fbpx

هنا القصة الثالثة

جاد شحرور - صحافي لبناني

جاد شحرور - صحافي لبناني

http://www.jadshahrour.com

متخصص في الحريات الإعلامية والرقمية

مقالات الكاتب

الإعلام والإعلان العربي… النكبة الموازية

قبل وبعد وخلال يوم ذكرى النكبة، هرع الإعلام العربي للتضامن ولبث التقارير والمشاهد والتغطية الإخبارية لحدث نقل السفارة الأميركية، وبرز التضامن على المواقع التواصل الاجتماعي، التضامن الذي هلل لمقعد يرمي حجراً في وجه دبابة الاحتلال، أو لأم قالت “حملت ابني مرتين! في ولادته وفي مماته”.

ومن ضمن حملات التضامن، طرحت شركة الاتصالات الكويتية، “زين”، فيديو دعائي ترحيباً بشهر “رمضان”، بعنوان “سيدي الرئيس”، وهذه السنة الثانية على التوالي، التي تتناول فيها الشركة رسالة سياسية من خلال حملتها الرمضانية. ففيديو السنة، بطله طفل يدعو المجتمع الدولي، للإفطار في القدس! ينقل الفيديو الدعائي مشاهد تمثيلية من مصائب المنطقة، “الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، المأساة السورية، واضطهاد مسلمي الروهينجا”. المفارقة في الإعلان ليست في كلماته فقط بل في مشاهده والمضامين التي حملتها تلك المشاهد، فالطفل يدخل مكتب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ويخاطبه ب “سيدي الرئيس”!  ويعايده بالشهر الفضيل، ومن ثم يدعوه للإفطار في منزله المدمر. وفي لقطة ثانية يمسك الولد بيد الرئيس الروسي، فلادمير بوتين، ويخرجه من مطبخ منزله (الذي يفترض أن يكون مدمراً في المقطع الغنائي الأول) ويقف معه على الشباك، ليتأملوا المساجد والكنائس، في حين أن والدة الطفل “تقف في صف الانتظار بقلبٍ مكسور”… من ثم يصف الإعلان الهجرة القسرية للشعب السوري، بـ “وصلت مراكب الموت إلى أرض الأحلام”، وتظهر لنا مستشارة ألمانيا، أنيجلا ميركل، تركض نحو الشاطئ لاستقبال الشعب الذي هجر من بطش النظام السوري، المدعوم من روسيا.

طبعاً على الإعلان أن يكمل طريقه في المشاهد الحساسة، فمن بعد اهتمام ترامب بالطفل مصغياً إليه، ومن بعد لطافة بوتين وشغف ميركل، يظهر رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون باكياً متأثراً بكلمات الطفل “كلما أغمضت عيني، أسمع انفجار ويشتعل سريري، دخاناً ونار ويخرج الخوف، من باب الدولاب وتبكي الأغاني… وتنزف الألعاب”.

من ثم ينتقل الفيديو مسافة ٦ أو ٧ بلدان على الخارطة الإسلامية، ليصل إلى بورما! هنا نرى الأمين العام للأمم المتحدة، يقوم بعمل بطولي اذ يساعد الشعب في قطع النهر، هرباً من الظلم… من ثم يعود الطفل مجدداً إلى القاعة البيضاوية في البيت الأبيض، أمام مكتب ترامب، ويكرر دعوته للإفطار، مؤكداً على أن القدس عاصمة فلسطين. وبحركة بطولية ينقذ الولد، طفلة تحاكي ملامح عهد التميمي، ويركضان نحو القبة الذهبية، لمسجد الصخرة في القدس، وهنا يكملان طريقهما كتفاً إلى كتف مع شخصيات بمظهر خليجي، في مشهد يظهر واضحاً أنه يمثل حكام الخليج. ومن دون أي تفسير وخارج كل السياق يظهر رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو على نحو غير مفسر.

من المفترض أن الإعلان حمّل مشكلة القدس للمجتمع الدولي، من دون أن يُفسر لنا علاقة الرئيس الكوري الشمالي بهذا الهم من جهة، ومن جهة أخرى يبدي الشريط حيادية حيال موقع بوتين من “مركب الموت!” ومن المجزرة السورية، عدا أنه يُغفل ذكر بشار الأسد، على الأقل كطرف نزاع وطبعا لم يرد على ذكر اليمن ولا عن المسؤوليات بحق ما يرتكب فيها من انتهاكات وحروب. يذكر أن الإعلان الماضي (٢٠١٧) الذي غناه الفنان حسين الجسمي، يظهر فيه إرهابي، ومشاهد من تفجيرات إرهابية في السعودية والكويت والأردن وسوريا، ومن أبرز المشاهد، مشهد الطفل السوري عمران… ودعا الفيديو آنذاك “اعبد ربك… حباً لا رعباً…كن في دينك… سهلاً لا صعباً…”.

بوتين والأسد شريكان أساسيان في اضطهاد السوريين، وترامب الذي تسبب بمجزرة في القدس منذ ٤٨ ساعة، بفعل نقل السفارة. والشريط اذ أغفل هذه الحقيقة هدف من وراء هذا الإغفال تمرير رسائل موازية، لعلها تمرير مشهد الحكام الخليجيين متضامنين مع القدس، وهو ما يحتاج إلى أكثر من فيديو لإثباته.

الفيديو الإعلاني لم يمر مرور الكرام على مواقع التواصل الاجتماعي، وتباينت الآراء حوله بين مؤيد ومعارض، إلا أنه يمكن القول أنه أثار جدلاً واسعاً لرسائله الضمنية التي حفلت إما بمغالطات وإما بتجاهل مظالم وحقائق كثيرة لكن يبقى الأبرز في هذا الاعلان هو دعم فكرة الخضوع لترامب الذي بدا عنوان “سيدي الرئيس” وكأنه موجه له حصراً وذلك بدلاً من المواجهة.

إقرأ أيضاً