fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

مقالات الكاتب

“الإبادة للجميع” : روايات مؤلمة من سيناء عن الحصار العسكري والتضييق الأمني

باسل عبد الله

على حافة الحياة، هكذا أصبح وضع أهالي سيناء تحت قصف النيران وعمليات الجيش العسكرية، وسط صعوبة بالغة في الحصول على ما يكفي للحياة من مواد غذائية، في ظل حظر على التنقل، وشلل تام للمرافق والخدمات، ومنع بات لأي تغطية إعلامية.

من هناك حيث الحصار والخوف، تأتي الرواية المؤلمة على لسان سكان المنطقة.

الشيخ زويد… البرزخ بين العريش ورفح

“نحن نعيش في الجزء الميت من العالم، لا أحد يضعنا في حساباته وكأننا لسنا موجودين بالأساس”، هكذا بدأ خالد حديثه عن الأوضاع في مدينة الشيخ زويد، موضحاً أن المدينة تقع على مساحة 3 كيلومترات مربعة ويسكنها حوالى 30 ألف شخص، وعلى رغم خلوها تماماً من الإرهاب والعناصر المسلحة وكل العمليات العسكرية أو الإرهابية التي إذا حدثت تحدث على بعد ما لا يقل عن 10 كيلومترات، إلا أن هناك طوقاً أمنياً خانقاً مفروضاً عليها يمنع عنها أسباب الحياة.

“بالنسبة إلى المواد الغذائية، كانت شبه منعدمة قبل أن تعود قبل شهر ونصف الشهر بأسعار سياحية أغلى بكثير من ثمنها الحقيقي”، يقول خالد: “لا يدخل إلينا منها إلا كميات محدودة وبتنسيق أمني مُسبق وإجراءات تعسفية غير طبيعية.”

والمياه هنا نوعان، مالحة للغسيل وبقية الاستخدامات غير الشرب، وهذه تأتي من آبار جوفية بواسطة مجهود الأهالي، وتعتمد على توافر الكهرباء غير المستقرة والتي يتم قطعها بشكل دوري، أيام أو أسابيع، والنوع الثاني هي المياه الصالحة للشرب وتأتي من ثلاث محطات تحلية لمياه الآبار وهي تغذي الأهالي ومعسكرات الجيش عبر مستوعبات محمولة بالسيارات. وهنا تتوزع ثلاث قرى تابعة للمدينة، هي أبو العراج والجورة والظهير، تبعُد نحو 10 كيلومترات ولكنها منفصلة تماماً عنها، وبالكاد يتم التنسيق لإرسال بعض المواد التموينية مثل الدقيق والزيت والسكر، ولا يتم مدّ الأهالي بالمياه، لذا يعتمدون على مياه الأمطار التي يتم تخزينها من عام إلى عام.

أما عن الوقود، فلا تتوافر لدى المدينة أي مواد بترولية منذ أكثر من أربع سنوات، وقبل العملية الأمنية الأخيرة التي شنها الأمن المصري، كانت السيارات تذهب إلى مدينة العريش وتتزود من هناك، ومنذ بدء العملية توقفت الحركة تماماً، وانفصلت المدن عن القرى ومُنع التحرك والتنقل في أول شهرين، ثم تم السماح لسيارات نقل العفش بالذهاب إلى رفح ونقل المُهجّرين، وهم وحدهم من يُسمح لهم بالحركة على الطرق والتنقل، وهناك أخبار حالياً عن اقتراب فتح الطريق جزئياً إلى العريش.

