fbpx

هنا القصة الثالثة

حنان زبيس - صحافية تونسية

حنان زبيس - صحافية تونسية

مقالات الكاتب

تونس: دعوات واعتصامات مطالبة بـ”حق المجاهرة في الإفطار”

في شهر رمضان هذه السنة وكما سابقاتها، تعود إلى الواجهة في تونس مسألة “المجاهرة بالإفطار” وملاحقة المفطرين مع تطبيق عقوبات سجنية عليهم، على رغم ما ينص عليه الدستور التونسي حول ضرورة احترام حرية الضمير. هذا العام تعقد الوضع أكثر مع تصريح وزير الداخلية بضرورة احترام الأقلية للأغلبية الصائمة في تونس، ما جعل ائتلافاً من 30 جمعية يردّ عليه باعتزامه تنظيم وقفة احتجاجية في 27 مايو/ أيار 2018 للمطالبة باحترام حرية الإفطار في رمضان.

مع بداية شهر الصيام، تُلوّح وزارة الداخلية التونسية بتطبيق قانون غلق المقاهي والمطاعم في شهر رمضان أو ما يعرف في تونس “بمنشور مزالي” لسنة 1981 (وهو رئيس حكومة سابق في عهد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة). وتقوم بحملة مراقبة على محلات الأكل والشرب للتثبت من غلقها ومعاقبة المفطرين. وتعاضدها في عملها هذا، بعض الجمعيات الدينية التي ظهرت بعد الثورة والتي أخذت على عاتقها محاربة المفطرين مثل الجمعية الوسطية للتوعية والإصلاح لرئيسها، عادل العلمي والذي توعد “المجاهرين بالإفطار” بمعاينات قانونية وتتبعات قضائية، فيما يشبه شرطة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في المملكة العربية السعودية. وكان العلمي قد قاد السنة الماضية حملة متابعة لعدد من المقاهي والمطاعم محاولاً تارة، وعظ المفطرين وإرشادهم، وتارة أخرى تهديدهم بالملاحقة القانونية، عدا قيامه بتصويرهم والتشهير بهم.

حملة “رمضانكم حرية”

احتدم الجدال أكثر هذه السنة حول مسألة الإفطار في شهر الصيام، بعد تصريح مثير للجدل لوزير الداخلية، لطفي براهم في جلسة استماع في لجنة التشريع العام بالبرلمان التونسي، دعا فيها “الأقلية إلى إحترام الأغلبية من التونسيين الصائمين”، مضيفاً أنه مثلما التزمت وزارة الداخلية بحماية اليهود التونسيين أثناء حجهم إلى مقام “الغريبة” في جربة، فمن واجبها أيضاً “حماية شعائر الأكثرية من الصائمين في تونس”. أثار هذا التصريح موجة من الانتقادت، بخاصة في صفوف ناشطي المجتمع المدني من المدافعين عن الحريات الشخصية الذين أصدروا بيانات تنديد وفيديوهات توعوية تذكر بنصوص الدستور التي تكفل حرية المعتقد، على غرار ما قام به الائتلاف المدني من أجل الحريات الفردية (المتكون من 31 جمعية مدنية) الذي أطلق فيديو في إطار حملة “رمضانكم حرية” للتذكير بأن “الحريات الفردية عموماً، وحرية الضمير خصوصاً، هي حقوق مضمونة لكل التونسيين والتونسيات ومنصوص عليها في الدستور التونسي”. كما دعا برلمانيون مثل النائب هاجر بالشيخ إلى “فتح المقاهي في رمضان لأن الإسلام ليس دين كل التونسيين”. وشدّدت هذه الأخيرة على أن “الدولة راعية للدين في المساجد وداخل أماكن العبادة وليس في الشارع وفي المقاهي”.

تضامن كبير بين المفطرين

في الأثناء، لا يبدو أن المفطرين غيروا عاداتهم أو تراجعوا عن مواقفهم، بل إن خطاب التشدد ضدهم لم يزدهم إلا إصراراً وعمّق تضامنهم لتنشأ صفحات كثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي يتشاركون من خلالها عناوين المقاهي والمطاعم المفتوحة خلال النهار. إحدى هذه الصفحات هي صفحة “فاطر” على “فيسبوك” وتضم 6482 مشتركاً، يقوم روادها بمشاركة صورهم وهم يأكلون أو يشربون. كما أنهم أعدوا خارطة لكل محلات الأكل المفتوحة على كامل تراب الجمهورية باستعمال تطبيق “غوغل ماب”، وقد لقيت رواجاً واسعاً.

