fbpx

هنا القصة الثالثة

حسين جمو

مقالات الكاتب

البصرة المرهَقة من التاريخ… ومن الشيعة والسنّة  

في زمن العباسيين وحين أراد صاحب الزنج، علي بن محمد، احتلال البصرة، ابتهل إلى الله في تعجيل خرابها، فخوطب وقيل له:

“إنما البصرة خبزة لك، تأكلها من جوانبها، فإذا انكسر نصف الرغيف خربت”. فقام بتأويل الرغيف إلى القمر، وانتظر الخسوف حتى دمرها كلياً. وبعد سنوات، حين تمكن الخليفة العباسي من القضاء على زعيم هذا التمرد الطبقي المضاد قالت الناس “نصر .. لكن بعد خراب البصرة”.

بات هذا المثل جزءاً من الطبيعة الإدارية للمدينة. فكل إصلاح لأحوالها يتعامل مع جزء من الخراب. ومتوالية الخراب هذه ليست فقط إدارية ناتجة عن الفساد، بل في جزء كبير منها بيئية بسبب تفرع دجلة والفرات في الأراضي المنبسطة حول المدينة. قبل 1400 عام حين خاطب علي بن أبي طالب أهل البصرة بعد معركة الجمل، قال عنها “وماؤها زعاق”، أي مالحة لا تصلح للشرب. وحين زارها خورشيد باشا في رحلة الحدود منتصف القرن التاسع عشر وصف مياهها بأنها غير صالحة للشرب عدا نهر واحد صغير.

نكبة الموارد

لكن غير البيئة، شكلت تبعية البصرة لمراكز امبراطورية نكبة لمواردها. فمطلوب منها دفع مقدار معين من الأموال سنوياً، سواء للعثمانيين – وخلال فترات محدودة دفعت لإيران – أو لاحقاً وحالياً لبغداد. فموارد البصرة الكثيرة تذهب إلى خارج البصرة. ولعل الفترة المضيئة في تاريخها بعد تدمير المغول الكلي لها، هي فترة إمارة أفراسياب (1595 ـ 1668) الذي اشترى حكم البصرة من الوالي أيوب باشا بمبلغ قدره 24 ألف درهم (ثمانية أكياس من المال). خلال فترة الحكم القصيرة ازدهرت التجارة في البصرة بسبب تخلفه عن دفع الضرائب، وتمدد البرتغاليون في الخليج والتنافس التجاري بين الدول الأوروبية على ممرات التجارة، وكانت البصرة المصب البحري لكافة التجارة القادمة عبر السفن من الشرق لتنقل بعد ذلك براً عبر العراق والشام إلى أوروبا، إلى درجة تضررت معها موانئ فارس على الخليج، فحاصرها أقوى حكام إيران، كريم خان زند (الكردي) واستولى عليها بالتعاون مع إمارة كعب عام 1776. وبنى الزنديون قلعة على الضفة اليسرى لشط العرب (قلعة كردلان)، وهي حالياً قرية صغيرة.

تعاقب السكان

تأسست البصرة في موقعها الحالي عام 1407 (ميلادية) بمبادرة من شيوخ مغامس، الذين كانوا سادة البصرة، وآل “باش أعيان” وهي الأسرة العباسية القادمة من بغداد والناجية من مذابح المغول. وجاءت هذه الخطوة بعد تحول مجرى فروع نهر الفرات وجفاف القنوات المغذية للمدينة القديمة التي يقع موقعها جنوب شرق البصرة الحالية بنحو 11 كيلومتراً بالقرب من الزبير. ويبدو أن فكرة نقل المدينة شمالاً جاء بعد تعذر إصلاحها إثر تدمير المغول قنوات الري، فضلاً عن قرب الموقع القديم من مراعي البدو. وموقعها الحالي قريب من موقع مدينة “الأبلة” المندثرة، والتي استولى عليها المسلمون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب قبل بناء البصرة.

شكلت تبعية البصرة لمراكز امبراطورية نكبة لمواردها. فمطلوب منها دفع مقدار معين من الأموال سنوياً، سواء للعثمانيين – وخلال فترات محدودة دفعت لإيران – أو لاحقاً وحالياً لبغداد

قبل نحو 150 عاماً كانت البصرة تضم 630 نهراً، وهي في معظمها تفرعات لدجلة والفرات. وقد عدد القاضي البصري أحمد الأنصاري هذه الأنهر كلها في رسالته إلى منيب باشا، متصرف البصرة عام 1860، تحت عنوان “النصرة في أخبار البصرة”.

