هنا القصة الثالثة

ياسين طه

مقالات الكاتب

الانتخابات العراقية: استحقاق تحسمه الفتاوى الدينية

ينتظر العراقيون استحقاقاً انتخابياً مفصلياً في 12 مايو/ أيار المقبل بعد هزيمة “داعش”، وتتجه الأنظار إلى صدور فتوى من المرجعية الدينية في النجف حول كيفية ممارسة هذا الحق والخيارات المتاحة أمام الناخبين في بلد يصعب فيه العمل بعيداً من تأثير الدين والأطراف التي تمثله.

ففي خضم حملات الدعاية الانتخابية للدورة البرلمانية الرابعة، انتشر حديث في الشارع العراقي، مفاده أن المرجعية الدينية الشيعية العليا في النجف، لا تؤيد اختيار النواب السابقين والحاليين لدورة مقبلة، لأنها سبقت وأكدت أن “المُجرّب لا يُجرّب”. العبارة المشهورة المسنودة إلى المرجعية، ألمح إليها أحد وكلاء السيستاني في الخطبة التي تعبر عن رأي المرجعية في يوليو/ تموز 2014 بمدينة كربلاء، اقتباساً من حديث منقول عن الإمام علي بن أبي طالب؛ “من جرب المجرب حلت به الندامة”.

صمت المرجعية بشأن المقولة المتداولة باسمها مع مرور أسبوعين على الدعاية الانتخابية، أثار تساؤلات كثيرة، وأخذت العبارة حيزاً واسعاً من النقاشات. رجال دين مثل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فسّروها بـ “شلع قلع” وأكدوا الأخذ بظاهر النص من دون أي تفسير أو تأويل، فيما استغلتها كتلٌ سياسية للنيل من كتل منافسة لها، واعترضت كتل على عموميتها من دون الأخذ بالاعتبار خصوصية سبب إطلاقها، ألا وهو تشكيل الحكومة الحالية التي شارف عمرها على الانتهاء، واعترض آخرون بشكل مبطن بأن المقولة لا تستثني المجربين الناجحين من ضرورة التغيير واستبدالهم بآخرين حديثي العهد وغير مجربين.

الحيرة بشأن المقولة، وحساسية الظرف الانتخابي، وجهتا جميع الأنظار إلى “الجمعة الحاسم”، حيث ينتظر كثيرون خطبة للمرجعية تتضمن خارطة طريق انتخابية، وتحدد مواصفات “النائب الصالح”، وفق مصادر شيعية مقربة من النجف، وسط ترقب وانتظار، لاحتمال أن تتضمن الخطبة مفاجآت تقلب المشهد الانتخابي رأساً على عقب، مثل تحريم استغلال تضحيات مقاتلي الحشد الشعبي في الدعاية الانتخابية، ما يعني تصفيراً لخطاب كثير من المرشحين.

وتزامناً مع حبس الأنفاس لصدور الموقف النهائي للمرجعية بهذا الشأن، انضم مرجع سني كبير “عبد الملك السعدي” إلى متبني المقولة ذاتها في المحافظات ذات الأغلبية السنية، لأن المشاركين في العملية السياسية للدورات السابقة، كان عليهم التنحي عن المشاركة، لعدم تقديمهم للعراق إلا الفقر والبطالة والقتل والدمار، بحسب نص الفتوى الصادر عنه، مكرراً القول إن “من جرب المجرب حلَّت به الندامة”.

ويصعب على مقلدي المرجعية الشيعية تجاوز توجيهاتها أو تجاهلها، لامتلاكها تأثيراً كبيراً في الساحة العراقية وحتى الدولية، ولأن الطبقة السياسية الشيعية الحالية صعدت إلى واجهة الحكم في بداية انطلاق العملية الانتخابية (2005) بدعم منها، وكان لصورة المرجع السيستاني المنتشرة على كل الملصقات الجدارية التي حملت الدعاية الانتخابية للتحالف الشيعي، دورٌ كبير في اكتساح القائمة مقاعد البرلمان وحصولها على الأغلبية المطلقة، وثم رئاسة الوزراء التي تعد المنصب التنفيذي الأول في البلاد. وعلى رغم مرور أعوام على ابتعاد المرجعية من الانخراط المباشر في الشأن السياسي، ودعم مرشحين محددين أو حتى استقبالهم، أطاحت مشورة للمرجع الأعلى وجهها إلى قادة “حزب الدعوة”، برئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وسحبت الغطاء الشرعي من تحت قدميه، على رغم جمع قائمته أكثر من 100 مقعد من مجموع 328، وحصوله شخصياً على نحو 722 ألف صوت في بغداد العاصمة، وذلك بعد أن شددت المرجعية على “عدم تشبث السياسيين بمناصبهم”، ما فُسر في شكل واسع بإصرار رئيس الوزراء السابق على الولاية الثالثة، على رغم المعارضة الكبيرة التي واجهها من خصومه الشيعة قبل القوى السُنّية والكردية.

وخلافاً للوسط الشيعي، لا يتوقع المراقبون أن تلقى دعوة الشيخ السعدي إلى عدم اختيار الوجوه القديمة، صدى كبيراً في الوسط السُنّي، نظراً إلى عدم وجود مبدأ التقليد والإلزام بين السنة، إلا أن الفتوى التي تحاكي الحالة الشيعية، تشكل أحد أوجه تداخل الدين بالسياسة في العراق حتى في الوسط السني الذي يغلب عليه طابع العلمانية أكثر من الطابع الشيعي. فتوى السعدي الذي يتمتع بجمهور ومقبولية في المناطق الغربية السنية في العراق، تتزامن مع منشورات وكتب لديوان الوقف السني تحث الناس على المشاركة في الانتخابات، وتحدد ملامح القوائم الصالحة للانتخاب ومواصفاتها لخطباء الجمعة، وكذلك مع إقامة ندوات ونشاطات من قبل مجاميع فقهية سنية تصدرها نواب وسياسيون تحت عناوين نبذ التطرف والطائفية.

وكلما اقترب موعد الانتخابات تتزايد، المخاوف من صدور الفتاوى الدينية للتأثير على سير العملية الانتخابية، على غرار إطلاق مراجع في النجف وبغداد (الخالصي والمالكي) دعوات إلى مقاطعة الانتخابات، وصدور فتوى من المرجع الشيعي “كاظم الحائري” المقيم في مدينة قم الإيرانية، تحث على انتخاب “حماة الأعراض”، في إشارة إلى مرشحي الحشد الشعبي الذين يخوض أكثر من 500 مرشح منهم السباق الانتخابي، بعد استبدال زيهم العسكري ببدلات رسمية أنيقة، في وقت يشكو المرشحون المدنيون والعلمانيون من حملات تسقيط واستهداف في منابر الجوامع، تتهمم بالعمالة للغرب ومعاداة الإسلام، بعد أن قرروا مواجهة الأحزاب النافذة التي تحكم العراق منذ 15 عاماً، استناداً إلى شرعية دينية مفترضة.

إقرأ أيضاً