يقول منصف سالمي وهو من رواد هذه المجموعة (الغروب): “أنا متزوج وعندي أبناء، طوال عمري وأنا فاطر، أفطر في الدار “بالجهار” (أمام الجميع) وأولادي وزوجتي صائمون… عائلتي الموسعة كذلك تعلم أنني لا أصوم” مضيفاً: “التغيير يبدأ من العائلة!”. لا يوافقه في الرأي أنور الإمام، وهو أحد المشتركين في الصفحة، الذي يرى أن أصعب شيء هو المجاهرة بالإفطار أمام العائلة. لكن الشابة ريم القلال، ترى أن التحدي الأكبر أمام المفطرين ليس فقط الدعوة إلى فتح المقاهي، وإنما الجلوس في أماكن عامة مفتوحة والمجاهرة بالإفطار، لأن ذلك سيجعل من المسألة أمراً واقعاً، وسيخلق سوقاً تشجع محلات أخرى على فتح أبوابها في رمضان”.  

حملات التضييق على المواطنين بمناسبة الشهر الكريم بدأت قبيل انطلاقه بأيام، عبر حملة قام بها أعوان وزارة الداخلية على الحانات والمطاعم التي تقدم المشروبات الكحولية للتشديد عليها بضرورة التوقف حالاً عن ذلك، في حين أن القانون لا يمنع هذا النشاط قبل شهر رمضان. هكذا وجد موظفو أحد المقاهي في شارع محمد الخامس (أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة) أنفسهم مهددين من قبل أعوان الشرطة بغلق المحل لو لم يتوقفوا عن تقديم الشراب إلى الزبائن وذلك قبل يومين من شهر الصيام، ما اضطرهم إلى أن يتوسلوا الزبائن لإكمال مشروبهم بسرعة والمغادرة، خوفاً من تهديدات الشرطة.

وقفة احتجاجية للمطالبة بحرية الإفطار

مسألة الإفطار في رمضان من عدمه، تفتح النقاش حول الحريات الفردية ومدى احترامها في تونس، بخاصة في بلد شهد ثورة من أجل الحرية، وضمّن في دستوره حرية الضمير والمعتقد، فهل يعقل أن يتواصل تهميش جزء من المجتمع لأنه يطالب بحقه أن يكون مختلفاً عن الأكثرية؟ ثم بأي حق تفرض الدولة وصاية على المواطن وتتدخل في ممارسته شعائره الدينية أو عدمها؟

يرى عبد الباسط حسن، مدير المعهد العربي لحقوق الإنسان، أن هناك “رقابة خانقة على كل ما يتعلق بالحريات الفردية وعلى الأجساد والعقول والضمير، في حين لا توجد رقابة على جحافل العنف الجسدي واللفظي الذي يزحف علينا من الشاشات والعالم الافتراضي والملاعب والشوارع ومن كل مكان. وهذا أخطر فصام نعيشه اليوم قد يكون مدخلنا لأهوال لا معلومة”.

للتنديد بهذا الوضع، أرسل “الائتلاف المدني من أجل الحريات الفردية” رسالة مفتوحة إلى الرئاسات الثلاث يطالب فيها السلطات التونسية “بحماية الحريات والحقوق الفردية والتصدي لكل محاولة لتقويضها خلال شهر رمضان”. في حين دعت “جمعية المفكرين الأحرار” إلى جانب 30 جمعية أخرى إلى تنظيم وقفة احتجاجية أمام وزارة السياحة يوم 27 مايو/ أيار 2018 للمطالبة باحترام حرية الإفطار في شهر رمضان وعدم إغلاق المقاهي.

وتبقى مسألة احترام حقوق غير الصائمين في شهر الصيام محل جدل مثلها مثل حقوق المثليين والأقليات الدينية في مجتمع يشهد تحولات كبيرة، ولكنه ليس مستعداً بالضرورة للتفاعل معها وتغيير نمط العقليات السائدة فيه.

 

إقرأ أيضاً