يقول سليم “إنهم يعاملوننا كأننا رعاة عند صاحب مزرعة قذر، لا كرامة لا إنسانية لا عدالة، نتعرض للسب والشتم داخل نقاط التفتيش الأمنية، وحملات المداهمة تكون على هوى الضابط، فهو يملك صلاحية هدم أي بيت أو حرقه، وإزهاق ما أراد من أرواح، فأحياناً يأخذون أقارب مطلوبٍ ما، مثل والده أو والدته أو زوجته كرهينة حتى يسلم المطلوب نفسه”

سنوات سينا الصعبة

توترت الأوضاع الأمنية في منطقة شمال سيناء عقب ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير عام 2011، نتيجة الفراغ الأمني التام، ثم تصاعدت حدة الأوضاع، وبدأ تنفيذ عمليات إرهابية ضد قوات الشرطة والجيش في المنطقة، حتى وصلت ذروتها عقب الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي. عقب الإطاحة بمرسي اندلعت مواجهات عنيفة وعمليات عسكرية شنتها قوات الجيش المصري في المنطقة، كان آخرها العملية الشاملة، سيناء 2018، التي انطلقت في شباط/فبراير الماضي، حيث قُدرت القوات المشاركة بحوالى 30 ألف عسكري يُعاونهم حوالى 10 آلاف شرطي. تلك العملية لم تترك بالغ الأثر على حدة الإرهاب في المنطقة وحسب، إنما كان لها أثر آخر على حياة المدنيين هناك.

العريش… شبه تحسن لشبه حياة

“الأوضاع تحسنت الآن كثيراً عن قبل” هكذا يؤكد محمود عبادي، أحد سكان مدينة العريش، ويوضح: “انفرجت الأزمة وعادت الحياة بنسبة كبيرة، فبعد أن كانت المواد الغذائية شبه مقطوعة مع بدء العملية الشاملة، وكان الموجود منها قليل ويتم توفيره من طريق القوات المسلحة، الآن عادت الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً، وذلك تزامناً مع الانتخابات الرئاسية واختفت الطوابير أمام منافذ البيع وعادت الأسعار إلى طبيعتها”.

“أما عن التنقل، فكانت محطات الوقود توقفت عن العمل تماماً، وكنا نستخدم الدراجات للنقل أو المشي، ومن يستطِعْ يتعلقْ بعربة نصف نقل استطاع صاحبها شراء بعض الليترات من الوقود المهرب”. والسفر إلى القاهرة صعب للغاية، ولا يتم سوى عبر تصريح سفر يصدر من المحافظة، وهو ما قارنه السكان بالوضع إبان الاحتلال الإسرائيلي، حينما كان الصليب الأحمر يتولى ذلك. الآن سُمِحَ للسيارات الخاصة بالتزود بعشرة ليترات كل أسبوع و30 ليتراً لسيارات الأجرة، تحت سيطرة العمليات العسكرية وإشرافها.

رفح… أطلال مدينة

كان صعباً جداً أثناء إعداد هذا التقرير التواصل مع أي من سكان مدينة رفح، نظراً إلى انقطاع الاتصال مع من تبقى هناك، ولكن استطعنا التوصل إلى أحد الذين انتقلوا أخيراً إلى مكان آخر في سيناء ويُدعى سليم، استهل كلامه قائلاً: “لقد وصلت الحال بمن تبقى هناك إلى مستوى الكارثة الإنسانية”، موضحاً أن “ليس هناك أي مصدر للطعام أو الماء، فقط يتزود من تبقى منّا هناك من طريق ما يحمله سائقو سيارات نقل الأثاث من طعام ومن دون أي تسهيلات، إنه إجراء شخصي بحت، وهؤلاء السائقون هم من ينقلون لنا الأخبار”.

يشرح سليم: “لقد دُمّرت رفح بالكامل ولم يتبقَّ من قراها سوى قرية أبو حلو، وخلال أول شهرين من العملية الأخيرة كان أهلها يعيشون على أكل أوراق الشجر أو بعض الفاكهة التي تُثمر في أرضهم مثل الخوخ واللوز والبرتقال، أو بعض المواد الغذائية التي يتم تهريبها من غزة عبر الأنفاق وهي كميات قليلة جداً، ثم تم فتح الطريق لمن تهدمت بيوتهم للخروج من المدينة وقراها بعدما قضوا شهرين في العراء، وكان سائقو السيارات ينقلون معهم بعض المواد التموينية والغذائية من دون لفت انتباه الكمائن الأمنية التي تمنع ذلك”.