يذكر الأنصاري في مطلع رسالته حال البصرة بأن “تسعة أعشار مساكن أهلها ساوت بالتراب. حتى أساسها حفر وأخذ ما فيه من الآجر” وأن الناس تتضرر من “قلة الماء وكثرة العفونة”. ويلفت الأنصاري إلى تغير التركيبة السكانية للمدينة بقدوم عائلات من العراق الأعلى وإيران ونجد والإحساء والبحرين. والتركيبة السكانية القديمة نفسها جديدة نسبياً. فالبصرة أسرع مدن العراق في تعاقب السكان، وحدثت في فترة أن كثر فيها الكرد وصارت لهم أحياء وقلعة “كردلان” على الضفة الشرقية من شط العرب. وإثر طاعون 1687 فقدت البصرة 60 ألفاً من سكانها، وبغداد 100 ألفاً، وفي كردستان في نفس السنة دفعت المجاعة بحركة نزوح باتجاه بغداد والبصرة. وينقل حامد البازي في كتابه “البصرة في الفترة المظلمة” (صادر سنة 1960) شهادات معاصرة لتلك الفترة، أن في تلك السنة تزوج البصريون لأول مرة من فتيات كرديات بهذا العدد.

إلا أن الطاعون الذي حل مجدداً في العام 1690 دفع بكثير من السكان إلى الفرار، وفي محلة “جسر العبيد” كان 185 منزلاً قد خلا من أهلها من أصل 250. وفي سنة 1772 حصد الطاعون آلاف الناس في المدينة، لكن تم احتواءه بفضل والي البصرة سليمان بك الذي اكتشف آلية مقاومة هذا النوع من الطاعون عبر الثوم وأجبر السكان على تناول كميات كبيرة منها. وقد أسهب عبدالرحمن السويدي، العلامة المعاصر للحادثة، في سرد تفاصيلها وهروبه من الوباء حتى وصل الكويت. وأدت هذه الكوارث إلى تعاظم التدين وزيادة مظاهر شعائر الدين في بغداد والبصرة.

وقد تعاقبت موجتان من الطاعون (1820 – 1831) على البصرة غيرتا ملامح المدينة جذرياً، وخلت من بيوتها القديمة وباتت بلدة صغيرة سكانها خمسة آلاف نسمة، ثلثهم من العبيد، بحسب مذكرة قنصلية فرنسية مؤرخة في العام 1840 أوردها الرحالة الفرنسي بيير دي فوصيل.

في هذه الفترة ظهرت حاضرة جديدة من عائلات سنية نجدية لجأت إلى أنحاء البصرة بعد هزيمتها في معارك مع آل سعود، وهي الزبير. وقد جذبت الهاربين بدعم من ولاة بغداد حتى باتت مدينة لها سور حصين، وأصبحت خط دفاع ضد هجمات الوهابيين. ونافس آل الزهير، وهم شيوخ الزبير، آل السعدون (السنّة) وهم أمراء المنتفق، وهي قبيلة رعاياها شيعة بالمطلق ورأسها سني، على الزعامة قبل أن تؤول السيادة إلى المنتفق بشكل مطلق. وهيمنت الزبير، بتجارها وشيوخها، على البصرة لمدة من الزمن في القرن التاسع عشر، وباتت حاضرة السنة في تلك الأنحاء. واستفاد أهلها من إعفائهم من التجنيد والضرائب فبرعوا في التجارة بين الخليج والعراق وإيران.

وقد شكل طاعون 1831 تحولاً اجتماعيا جذرياً. فقبل هذا التاريخ كان ذكر الشيعة يأتي كأقلية في المدينة، وكثير من هؤلاء من الشيعة الكرد (الفيليين) والهنود والفرس. بعد الطاعون بدأ التشيع العربي يغلب على البصرة تدريجياً. وقد حدث الأمر بانتقال سكان جدد إلى البصرة، خصوصاً من المهمشين في قبيلتي المنتفق وكعب، إضافة إلى النشاط الدعوي لرجال الدين الشيعة – من البحرين والإحساء- في فترة الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي إثر تغير مجرى نهر الفرات مطلع القرن التاسع عشر.  

