محاكمة عبد الرزاق وسجنه: هل ستبادر القيادة الجديدة في السعودية، وتحديداً ولي العهد محمد بن سلمان، إلى تبديد التوتر مع مهاتير وانتزاعه من قطر، بعد تقديمه كحاكم “حديث” و”عصري” يتكامل عمله وعمل بن سلمان ويتشابهان، أم أن التحالف مع الدوحة والإخوان أقوى مما يلوح ظاهراً؟

 

إقرأ أيضاً