هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

الاعتداءات المتكررة على محال الخمور في مصر: الميليشيات الدينية بديلاً من الدولة

في بداية الشهر الجاري، أيّدت محكمة النقض المصرية، حكماً بإعدام “عادل أبو النور”، المدان بذبح قبطي في الإسكندرية بسبب “بيعه الخمور”.

والواقعة تعود إلى يناير/ كانون الثاني 2017، عندما كشفت لقطات فيديو، سجلتها إحدى كاميرات المراقبة الأمنية، القريبة من متجر، القبطي يوسف لمعي، إذ تقدم نحوه شاب ملتحٍ أثناء جلوسه خارج محله، في مدينة الإسكندرية، وقام بذبحه من الخلف، بسكين في رقبته، ثم لاذ بالفرار.

وفي جريمة أخرى وبينما كان المسيحيون يستعدون للاحتفال بعيد الميلاد مطلع العام، وقع اعتداء مسلح على أحد محال بيع الكحوليات، في حي العمرانية، بمحافظة الجيزة، جنوب القاهرة، إذ أطلق شخصان الرصاص، من بندقية آلية صوب المتجر، الذي يملكه قبطي، ثم لاذا بالفرار، وقُتل شقيقان ضحية ما حدث.

حي العمرانية، هو أحد الأحياء العشوائية الفقيرة في القاهرة، وتتمركز فيه الجماعات الدينية، بصورة لافتة، منذ عقود، سواء جماعة الإخوان، والتيار السلفي، بتنوعاته، وكذا، السلفية الجهادية، وتنشط داخله، حركة حازمون، المنتسبة إلى أفكار الشيخ السلفي، حازم صلاح أبو إسماعيل، أحد المقبوض عليهم، في قضايا العنف، بعد الثلاثين من حزيران/ يونيو 2013.

ليست المرة الأولى، التي تتعرض فيها متاجر بيع الخمور في القاهرة، لاعتداءات متكررة، ويتم استهداف الأقباط، على وجه الخصوص، باعتبار أن نسبة كبيرة، من أصحاب تلك المحال والعاملين فيها مسيحيون، وبالتالي تتخذ هذه الاعتداءات مبدأ القتل على أساس الهوية الدينية، مباشرةً، إلى جانب ارتكاب مجازر “تطهيرية”، تقوم بها الميليشيات المتطرفة، خارج الإطار القانوني.

في بداية العام الماضي، وقع حادث مشابه، إذ شرع أحد الأفراد، بذبح يوسف لمعي، وطعنه بسكين في رقبته، أثناء وجوده أمام متجره، في منطقة المنتزه، شرق مدينة الإسكندرية.

لا يمكن اعتبار صناعة الخمور في القاهرة، أمراً وافداً وجديداً، على المجتمع المصري، الذي تعددت ثقافاته ودياناته والجنسيات المنتمية إليه، فقد بدأ ظهور “البارات”، ومحال بيع الخمور وانتشارها، مع مطلع القرن العشرين والاحتلال الإنكليزي لمصر، حين كانت الجاليات الأوروبية والأرمنية واليهودية، تقطن القاهرة، وتشكل مجتمعاً كوزموبوليتانياً، تتمدد فيه مختلف الأعراق والهويات الدينية والقومية.

وعكست تلك الحال، صورة من التسامح وقبول الآخر، كانت تنأى بنفسها، عن أي خطاب متشدد وعنصري، تجاه العادات والسلوكيات المجتمعية المتفاوتة.

وأسس الخواجة اليوناني، نستور جاناكليس، عام 1882، مصنعاً للخمور في الدلتا، والذي خضع لإجراءات التأميم في الحقبة الناصرية، في ستينات القرن الماضي، كما اقترنت أسماء “البارات” باليونانيين، الذين كان لهم النصيب الأكبر في امتلاك معامل تصنيع الكحول وتقطيرها، بخاصة في منطقة الأزبكية، بوسط القاهرة.

وفي كتابه: “بارات مصر… قيام وانهيار دولة الأنس”، يطرق الكاتب والصحافي المصري، محمود خير الله، هذا العالم الخفي والقديم، والتحولات التي تركت أثرها عليه، تبعاً لحال الأفول التاريخي، وتبدد مساحة التنوع والتعدد، وهي نتيجة تصاعد التيارات الدينية، وتنامي حالات التطرف، وتحول كل أشكال التسامح، إلى انغلاق وعدوان.

