fbpx

هنا القصة الثالثة

سامي الكاف - صحافي يمني

سامي الكاف - صحافي يمني

مقالات الكاتب

الاحتجاجات تتصاعد في الجنوب: ما معنى أن تكون يمنيّاً وتعيش بكرامة؟

دخلت امرأة عجوز، يبلغ عمرها نحو 70 عاماً، في مشادة كلامية مع حارس بوّابة مكتب التربية والتعليم في مديريّة الشيخ عثمان، أكبر مدن عدن، جنوب اليمن، بسبب عدم تمكّنها من إتمام معاملة نقل حفيد لها إلى إحدى المدارس الابتدائية في المنطقة.

كانت المرأة السبعينية ضمن مجموعة من المواطنين، وكنتُ أحدهم، الذين لم يتمكّنوا من إتمام معاملاتهم الروتينية بسبب إضراب يتم تنفيذه من قبل الموظّفين.

خرج أحد الموظفين في مكتب التربية والتعليم إلى البوابة يطمئن المواطنين بإنجاز معاملاتهم اليوم التالي. “عودوا غداً وسنقوم بإتمام كل معاملاتكم، لا تقلقوا”.  قال الموظّف جملته بطريقة هادئة و بدا واثقاً.

بدا الأمر بالنسبة له سهلاً واعتيادياً؛ لكنه بدا بالنسبة إلى تلك المرأة العجوز غير عادي ومرهق.

تسكنُ المرأة السبعينية العمر في منطقة بعيدة عن مكتب التربية والتعليم، وقالت لي: “ليس معي ما يكفي من المال لإنفاقه في المواصلات ذهاباً وعودة”.

قيمة المعاملة التي هي بصدد إنجازها تبلغ 600 ريال فقط (ما يعادل دولاراً واحداً بعد انهيار العملة الوطنية)، لكن تكلفة مشوار واحد عبر سيّارة أجرة ذهاباً من منزلها إلى المكتب يكلّفها دولارين ونصف (1500 ريال).

تعيش هذه المرأة مع زوجة ولدها وثلاثة من الأحفاد أكبرهم يبلغ من العمر عشر سنوات. قالت لي: “آخر مرّة أرسل ولدي المال لنا كانت قبل ثلاثة أشهر”.

يقاتل ولدها في جبهة الساحل الغربي في الحديدة شرق اليمن ضمن قوّات فصائل جنوبية تقاتل مع الحكومة المعترف بها دولياً ضد الحوثيين. ويبلغ راتبه الشهري 1000 ريال سعودي (يعادل نحو 150،000 مائة وخمسين ألف ريال يمني).

محتجّون على تدهور الأوضاع الاقتصادية في عدن

رفضت المرأة السبعينية العمر أن تأخذ مالاً من متبرعين، أثناء إجراء الحديث معها. قالت لـ(درج) بصوت حزين لكنه واضح: “نريد لولدنا العودة سالماً إلينا و أن نعيش بكرامة”، ثم ذهبت إلى حال سبيلها مختفية بين جمع من الناس.

ليست هذه المرأة وحدها من يريد العيش بكرامة في بلد مثل اليمن لا يستطيع فكاكاً من حرب كارثية أطبقت عليه منذ نحو ثلاث سنوات ونصف السنة، حتى و هي بالكاد تحاول مع ولدها وأسرته مواصلة حياتهم بما تيسر لهم من راتب ولدها والبقاء صامدين في حياة صعبة لا ترحم أحداً.

ثمة يمني آخر تحدث أخيراً عن الكيفية التي يتعين أن يعيش بها المرء بكرامة في هذه البلاد، ولكن من منظوره الشخصي. يقول صالح الجبواني في منشور على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك أن “الوزير أو القيادي الذي ترك منزله في صنعاء أو غيرها من المدن اليمنية لأن الحوثي ترصد له ليقتله أو ليسجنه ويهدد بحجز أطفاله ليبتزه بهم، وذهب إلى عدن ووجد المناطقيون العنصريون له بالمرصاد من الطبيعي أن يأخذ عائلته إلى الرياض أو القاهرة ومن الطبيعي أن يستلم بالدولار أو الريال السعودي ليستطيع العيش بكرامة”.

يعمل صالح الجبواني وزيراً للنقل في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. ولكي يعيش بكرامة يتقاضى 7000 دولاراً راتباً شهرياً (يعادل 4،200،000 أي أربعة ملايين ومائتين ألف ريال يمني).

يحصل الجبواني أيضاً على مزايا أخرى، بالدولار: بدل سكن له و لأسرته، وتذاكر سفر، ونثريات مكتب وزير، وبدل مواصلات.