زعماء البصرة

لاحظ المؤرخ حنا بطاطو أن الملاكين الأكثر نفوذاً في لواء البصرة في العشرينيات من القرن الماضي، من السنّة. بينما كان مزارعو بساتين نخيلهم، في أكثريتهم الساحقة، من الشيعة. وكان زعماء المجتمع العربي في مدينة البصرة نفسها من السنّة أيضاً، بينما أكثرية سكان المدينة من الشيعة. ولم تفرز الأكثرية الشيعية في المدينة نخبتها لموازنة نفوذ الوجهاء السنة في فترة تأسيس العراق الحديث. وهذا التأخر الشيعي لا يمكن القطع بأنه نتيجة “طبيعة اجتماعية”. فقد كان للسنّة الأولوية للالتحاق بمدرسة العشائر في اسطنبول. وشهدت أول انتخابات في البصرة لمجلس المبعوثان العثماني بعد الانقلاب على السلطان عبدالحميد عام 1908 ترشيح أربع شخصيات من البصرة، كلهم من طبقة الأفندية السنية ومن خريجي مدرسة العشائر.

خلال فترة الاحتلال البريطاني، كانت البصرة، بطبقتها الأرستقراطية، ميّالة للتوافق مع تيار الهند داخل الإدارة البريطانية الذي كان يطمح إلى ضم البصرة بشكل مباشر، وهو ما انتهى بالفشل الذريع في مؤتمر القاهرة عام 1921 حين  اقتنع تشرتشل بطروحات مكتب القاهرة البريطاني: إلحاق الموصل والبصرة ببغداد.

ولم تكن خطط بريطانيا تجاه العراق واضحة خلال الحرب العالمية الأولى عدا عن هدف واضح وهو إحباط مخطط التمدد الألماني إلى بغداد والبصرة عبر مشروع خطة سكة الحديد، كما أن بداية التمدد البريطاني في العراق نهاية 1914 في البصرة كان يأتي في سياق مشروع غير ناضج يقضي بتحويل البصرة إلى ولاية هندية تحت الحكم البريطاني، ووضعت خططاً لم تنفّذ لإسكان الهنود في جنوب العراق، واقتصر الأمر على جلب قوات مؤلفة من طائفة السيخ.

تميز البصرة

ارتبكت البصرة من فكرة حكمها من قبل بغداد في بدايات الاحتلال البريطاني. كما نأت بنفسها عن “ثورة العشرين” التي قادها وجهاء ورجال دين شيعة في الفرات الأوسط.

بعد أيام من قمع الثورة، وصف مزاحم الباججي، وهو أحد وجهاء البصرة (من السنّة)، خلال حفل استقبال المندوب السامي البريطاني، بيرسي كوكس، ثورة العشرين بالكلمات التالية: “يؤسفني جداً أن تؤدي حماقات الأفراد العرب إلى إزعاج الأمة البريطانية في مهمتها المشرفة”، واعتبر الثورة “حركة بها عنصر أجنبي” (تلميح لبعض رجال الدين الشيعة المنحدرين من أصول إيرانية)، وأفصح الباججي عن طبقية مدينية متوارثة من تراث الإصلاحات العثمانية فاعتبر أن الثورة قامت بها “العشائر البدوية”.

في حرب الخليج الثانية أيضاً كانت البصرة واجهة عراق صدام ضد قوات التحالف المنتصرة، ثم هدف القمع الدموي للانتفاضة ضده. وفي كل مرة لم ترمم السلطة سوى قشور الخراب الذي حل بها.

