هنا القصة الثالثة

رنا الصبّاغ

مقالات الكاتب

الأردن : الرزّاز أعلن حكومته والمعشّر قوّض الآمال ..

أخيراً وبعد أسبوع على تكليفه، كشف رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز عن تشكيلته التي جاءت منقسمة وغير متجانسة ما شكّل صفعة كبيرة لمن كانوا يعولون عليه لتنفيذ وعوده للشارع الملتهب.

نصف الحكومة تكنوقراط شبابي متجانس ونصفها الآخر تقليدي وبيروقراطي ومحافظ يمثّله تيّار نائب الرئيس والمسؤول عن الفريق الاقتصادي رجائي المعشّر، علماً أن المعشّر عضو مجلس أعيان ووزير منذ عام 1980 ومؤسس البنك الأهلي الذي عمل فيه الرزاز كرئيس لمجلس الإدارة قبل سنوات.

باختصار، حكومة تمثّل اتجاهين متناقضين، وهو ما رفع الشكوك بأن تشكل رافعة لتنفيذ برنامج الرزّاز القائم على عقد اجتماعي جديد وإصلاحات سياسية، علماً أن المعشّر حضر كافة الاجتماعات المتعلقة بمشروع قانون ضريبة الدخل الذي وحّد شرائح المجتمع وأجبر القصر على التضحية بهاني الملقي.

الرزاز، ابن الطبقة الوسطى ووزير التربية والتعليم في الحكومة المقالة، أدّى وفريقه الوزاري اليمين الدستورية أمام الملك وسط جدل متنامٍ حول ما إذا ستنجح تشكيلته في إنقاذ البلاد من أفق مغلق وبأدوات جديدة.

صاحب السجل التكنوقراطي والخبير في المنظمات الأمميّة لا يستند إلى ثقل عشائري. فعماد رئيس الحكومة- ابن أحد قياديي “حزب البعث العربي الاشتراكي” قبل أزيد من نصف قرن– يكمن في تمتعه باحترام واسع لدى الكثير من الأردنيين الساعين إلى عصرنة وطنهم عبر تغيير النهج المتكلس في إدارة المشهد السياسي- الاقتصادي- الاجتماعي- التعليمي- الأمني، وفك تداخل السلطات.

على أن ساسة ومسؤولين يتساءلون عن احتمالات نجاح مهمة الرزاز، الحائز دكتوراه في الاقتصاد والقانون من جامعة أميركية، في تحريك المياه الراكدة وربما محاكاة تجربة الزعيم الماليزي مهاتير محمد بنسخة أردنية؟ أم أنه سيتحول إلى كبش فداء بعد أن تنفذ صلاحية حكومته المرحلية في امتصاص نقمة الشارع وكبح جماح الحراك الشبابي؟ مهاتير قفز ببلاده المتعددة الإثنيات والأعراق من جمهورية فقيرة إلى مصاف الدول المتقدمة، فبات بطلاً في نظر شعبه. فهل سيمشي الرزاز على خطاه؟

حتى اليوم، لا يبدو أن الأردنيين متوافقون حول مفهوم الإصلاح وحدوده. فثمّة رأي يرى أن الدستور الحالي أو العقد الاجتماعي القائم منذ تأسيس الأردن الحديث قبل قرن، يكرّس مفهوم الدولة الريعية التي توفّر خدمات تعليم وصحة جيدة وتضمن حق العمل مقابل فرض ضرائب تصاعدية. يدعم هذا التوجه عشائر بدوية وفلاحية إلى جانب النخبة السياسية والاقتصادية التقليدية المحافظة ضمن لعبة مصالح ضيقة.

الرأي الآخر تجلّى في شعارات المحتجين من بقايا الطبقة الوسطى خصوصاً في عمان؛ وهم خليط من قوى مدنية بلا رأس حتى الآن، بمن فيهم أردنيون من أصول فلسطينية وشامية وحجازية. هؤلاء الشباب غير راضين عن الصيغة التعاقدية القائمة ويريدون العيش في دولة المواطنة والقانون والحقوق مع واجبات محدّدة وواضحة. يطالب الشباب بتمثيل أكثر عدالة في عملية اتخاذ القرارات مقابل دفع الضرائب ومساءلة الفاسدين الذين نهبوا ثروات البلاد. هذا “الكوكتيل” خرج في العاصمة واستقطب عدسات الإعلام، مع أن سكان الأطراف المهمشة كانوا يتحركون منذ أشهر من دون أي تغطية إعلامية.