فيقول “خير الله” في مقدمة كتابه: “نعم لقد عكس بقاء البارات الشعبية في مصر حتى اليوم، قصص كفاح كبيرة، عاشتها الروح المصرية المتسامحة، على مدى ثلاثة قرون تقريباً، من دون أن يتجرأ أحد على منحها القيمة التي تستحقها هذه البارات، بسبب الدور الذي مثلته، دائماً وأبداً، في ترسيخ معاني الدولة المدنية والحفاظ عليها من الاندثار أو الزوال”.

ويوثق “خير الله” تاريخ ظهور “بارات مصر”، إلى بداية الاحتلال الانكليزي، في الفترة من عام 1882 حتى 1952.

ويقول: “تأسس العشرات منها مطلع القرن العشرين، للتخفيف من الأعباء النفسية على الآلاف من جنود الاحتلال، لكن في الأربعينات من القرن ذاته، أنفقت شركات الخمور العاملة في مصر أموالاً طائلة للدعاية لمنتجاتها، واضطرت للمشاركة في إنتاج أفلام سينمائية، موضوعها رصد حروب الشرطة ضد تجارة “المخدرات”، لتكريس الصورة الذهنية، التي تعتبر تناول المسكرات، فعلاً طبيعياً في أغلب الأفلام السينمائية المنتجة، في النصف الأول من القرن العشرين، أي في العهد الملكي الشهير بالمستوى الرفيع في ليبيراليته، والتي جعلت من الملك فاروق آخر حكام دولة محمد علي، رمزاً متجسداً للحاكم الذي لا يعرف أحد مدى صحة ما ينسب إليه، من قضائه أياماً تحت تأثير الخمور، حيث كان دائم التواجد في أماكن احتسائها من الكازينوهات إلى المتنزهات، هو وأغلب أركان حكمه وحاشيته”.

لا تطرح تلك السردية، مفاوضات حول شرعية الخمر من عدمها، لكنها، تكشف عن موضوع “الخمر” الذي تحول إلى مادة محفزة على التوحش والعدوان، وفهمها تحت وطأة التعصب، والعمى الديني للجماعات الإسلامية، ونفي حرية الأفراد، التي تخضع للقانون والحقوق المدنية.

ولئن كان وجود الخمر التاريخي والاجتماعي، في حضارات وشعوب مختلفة، ومن بينها الإسلام، يفسر مزاجية المجتمع ووجدانه، ويعكس تنوعه، كما يوثقه الشعر والرسومات في المعابد والجدران، والبرديات القديمة، ناهيك بأدوات صنعه ومراحله المختلفة، التي تحفظها ذاكرة التاريخ وأثره، بيد أنه قد تحول إلى عنصر يبعث على اشتهاء القتل والعنف.

ملاك، رجل سبعيني، يملك محلاً لبيع المشروبات الروحية، في القاهرة، ورث المهنة عن والده، الذي عمل فيها منذ الخمسينات، وحصل على ترخيص لافتتاح متجر بيع مشروبات روحية، في الأربعينات، ضمن 3500 محل، على مستوى الجمهورية. يقول لـ “درج”: “أكثر ما يؤذيني هي النظرة، التي يحملها أهل الحي والجيران تجاهي، باعتبار أموالي حرام. فالنظرة المجتمعية تجاه عملي تضعني في محل إدانة، طوال الوقت والتشكيك في سلوكياتي، على رغم أنه مصدر رزق وتجارة، مثل غيره، وأدفع للدولة الضرائب، وألتزم بشروطها، وفي المقابل يفترض أن توفر لي الحماية لمنتجي، بدلاً من أن أصبح ضحية القلق والتشنيع والقتل”.

ويردف ملاك: “صحيح أن نسبة المسلمين في مصر كبيرة، والإسلام يحرّم تعاطي الخمور وبيعها وشراءها، لكن، لماذا في المقابل، لا يتم تصحيح الفكرة الرائجة، بأن الدين المسيحي والمسيحيين، هما سبب انتشار الخمر”، ويكمل، “بالنسبة إلينا، ينحصر الأمر في كونه مجرد تجارة، كما يعمل معنا مسلمون أيضاً، لكنهم، يفضلون البقاء في معامل تقطير الكحول، أو يشتغلون داخل البارات، تفادياً للوصمة الاجتماعية التي سوف تلاحقهم”.

إقرأ أيضاً