في هذه النقطة  من “تميّز البصرة” (نفور من بغداد ونأي عن المقاومة المسلحة) يطرح مؤلف كتاب “البصرة وحلم الجمهورية الخليجية” (ريدر فسر) استنتاجاً متحمساً لفكرة سمو المدينة على التوتر الطائفي، مستنداً إلى التنوع الطائفي للمطالبين باستقلال إقليم البصرة عام 1921، فغالبيتهم من السنّة، لكن فيهم شيعة ومسيحي ويهودي، وهذا ما قاد “فسر” إلى وصف هذه الحركة بأنها تسعى لتحقيق “دولة مدينة ذات طابع تجاري عالمي منفتح ولا تنحصر بهوية مشتركة على أساس لغوي أو ديني”.  غير أن مؤشرات عديدة، منها السير الذاتية لبعض الموقعين على عريضة استقلال البصرة، توضح عوامل أكثر أهمية، وعلى رأس هذه المؤشرات المنافسة الشرسة، غير المعلنة، بين أفندية بغداد وأفندية البصرة، بين أشراف بغداد وأشراف البصرة، بين سنة بغداد وسنة البصرة. وبعبارة أخرى يمكن الجدل بأن حركة الاستقلال، القصيرة والخاطفة، كانت مشروع سنّة البصرة. وسبق للسياسي المخضرم المنحدر من السلالة الهاشمية، طالب النقيب، أن طالب بالحكم الذاتي للبصرة خلال فترة عضويته في مجلس المبعوثان العثماني، في العام 1913، وفق نموذج جبل لبنان أو مصر. في المقابل، كانت حركة المقاومة ضد احتلال البصرة نهاية 1914، رغم هزالتها، شيعية. وسيكون عيباً منهجياً في أي دراسة تتناول هذه المرحلة وتتكاسل في التمحيص في سبب عدم تحرك غالبية الوجهاء السنّة وأتباعهم ضد بريطانيا وكيف راق لهم إنهاء الدولة الوجود العثماني في تلك الظروف التي أشبعت بمقولات الحرب الدينية. فشيوخ الزبير تعاونوا على الفور مع البريطانيين، وكذلك قبيلة الظفير في بادية البصرة، وأكثر أهمية من هذين الطرفين اصطفاف كل دعاة “استقلال البصرة” لاحقاً مع البريطانيين. وربما كان تناقل الروايات حول عدم رغبة سلطان نجد (عبدالعزيز) مساعدة العثمانيين، له دور في سرعة اندماج “سنة البصرة” مع الإدارة البريطانية باستثناء عائلة “باش أعيان”، وهي أقدم عائلة عربية مقيمة في البصرة حيث كانت موالية للعثمانيين تاريخياً، ولم يكن هناك تأثير لخصوم العثمانيين على زعمائها.

ومما ساعد النخبة التي قادها طالب النقيب في الحفاظ على مكانتها هو تعدد الاتجاهات الشيعية في البصرة. فمنهم كان يتبع مراجع في كرمان وآخرون في شيراز والنجف، فضلاً عن تيارات متفرعة عن التشيع، مثل الشيخية والبابية. كما باتت هناك مجموعات منفصلة اجتماعياً في البصرة، مثل الشيعة الفرس وأيضاً الهنود الذين كانوا يسيطرون على وكالة السفر الوحيدة في منطقة العشار التي يتفرع منها رافد من شط العرب يخترق المدينة، وهي حالياً المتنفس الترفيهي الملوث بالنفايات (آخر عملية تنظيف جادة لهذا الرافد النهري الحيوي تمت في ثلاثينيات القرن العشرين وقام بها نزلاء سجن البصرة).

عريضة الاستقلال

خطت مساعي تشكيل كيان سياسي للبصرة خطوة عملية للمرة الأولى حين قُدّم الطلب لأول مرة على شكل عريضة إلى الإدارة البريطانية عام 1921. قدمها اثنان من كبار تجار البصرة وملاك الأراضي هما، أحمد الصانع وعبداللطيف المنديل، وكلاهما من العرب السنة ومن الموالين لسلطان نجد (عبدالعزيز آل سعود). وطالبا خلال الاجتماع بإدارة منفصلة للبصرة تحت الحكم البريطاني المباشر. وكانت العريضة مؤلفة من 23 فقرة وموقعة من 4500 رجل في ذلك التاريخ يتزعمهم سبعة من كبار أعيان ووجهاء البصرة يترأسهم كل من عبداللطيف باشا المنديل وأحمد باشا الصانع وسليمان بك الزهير وعلي بك الزهير وعبود حمود باشا الملاك وعبدالرزاق النعمة ويوسف عبدالأحد ويعقوب نواح وحاج عبدالسيد عويد. وأفصح الصانع، الذي كان علاقة وثيقة بآل الصباح في الكويت، لسكرتيرة المندوب السامي، غرترود بيل، عن خشيته من أن ينسحب الانكليز ويتركوا البصرة “تحت رحمة حكومة عربية مقرها بغداد”.