حتى اليوم، لا يبدو أن الأردنيين متوافقون حول مفهوم الإصلاح وحدوده. فثمّة رأي يرى أن الدستور الحالي أو العقد الاجتماعي القائم منذ تأسيس الأردن الحديث قبل قرن، يكرّس مفهوم الدولة الريعية التي توفّر خدمات تعليم وصحة جيدة وتضمن حق العمل مقابل فرض ضرائب تصاعدية. يدعم هذا التوجه عشائر بدوية وفلاحية إلى جانب النخبة السياسية والاقتصادية التقليدية المحافظة ضمن لعبة مصالح ضيقة.

وبين هذا وذاك، هناك طرف ثالث لا حول له ولا قوّة. فأولوية هذه الشريحة المترنحة تحت سيف الغلاء تنحصر في توفير قوت يومها ونيل خدمات معيشية، تضمن لها الحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية. أما الديموقراطية المنبثقة عن حياة حزبية، ومجتمع مدني فاعل وحرية إعلام، فلا تقع ضمن سلم أولوياتها.

بنظر أعضاء الفريق الأول، إن الرزاز ووزراءه لا يشبهونهم فكرياً، وسياسياً، وقيمياً أو برامجياً. ويتوقع أن تتحرك هذه الفئة نحو إزاحة البساط من تحت أقدام الحكومة تدريجياً، فتصبح عبئاً على القصر أو تستنجد بالمؤسسات السيادية كسابقاتها. وقد يسعى هذا الفريق إلى إفشال مشروع الرزاز في وضع العصي في دواليب الحكومة عبر مجسّات تتحكم في المشهد السياسي وجهاز البيروقراطية المتجذر ذي الغالبية المحافظة، التي نشأت على مبدأ تغذية القطاع العام بشقيه ومن خلال شبكات نفوذ برلمانية متحالفة مع مراكز قوى. ويقول سياسي أردني بارز،” إن المعشّر سيضع الضوابط المطلوبة وقد يعيق حركة الرئيس ومن المرجح أن الرزاز نفسه غير راض عن التشكيلة لكنه مضطر لقبولها”.

الفريق الثاني لا خيار أمامه إلا دعم الرزاز والسير خلفه لأنه الأفضل. وينظر عنصر الشباب إلى الرزاز على أنه مفتاح تحقيق أحلامهم؛ وهو رابع شخصية أردنية تشكّل حكومة تحت ضغط الشارع وغليانه منذ عام 1956. وتتطلع هذه الشريحة إلى نجاح تجربة رئيس الوزراء في استعادة الولاية العامة، وفصل السلطات، وتوفير عدالة اجتماعية ورصف الطريق صوب ازدهار اقتصادي بعد سنين عجاف. كما تأمل بإحقاق توزيع أكثر عدالة لـ”مغانم كعكة” الوطن وإحياء مفهوم نظام الحكم على أساس نيابي ملكي وراثي.

ويخشى هؤلاء الشباب من اتجاه (السيستم) للاستدارة والتخلّي عما يبدو أنه ثورة بيضاء بعد أن يمتص الرزار آثار الضغط الشعبي مدعوماً بمنح طارئة وصلت إلى عمان من دول خليجية وغربية، وذلك بعد أن تحرك القصر وساند الشعب لوقف الاحتجاجات التي كادت تأخذ البلاد إلى وجهة مفتوحة على كل الاحتمالات.

تفاقم حال القلق المتصاعد وضع الإقليم الملتهب وتغير خارطة التحالفات الإقليمية/ الدولية بعد أن كان الأردن ركناً أساسياً فيها. الآن، يسعى محور جديد- بقيادة ترامب والسعودية وإسرائيل- إلى رسم مستقبل المنطقة من خلال ما بات يسمّى “صفقة القرن” لتسوية القضية الفلسطينية على حساب الأردن.

في خلفية المشهد ثلاث محطات استدارة فارقة مرّ بها الأردن منذ اعتلى الملك عبد الله الثاني العرش عقب وفاة الملك حسين بن طلال في فبراير/ شباط 1999.