قبل تعيينه وزيراً في الحكومة اليمنية كان الجبواني يعيش في لندن، وينشط في مواقع التواصل الاجتماعي. وكان ابن المرأة السبعينية العمر يقاتل في مدينته عدن عندما اندلعت الحرب في أواخر مارس 2015 ومن ثم انتقل بعد ذلك للقتال في الجبهات اعتقاداً منه انه يدافع عن وطن، و يريد مثل والدته العيش بكرامة.

ثمة يمنيون آخرون يريدون العيش بكرامة. وقد خرجوا الى الشوارع في عدن يعبّرون عن ذلك سلمياً. لكن الأمر آل في نهاية المطاف الى فعل غير سلمي في محاولة لتطويعه سياسياً.

انطلق عصيان مدني صباح الأحد الفائت في عدد من مديريات عدن، وبدلاً من رفع لافتات تعبّر عن مطالبهم المشروعة، راح عدد منهم يكشف عن حقيقة ما يريدون فعله: جرّ الجميع إلى مربع العنف.

تم إغلاق العديد من المحلات التجارية بقوة السلاح عبر مجاميع مسلحة، وتم إحراق إطارات السيارات في عدد من الشوارع كما تم قطع عدد من الطرقات.

بدا الأمر يتحوّل من كونه احتجاجاً سلميّاً لمجموعة من المواطنين تريد أن تعيش بكرامة في وطن حر ومستقل، إلى عصيان مدني عابث تحميه مجاميع مسلّحة ومُلثّمة.

تكرّر الأمر ذاته، اليوم التالي، 3 أيلول/سبتمبر الفائت، بنفس الآلية ونفس الوجوه. و في مساء ذات اليوم دعا المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يفرض سيطرته العسكرية على عدن وعدد من المحافظات الجنوبية، ما أسماها “جماهير شعبنا العظيم” إلى “الخروج في كل مناطق الجنوب للتعبير عن مطالبهم بكل الطرق السلمية”. كما دعاهم إلى “التعبير عن رفضهم ومقاطعتهم لأي مشاورات أو مفاوضات يتم فيها القفز فوق تطلّعاتهم وتعمد إلى تغييبهم وتهميش تاريخهم وإلغائه” كرد فعل على عدم ضمّه للمشاورات التي تعقدها الأمم المتحدة بين الحكومة اليمنية والحوثيين في جنيف.

“يتساءل كثيرون لماذا لا تعمل شركات الطيران السعودية والإماراتية والبحرينية والكويتية والقطرية في مطارات اليمن؟”

مساء اليوم ذاته، أي 3 أيلول/سبتمبر الفائت أطل يمني آخر يدافع عن الكرامة. طالب خالد بحاح النائب السابق للرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، بعاصفة تصحيح سياسي في اليمن، متّهماً الشرعية اليمنية المعترف بها دولياً، بعدم الحفاظ على ما أسماها “كرامة العباد”.

شنّ بحاح الذي أقاله الرئيس هادي من منصبه كنائب له وكرئيس لمجلس الوزراء هجوماً عنيفاً على الشرعية اليمنية، مطالباً بـ”الحجر على من يتسبب في تدمير البلاد”.

قال بحاح في تغريدة على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي تويتر أن “معاناة الشعب اليمني كُبرُت على رئاسته الشرعية”، في إشارة واضحة إلى شرعية الرئيس عبدربه منصور هادي الذي غادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية للعلاج. وأضاف بحاح الذي يقضي وقته منذ إقالته في التنقل بين الرياض وأبوظبي، أن “من المسؤولية الوطنية والإقليمية والدولية التدخّل لإنقاذه”، أي إنقاذ الشعب اليمني، و”الحجر على من يتسبّب في تدمير البلاد، فالشرعية لمن يحافظ على كرامة العباد”.

يفرض المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه في جنوب اليمن بقوّة السلاح. و يقول في بيانه: “سنحمي الشعب وندافع عنه، ولن نسمح بالمساس بالمتظاهرين أو التعرّض لهم بأي شكل من الأشكال، وندعو أبناء شعبنا إلى الحفاظ على مؤسساتهم الوطنية”.

لكن الشعب الذي يتحدّث عنه المجلس الانتقالي الجنوبي خرج في الرابع والخامس من ايلول/سبتمبر في مدن: الضالع، ردفان، سيئون، و المكلا يطالب برحيل التحالف العربي، مُردّداً شعارات ليس ضد الحكومة اليمنية التي جعلها الانتقالي هدفاً له، بل وأيضاً ضد السعودية وخصوصاً الإمارات، الدولة التي تموّله وترعاه ويعيش معظم قادته في أبوظبي.

تنادي هذه الجماهير بما أسمته “التحرّر من الاحتلال ووضع يدها على موانئها ومطاراتها”، و”تريد العيش على أرضها باستقلالية و كرامة”.  وقام عدد من الشباب، تحديداً صباح الأربعاء 5 أغسطس/آب، بتمزيق صور إعلانية كبيرة تم نصبها في الشوارع لقادة الإمارات.