لم تنجح العريضة لعدة أسباب، ليس أبرزها وإنما أكثرها دلالة انقسام سنة البصرة حول المشروع، فقد عارضتها بشدة عائلة “باش أعيان” الموالية للعثمانيين (يُنْظر كتاب برهان الدين باش أعيان.. حياته وعصره)، وفي وقت العريضة كانت موالية للملك فيصل على مضض. ويرجح أن الصوفية الرفاعية المتوارثة في هذه العائلة عززت ريبتها من تأثير محتمل للوهابيين على البصرة. وكتب المعارضون للاستقلال عريضة موازية وقع عليها 1500 شخصية يتقدمهم أمين عالي باش أعيان.

انهار مشروع انفصال البصرة سريعاً وعلى نحو نهائي. ألحقت المدينة بحكم بغداد، وتحول أنصار “دولة البصرة” في نهاية العشرينيات “إلى استخدام ما تبقى من نفوذهم المحلي لإضعاف حركة الاحتجاج الشيعية” وفق ريدر فسر.

رغم تبلور “سياسة شيعية” نهاية العشرينيات، إلا أن البصرة لم تكن مركزاً إنما تابعاً لمدن شيعية أصغر في الفرات الأوسط. فتهمّش سنتها وشيعتها. ومن وصل منهم إلى مراتب في بغداد خلال العشرينيات، مثل رئيس الوزراء لأربع حكومات، عبدالمحسن السعدون، فقد انشغلوا بحماية ممتلكاتهم الإقطاعية من قوانين الزراعة.

خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) دفعت البصرة الثمن الأكبر من الخراب. في معركة “نهر جاسم” اهتز وجود البصرة، وهي من أعنف معارك هذه الحرب وقتل فيها من كل طرف ما يزيد عن مئة ألف. ومن نتائجها حتى اليوم ألغام بترت أطراف آلاف البصريين. في حرب الخليج الثانية أيضاً كانت البصرة واجهة عراق صدام ضد قوات التحالف المنتصرة، ثم هدف القمع الدموي للانتفاضة ضده. وفي كل مرة لم ترمم السلطة سوى قشور الخراب الذي حل بها.

مهرجان الفساد

في عام 2014، قبل عامين من شعار دونالد ترامب “أميركا أولاً”، كان محافظ البصرة السابق، ماجد النصراوي، قد أطلق شعار “البصرة أولاً”، وهو ائتلاف كان يقوده النصراوي نفسه في انتخابات مجالس المحافظات عام 2013، تشكلت من عدة قوى بهدف منع ائتلاف دولة القانون من التحكم بالبصرة، ونجح الأمر.

في مقابلة صحافية أجرتها “المونيتور” مطلع 2014، وصف النصراوي ما يجري في البصرة بأنه “مهرجان فساد”. حينها كان يرمي بالمسؤولية على سلفه، خلف عبدالصمد، الذي ينتمي إلى ائتلاف دولة القانون، فيما النصراوي يعد أحد قيادات زعيم كتلة المواطن، عمار الحكيم.

في البصرة، أكثر من أنحاء العراق الأخرى، هناك ظاهرة يدمن عليها المحافظون المتعاقبون، وهو محاولة تصوير المحافظ السابق فاشلاً هو وكتلته، وفي نفس الوقت يقومون بإعادة إحياء المشاريع “الفاسدة”، بنفس المواصفات والخطوات والعناوين!

في عهد المحافظ خلف عبدالصمد (عام 2013)، تم طرح مشروع بناء 100 ألف وحدة سكنية في البصرة على ان تنفذه شركة كورية (تراك) بالتعاون مع شركة أميركية “عريقة” هي “هيل إنترناشيونال” بتكلفة تصل إلى أكثر من مليار دولار. وقع رئيس الوزراء حينها، نوري المالكي، على المشروع ليحال للتنفيذ نهاية عام 2011، ولم ينفذ، لكن من غير المعروف كم صرف من ميزانية المحافظة البالغة 3 مليارت دولار على هذا المخطط.

بعد عامين تغير المحافظ، وقدمت كتلة “البصرة أولاً” ماجد النصراوي للمنصب. والأخير استأنف مشروع سلفه بتكلفة بلغت مليار ونصف المليار دولار. هنا خرج مدير الشركة الأميركية (هيل إنترناشيونال) بتصريح صادم. فقد عبر عن ندمه على قبول المشروع المشترك مع الشركة الكورية، لأن كلاهما “يفتقر للخبرة في مجال الوحدات السكنية”، على حد قوله.