– محطة الأجندة الوطنية 2005- 2006، التي هندسها نائب رئيس الوزراء مروان المعشر خلال فترة بحبوحة اقتصادية. كانت تلك الأجندة تستهدف تحقيق نمو اقتصادي مستدام بمحركات محلية بالتزامن مع تنمية سياسية تدريجية، وصولاً إلى مجتمع أكثر ازدهاراً بحلول عام 2017.

السياسي الإصلاحي الآتي من رحم عشيرة مسيحية ميسورة، “ابن السيستم” والسفير الأسبق في واشنطن وإسرائيل شعر بانقلاب أصحاب النفوذ نتيجة اعتقادهم بارتفاع كلف الإصلاح على العقد الاجتماعي القائم. ولمس المعشر حجم الضغط من قوى الـ”شد العكسي”، التي أجهضت المشروع قبل إقلاعه بعد أن فقد غطاء القصر. وبين ليلة وضحاها، وصم المعشر بأنه “عدو” لـ”السيستم”. وهو يتعرض حتى الآن لحملة تشوية سمعة، تناسلت بعد أن أطلق قبل أشهر مشروع التحالف المدني بمشاركة شخصيات ليبيرالية وأحزاب سياسية.

– الاستدارة الثانية جاءت عام 2011 غداة الحراك الشعبي المطالب بالإصلاح، وتغيير الدستور ومحاسبة الفاسدين. في البدء، اضطر الملك إلى احتواء غضب الشارع، فأقال حكومة سمير الرفاعي واستقطب النظام مئات الشباب في وظائف غير منتجة في القطاع العام. اختير القاضي الدولي الإصلاحي عون الخصاونة- ابن عشيرة كبيرة شمال الأردن- رئيساً للحكومة، ووعد بأن تتمتع حكومته بـ”الولاية العامة”، وأن تكفّ دائرة المخابرات عن التدخل في أدق تفاصيل إدارة المشهد الداخلي. شكّل الملك لجنة حوار وطنية لبناء قانون انتخاب مناسب. وأدخل تعديلات دستورية لأول مرّة منذ عقود. كان الوضع الاقتصادي والمعيشي أفضل حالاً من الآن.

يدرك مناصرو الرزاز– نسبتهم غير معروفة- أن الأردن بات اليوم على مفترق طرق بعد تراجع المساعدات التي كانت توفّر وسائد راحة لإدامة مفهوم الدولة الريعية بأقل نسبة ممكنة من المشاركة السياسية أو محاكمة الفاسدين.

لكن بعد أن هدأ الشارع، انقلب “السيستام” على الخصاونة خصوصاً عندما حاول فتح حوار مع التيار الإسلامي المنتشي– حينذاك- بانتخاب أول رئيس إخواني لمصر عقب الإطاحة بنظام حسني مبارك. وأخذ رئيس الحكومة يحتك ويتنازع الصلاحيات مع الدوائر المحيطة بالملك في مسعى إلى تأكيد الولاية العامة، بحسب الدستور. لكنه “طار” بين ليلة وضحاها وتعرّض لحملة اغتيال سياسي، ما اضطره للجوء إلى مجلة “الإيكونوميست” البريطانية لكشف الأطراف التي تحالفت ضده بهدف إفشاله.

وبين 2013 وحتى إعفاء الملقي، تراجعت الحريات السياسية والإعلامية، وأعيد تعديل الدستور مرتين وتضمنت التعديلات نقوصاً عن تعديلات 2011. وتعمقّت الهوّة بين الشارع والحكومة ومجلس النواب، الذي أسند إلى الحكومة تمرير موازنات جبائية غير مسبوقة، ضاعفت سعر الخبز وفرضت ضرائب على سلع أساسية على مائدة الأردني. وشعر الأردنيون بعبء استضافة أزيد من مليون لاجئ سوري من دون وصول معونات عالمية تغطّي الكلف الفعلية، فيما بلغت نسبة الدين العام 94 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

المشهد الثالث، “هبّة رمضان/ 30 أيار”؛ وكانت على شكل حراك عارم قاده جيل شبابي معولم يمتطي وسائط التواصل الاجتماعي، التي حملت صورة حضارية للاحتجاجات. وخرجت الطبقة الوسطى إلى الدوار الرابع بشعارات ذكيّة: “معناش”، “كفاية”، “صف واطفي” و”نريد خبزاً، حرّية وعدالة اجتماعية”. بالتزامن، خرقت شعارات السقوف الحمراء في محافظات مهمشة، حيث تتناسل جيوب الفقر والبطالة. أقيلت الحكومة، ثم انتقدها الملك في لقاء مع صحافيين. تحدّث عن فشل الملقي في تسويق مشروع الضريبة واستخدم لغة جديدة.