قبل ذلك بيوم، أي صباح الثلاثاء 4 آب/أغسطس الفائت، تجوّلتُ بسيارتي في عدد من مديريات عدن، ورأيت الفعل ذاته الذي حدث في اليومين الماضيين، يتكرّر بنفس السيناريو: يقوم شباب منذ الصباح الباكر بإحراق إطارات السيارات في عدد من الشوارع وقطع عدد من الطرقات بحماية من مجاميع مسلحة ومُلثّمة. أشار ناشطون إلى انتمائهم للمجلس الانتقالي الجنوبي.

لا وجود فعلي للحكومة اليمنية تجاه ما يحدث على الأرض في جنوب اليمن؛ فالاحتجاجات مستمرّة بعضها عفوي وبعضها خلاف ذلك، ومع هذا تتصاعد بنسق واضح. لكنها، أي الحكومة، موجودة في الرياض، وتقول إنها بـ”صدد اتخاذ اجراءات عديدة لمواجهة ما يحدث”.

نشرت وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” الثلاثاء 4 آب/أغسطس، أن الحكومة وضعت خلال اجتماع برئاسة رئيس مجلس الوزراء أحمد بن دغر في الرياض “بعض الإجراءات لتطبيع الأوضاع وإيقاف تدهور الاقتصاد، وإعادة الاستقرار التمويني والغذائي والخدماتي”. و تضمنت الإجراءات “إعادة النظر في عمل الأجهزة الأمنية وتوحيد مؤسساتها، والعمل على تأمين الأرواح والممتلكات والاستثمارات والطرقات، لضمان حرية تنقل البضائع، وحل مشكلة المطارات والموانئ لتسهيل عودة شركات النقل البحري والجوي”.

ما زال معظم المطارات في اليمن خارج نطاق العمل وشركة الطيران اليمنية الوحيدة في البلاد في حال يُرثى لها. ويتساءل كثيرون لماذا لا تعمل شركات الطيران السعودية والإماراتية والبحرينية والكويتية والقطرية في مطارات اليمن؟

أكّدت الحكومة اليمنية انها ستعمل على “إعادة تأهيل الطيران المدني، ورفع الحظر عن شركة الخطوط الجوية اليمنية، ما يساعد على توفير مبالغ كبيرة من النقد الأجنبي. وبشأن العملة، ستتخذ الحكومة آليات مؤقتة للحد من المضاربة في سوق العملات، والوقوف بحزم أمام الاختلالات المسبّبة في تراجع سعر الريال، وإغلاق محلات الصرافة غير المرخّصة”.

الحكومة اليمنية أشارت كذلك إلى أنها “لن تألو جهداً وبالتعاون مع دول التحالف العربي بقيادة السعودية، في تقديم الدعم الكامل لاستيراد المواد الأساسية مثل القمح والأرز والسكر والحليب وزيت الطعام والأدوية، وتوفيرها بأسعار مناسبة”. وأضافت أنه “فيما يخص تعزيز الإيرادات، ستبدأ في حشد الجهود لتحصيل الموارد المتاحة من كل المصادر وتوريدها إلى حساب الحكومة العام في البنك المركزي، وتنشيط عمل الأجهزة والمؤسسات الإيرادية وتفعيل دورها”. كما أكّدت على “إعادة تأهيل مرافق النفط والغاز لتعمل بكامل طاقتها لتغطية الاستهلاك المحلي وتصدير الفائض، لتعزيز موارد البلد من النقد الأجنبي”.

على صعيد التمثيل الدبلوماسي في الخارج، أكّدت الحكومة اليمنية “تقليص السفارات والملحقيات، واقتصار التمثيل على الكادر المؤهل والفاعل. وأضافت أنها “ستستخدم كافة الوسائل السياسية والعسكرية والدبلوماسية لإرغام ميليشيا الحوثي على توريد كافة إيرادات الدولة للبنك المركزي بالعاصمة المؤقتة عدن، من أجل وفاء الدولة بالتزاماتها تجاه مواطنيها على امتداد الجغرافيا اليمنية”.

إجراءات عديدة قالت الحكومة اليمنية أنها ستّتخذها وهي التي ما زالت إلى الآن لا تفرض سيطرتها الأمنية على عدن وعدد من مناطق جنوب اليمن.

و في حقيقة الأمر هي لم تشر إلى أي شيء من شأنه أن يجعل اليمني يعيش بكرامة؛ أو ما معنى أن يفعل ذلك حقاً: أن يكون يمنياً و يعيش بكرامة؟

إقرأ أيضاً:
طموحات انفصال جنوب اليمن: مصالح ونزاعات وتدخّلات خارجية
44 قبراً صغيراً تثير أسئلة حرجة حول سياسة الولايات المتحدة في اليمن
صناعة الفرد الآمر الناهي في اليمن لم تكتمل بعد: عبدربه منصور هادي نموذجاً

إقرأ أيضاً