في العام نفسه، 2013، يتلقى النصراوي جرعة كبيرة من الدعم القادم من عمار الحكيم، فالأخير طرح مشروعاً كلف البصرة الكثير، مشروع “البصرة 2040” في بلد مثل العراق وتولى النصراوي تنفيذه. ويشمل كل احتياجات المدينة وتخطيطها، ومنها إنشاء الوسط التجاري الجديد للمدينة وطرقاتها وخدماتها. كذلك تصميم واحدة من أكبر مدن الطب في العالم. وتم توكيل الشركة الأميركية مجدداً بإعادة تأهيل البنية التحتية في المدينة بمبلغ صغير نسبياً مقارنة بالمشروع الفاشل للوحدات السكنية، وبلغت “54 مليون دولار” بحسب بيان الشركة الأميركية في ذلك الحين. ولم ينفذ المشروع، وحاول المحافظ إلغاءه بعد أقل من عامين بسبب عدم جدواه.

في العام 2017، هرب المحافظ ماجد النصراوي من العراق بعد يوم من تقديمه استقالته، وخرج من البصرة عبر إيران ثم إلى استراليا التي يحمل النصراوي جنسيتها.

بعد أيام من هذا الهروب، قام المحافظ الحالي أسعد العيدابي، باستدعاء شركة ألمانية من أجل تنفيذ مشروع الـ100 ألف وحدة سكنية!

خلال الأيام الماضية، وضع نواب “ائتلاف الحكمة” بزعامة عمار الحكيم مسؤولية أحداث البصرة على المحافظ الأسبق، خلف عبدالصمد. فانبرى نواب من “دولة القانون” ليتهموا النصراوي والحكيم بالفساد، مذكرين بمصير صفقة “هيل إنترناشيونال”. والواقع أن كلا الاتهامين قد يكونان مريحين جداً للطرفين كون الجزء الأكبر من الهدر (3 مليارات دولار سنوياً موزانة البصرة) يتوارى خلف صفقات الفساد الصغيرة مقارنة مع المبلغ الكلي.

طريق الحرير

على خرائط طريق الحرير الجديد (المشروع الصيني) ما زالت البصرة موجودة. ولأن دولاً وشركات عالمية كثيرة متضررة من الأمر فالاضطرابات تخدم – في هذا السياق الذي قد يكون مصادفة- مساعٍ لإنشاء ممرات بديلة.

كانت التجارة البريطانية قد عززت من مكانة البصرة منذ منتصف القرن التاسع عشر كمركز لتجميع البضائع بين الشرق والغرب، وسرعان ما أصبحت مدينة عالمية باستقطابها أفراداً من مختلف الثقافات، وانعكس ذلك على هويتها السكانية. لكن أوضاع المدينة تدهورت مع نشأة “دولة بغداد”، تحديداً في نهاية العهد الملكي عام 1958، ومنذ ذلك الحين، إلى اليوم، البصرة مدينة بحرية حبيسة.

لا تحتاج البصرة اليوم إلى دراسة بحثية حكومية لمعرفة متطلباتها وكيفية معالجة احتياجاتها. فالتوصيات الثمان التي قدمها القاضي البصري، أحمد نوري الأنصاري، قبل 160 عاماً، ما زالت غير مطبقة، ولا تحتاج المدينة وضواحيها إلى خطط خارج خريطة الطريق التي وضعها ذاك القاضي.  

حين أعلن المحافظ السابق عن خطة “البصرة أولاً” ثم أعلن سلفه الحالي عن “البصرة الجديدة”، فإن هذه التسميات امتداد لنحو مئة سنة من الخطط منذ الاحتلال البريطاني. قبل نحو قرن، باتت المدينة بوابة الرأسمالية البريطانية، لكن دائماً كانت هناك مشكلة في كيفية انعكاس الخطط المنفذة إيجاباً على حياة السكان. في هذه النقطة يكمن جذر الاحتجاج الحالي. واستمرار تهميش هذه المدينة قد يخلق ظروفاً منتجة لاحتجاجات من نوع مختلف، من النوع الذي أنتج “حركة اليماني” قبل سنوات قليلة.

وكما بدأت كنزاع بين سنة البصرة وبغداد، باتت الآن مواجهة بين شيعة البصرة وبغداد.    

إقرأ أيضاً:

بعد خراب البصرة… الحكومة تستنجد بالعشائر

العراق… حقوق منتهكة بمياه ملوثة

إقرأ أيضاً