في الأثناء، وصلت نجدة مالية من السعودية، والإمارات والكويت ولحقتها قطر؛ ربما لخشية هذه الدول من انتقال حراك الطبقة الوسطى إلى بلادهم القائمة أيضاً على الريعية بحدود دنيا من الديموقراطية وحقوق الإنسان.

قمّة “مكّة” الرباعية أعلنت تقديم حزمة مساعدات جديدة للأردن قدرها مليارين و500 مليون دولار على مدى خمس سنوات، على شكل وديعة في البنك المركزي، وضمانات للبنك الدولي لمصلحة الأردن مع دعم سنوي لخزينته. أما قطر- المقاطعة من السعودية والإمارات- فأعلنت لاحقاً تقديم 500 مليون دولار على شكل حزمة استثمارات وتوفير فرص عمل لعشرة آلاف مواطن أردني. كما ساهم صندوق النقد الدولي في بعض الانفراج من خلال مدح اختيار الرزاز والترحيب بوعد الملك بإجراء حوار وطني حول مشروع قانون ضريبة دخل جديد، ومراجعة النظام الضريبي في أغلى دولة عربية.

اقتصادياً، يحتاج الأردن إلى لجم التهرب الضريبي وتوسيع قاعدة المكلّفين من ذوي الدخول المرتفعة، في سياق برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي المبرم مع صندوق النقد الدولي نظير نيل قروض ميسرة والخروج من عنق الزجاجة.

سرّ أردنيون بوصول مساعدات دول الخليج بعد انقطاعها. على أن كثيرين منهم يسألون عن الدوافع وراء منح الأردن “فتاتاً” لإبعاده من شبح الانهيار؟

يدرك مناصرو الرزاز– نسبتهم غير معروفة- أن الأردن بات اليوم على مفترق طرق بعد تراجع المساعدات التي كانت توفّر وسائد راحة لإدامة مفهوم الدولة الريعية بأقل نسبة ممكنة من المشاركة السياسية أو محاكمة الفاسدين.

لكن تكتيكيات صد الحراكات التي نجحت في الأمس قد لا تجدي بعد اليوم. فإما السير صوب تحديث تدريجي سيأتي على بعض صلاحيات مراكز النفود، وبخاصة إذا أصرّت الحكومة على مقود الولاية العامة، ومس العقد الاجتماعي، وسن قانوني أحزاب وانتخابات بما يكرّس مفهوم الحكومة البرلمانية. وقد تفتح هذه التحولات الباب لاحقاً لإجراء تعديلات دستورية تمس صلاحيات العرش.

يراهن المناصرون على يقظة الشارع وحراكه غير المسبوق، الذي فرض خياراته على النظام وسط تحديات اقتصادية وسياسية داخلية وخارجية. خيارات المؤسسات الرسمية شبه معدومة، وقد لا تتعدّى تكتيك “انحناء الرأس لحين مرور العاصفة”. لكن ذلك لا يعني الاستسلام.

سيمنح الملك الرزاز كامل الثقة. وفي حال لم يفلح في كسب ثقة المجتمع وإجراء تغييرات جوهرية تمس حياة الناس في أول 100 يوم، ستنقضّ عليه قوى الشد العكسي، التي شيطنت المعشر وبعده الخصاونة. وسيقال للقوى المطالبة بالإصلاح إن حضورها ومشروعيتها هامشيان في الشارع.

في الأثناء، تتنامى خشية من أن يتحول الرزاز إلى كبش فداء سريع، إذ قد يسيطر على الشارع المتحرك كل من يملك المال والقدرة على التواصل مع المحتجين عبر السوشيال ميديا.