يُشير سليم إلى أن بعض نساء رفح كُنّ يذهبن إلى الشيخ زويد على الحمير أو في عربات تجرها حمير للتزود ببعض السلع الغذائية، وكان بعضهن ينجح في فك الحصار عن الأهالي والبعض كنّ يُستوقفن في نقاط التفتيش الأمنية، حيث تتم مصادرة الأكل وحرق العربات بدعوى أنهن يزودن الإرهابيين بالغذاء.

وتوضح المصادر في رفح والشيخ زويد أنه خلال السنوات الأربع الماضية تم استهداف البنية التحتية في القرى من مدارس ودور رعاية صحية وبقية المباني الحكومية حتى يفقد السكان الأمل في البقاء ويضطروا إلى الرحيل، وهو ما نجح بالفعل بشكل كبير، إلى جانب القصف المدفعي العشوائي الذي أجبر السكان على المغادرة. أما الذين لم يرحلوا أصبحوا يترددون على ما تبقى من مدارس ومباني في مدينة الشيخ زويد وهي عبارة عن معهدين أزهريين ومدرستين للثانوية العامة وأخرى للثانوي الصناعي وثالثة للثانوي التجاري ومدرسة للمرحلة الإعدادية، ضمت تلاميذ القرى المجاورة وطلابها، فأصبحت المدرسة الواحدة تضم تلاميذ 5 مدارس معها.

وكانت مُنظمة “هيومن رايتس ووتش”  أصدرت بياناً في 22 مايو/ أيار الماضي، قالت فيه إن الجيش خلال عمليته الأخيرة في شمال سيناء قد وسع أعمال هدم المنازل والبنايات والأراضي الزراعية بما لا يقل عن 3 آلاف بيت وبناية، فضلاً عن 600 بناية قبيل العملية التي استهدفت التضييق على الإمدادات الغذائية والتنقلات بالمنطقة لإيلام السكان، وقد أرفقت تقريرها بصور جوية تم التقاطها عبر الأقمار الصناعية توضح أعمال الهدم.

وتُضيف المصادر أن شبكات الاتصال الخليوية مفصولة تماماً عن الشيخ زويد ورفح منذ 4 سنوات، وتتوافر شبكة الهاتف الأرضي في الشيخ زويد فقط، وهي دائمة الانقطاع بشكل يومي، إلا أنها انتظمت خلال العملية الشاملة الأخيرة ولم تنقطع سوى 10 مرات تقريباً.

أما عن التعامل الأمني مع الأهالي، فيقول سليم “إنهم يعاملوننا كأننا رعاة عند صاحب مزرعة قذر، لا كرامة لا إنسانية لا عدالة، نتعرض للسب والشتم داخل نقاط التفتيش الأمنية، وحملات المداهمة تكون على هوى الضابط، فهو يملك صلاحية هدم أي بيت أو حرقه، وإزهاق ما أراد من أرواح، فأحياناً يأخذون أقارب مطلوبٍ ما، مثل والده أو والدته أو زوجته كرهينة حتى يسلم المطلوب نفسه، وكانوا في بعض الأوقات يأخذون السيدات ويعلقوهن من أرجلهن ويذيقونهن ألوان العذاب للاعتراف بأي معلومة عن المطلوب”..

ويُنهي سليم كلامه قائلاً: “العملية الشاملة جمدت الحياة تماماً وأطبقت الحصار على المدن والقرى وفصلتها عن بعضها بعضاً، وعن الحياة وشلت حركة المواطنين، وهو ما لم تستخدمه أي دولة في العالم تجاه شعبها، ومن المفترض أن تكون هذه الفرصة الأخيرة للقضاء على الإرهاب ولم يتبقَّ سوى الإبادة للجميع”.

إقرأ أيضاً