ويرى مراقبون أنه لإنجاح فرصة التغيير وتطبيق الشعارات التي رفعها القصر والشارع، يحتاج الأردن إلى:

  • رئيس وزراء قوي لا يهادن. في نظر كثر ممن واكبوا الرزاز وخبروه عن قرب، فإن هذا الرجل لا يفضّل المواجهة، ويؤمن بالتوافق ويحاول إرضاء الأكثرية. تلكم صفات حميدة في ظروف طبيعية، لكنها قد لا تساعد في هذه اللحظات الصعبة. والأهم أنه لا يتمتع بتجربة سياسية عميقة أو بثقل عشائري.
  • نظام قوي مقتنع بفوائد الإصلاح، لأن التغيير له كلف شعبية وسياسية، ويحتاج الرزاز إلى تأمين ظهره من القصر لأطول فترة.
  • أجهزة سيادية قوية مقتنعة بأن المرحلة تغيّرت وتتطلب طرائق جديدة ومبتكرة لإدارة الواقع الجديد.
  • بطانة جديدة تواصلية حول الملك تشجّعه على خوض غمار تجربة الانتقال صوب الديموقراطية.
  • تحسن مطّرد في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
  • إعلام يكشف الأخطاء ويسائل الفاسدين.

في حال أثبتت الأيام المقبلة أن هذه الأساسيات غير متوافرقولاًوفعلاً،سيكون الأردن قد دخل مرحلة هدوء موقتة قبل العاصفة، وفق ما يرى سياسي مخضرم في لقاء مع موقع “درج”. “النظام حالياً قرّر أن يرخي الحبل أمام الرزاز في غياب أي خيارات أخرى. والمنحة الخليجية ستساعد قليلاً في تنفيس الاحتقان، عبر دعم الشارع الذي استيقظ من غيبوبة وصار له صوت مرتفع ومسموع”. لكن المهلة قد تنتهي من دون أن تفلح الحكومة الجديدة في خلق “كتلة حرجة” في الشارع وداخل مفاصل الدولة. في الأثناء، يأخذ الطاقم الجديد طاقته من زخم المظاهرات، وبخاصة عمّان، مركز الثقل الاقتصادي والسكاني المختلط. ويبقى الأمل بنجاح الرزاز في مقاومة الضغوط الهائلة التي خبرها طيلة فترة مفاوضات تشكيل الحكومة. وقد يتحرك الشارع لنجدته في حال سارت الرياح بعكس ما تشتهيه سفنه.

ستثبت الأيام المقبلة إذا كان تحرك القصر هذه المرة خطوة مستدامة في الاتجاه الصحيح، صوب بناء توافق وطني بحدّه الأدنى، بعد سنوات من التذمر من “ديناصورات” ترفض التغيير وحثّ الشباب “على الضغط من أسفل، بينما يضغط الملك من أعلى” لتغيير الحال، أو أن تغيير الحكومة كان مجرد حركة “اعتراضية” على غرار ما سبق، لأن النظام شعر بإرهاصات هزّة مجتمعية قد تقلب المعادلات. يحدث ذلك بعد أن تفيأت السلطة لسنوات ظلال “شارع نائم، ومجلس أمّة على قد المقاس، وأحزاب معارضة بلا أنياب ونقابات مهنية ضعيفة”، قبل أن يسيطر اليسار على ثلاث أهم نقابات ويضرب معاقل التيار الإسلامي، الذي كان “يتكتك” مع النظام للسيطرة على الشارع واحتوائه.

في هذا السياق، يتنامى خوف من استدارة جديدة قد تقودها جهات مؤثرة لا تريد للحكومة النجاح عبر رفع توقعات الشعب بقدرتها على فعل السحر من خلال مقارنته بمرحلة وصفي التل أو مهاتير محمد؟

فهل حسمت الدولة بأذرعها الرسمية أمرها باتجاه تفويض اتخاذ القرار “لمهاتير الأردن”، بعد أن فرض الشعب إرادته. وقد يساعد القصر في تشكيل مركز ثقل سياسي/ أمني جديد يعيد إنتاج “معادلة مجملة”، تحكم من خلال تحالفات مختلفة وفق تجربة مختلفة قد تؤسس لأردن حديث ومزدهر؟

إقرأ أيضاً