هنا القصة الثالثة

جمشید جالنكي

مقالات الكاتب

اقتصاد إیران والحرس الثوري: الذئب لرعایة الأغنام!

لیس الإیرانیون وحدهم بل المراقبون والمؤسسات غیر الإیرانیة، والتي تتابع الأوضاع في إیران، یعلمون أن القسم الأكبر من حركة الاقتصاد الإیراني، هي في ید قوات حرس الثورة. والتقاریر والإحصاءات المختلفة التي نشرت في هذا المجال، تشیر إلی أن ما بین 40 إلی 70 في المئة من الاقتصاد الإیراني، يقع تحت سیطرة الحرس.
فالحرس الثوري الايراني تحكم بنواحٍ كثيرة من قطاعات النفط والغاز، إلی المستشفیات، ومن بناء الأبراج إلی صناعة السجاد الإیراني، ومن صادرات الفستق والكافیار الإیراني إلی بناء الجسور، ومن بناء السدود إلی بناء الطرق، وفي المجالات الأخری،كافة، هو المسیطر وبلا منافس.
ویعتبر مقر «خاتم الأنبیاء» الذراع القویة للحرس في مجال البناء وصناعة النفط والغاز، والذي لدیه أكثر من 150 ألف عامل. و«مقر خاتم الأنبیاء، حصل علی ثلاثة ملیارات دولار من وزارة النفط في الحكومة السابقة (أي حكومة الرئیس السابق محمود أحمدي نجاد) ولكنه لم یفعل شیئاً في المشروعات التي تعهد بتنفیذها»، هذا ما قاله وزیر النفط في حكومة حسن روحاني، بیجن زنغنه.
أما بالنسبة إلى الصادرات، فالحرس یفعل ما یشاء وبلا منافس أو منازع. صحیح أنه لا یوجد شیء باسم «طریق الحریر القدیم» والذي كان یوصل الصین بإیران، إلا أنه بعد الثورة الإیرانیة، ما زال طریق الصین الشیوعیة والحكومة الإسلامیة، مزدحماً بالمارة والتجارة. ولیس فقط عبر الصین، بل وعن طریق أوروبا ومن خلال التحایل علی العقوبات الأمركیة، فإن البضائع تدخل إیران عبر بوابة الحرس. فالحرس الثوري، لدیه أكثر من 300 میناء بحري وجوي وأرضي، من أجل إدخال الواردات والسلع المهربة، لا تستطیع الحكومة الإشراف علیها، ولا حتی القدرة للتصدي لها. لذلك فإنه من خلال هذه الإمكانات، فإن البضائع التي یستوردها الحرس، تدخل إیران، من دون أن تدفع الضرائب، وبعیداً من أعین الجهات المسؤولة في الحكومة.
ووفق تقاریر المصادر الأمنیة الأميركیة، فإن معدات صناعة الصواریخ المتوسطة والبعیدة المدی، هي أیضاً من ضمن عملیة الاستیراد التي یقوم بها الحرس الثوري. ولذلك فإنه لیس من المستغرب أن العقوبات التي أعلنت عنها وزارة الخزانة الأمركیة، شملت العدید من الشركات التابعة للحرس الثوري، والأشخاص والشركات التي لها علاقة ما بالحرس الثوري، أبرزها مقر «خاتم الأنبیاء» والذي یملك في مجموعته العدید من الشركات والتي شملتها المقاطعة الأمركیة.
في أول شهر آذار (مارس) الحالي، طرح رئیس لجنة العلاقات الخارجیة في الكونغرس الأميركي، النائب الجمهوري، إد رویس، والنائب الدیموقراطي وعضو هذه اللجنة، إلیوت أنغل، علی الكونغرس مشروعاً مشتركاً، وفي حال الموافقة علیه، سوف تتم مقاطعة الشركات التي یملك الحرس فیها أقل من 50 في المئة من أسهمها. وتجدر الإشارة إلی أن هناك عدد من هذه الشركات التي تم تسجیلها في دول خارج إیران، ولها نشاطات في دبي وتركیا. وعلاوة علی الاتهامات الموجهة إلى الحرس بتهریب قطع وأدوات صناعة صواریخ متوسطة وبعیدة المدی، فإنه متهم أیضاً بتهریب المشروبات الكحولیة والمخدرات إلی داخل إیران. فمنذ أكثر من ثلاث عقود، والأوضاع السیاسیة المتغیرة في أفغانستان، جعلت ترانزیت المخدرات من أفغانستان إلی إیران ومنها إلی دول أخری مستمرة من دون انقطاع. والجهود الذي بذلتها الأمم المتحدة في التسعینات، من أجل الحیلولة دون استمرار هذا التهریب، باءت بالفشل.
وهنا استفسار عمره 30 عاماً، وهو كیف تم خلال هذه المدة إعدام 3 آلاف مهرب صغیر للمخدرات، فيما عملیات تهریب وعبور المخدرات بقیمة الملیارات من أفغانستان، ما زالت مستمرة ومن دون انقطاع؟!
فوفق الإحصاءات الرسمیة، هناك في إیران حوالى 3 ملایین مدمن للمخدرات (الأرقام غیر الرسمیة تشیر إلی أضعاف ذلك) والشعب الإیراني في جهوده للبحث عن دلائل رواج هذه الظاهرة، بدا متیقناً أن هذة التجارة “الملیاردیة” للمخدرات، غیر ممكنة من دون أن تجد لها دعماً من مؤسسة حكومیة قویة، وهي الحرس الثوري. والحرس الثوري له دور لیس فقط في المخدرات المتداولة، والتي هناك أنواع منها (مصنعة) تصل إلی متناول الشباب، وبأسعار زهیدة جداً، وأرخص من سعر علبة السجائر، بل حتی واردات المشروبات الكحولیة، التجارة المربحة الأخری، متوافرة بخفیة، ولكن في متناول طالبیها.
إن الدور الواضح والجلي للحرس الثوري في الجانب الأكبر من الاقتصاد الإیراني، والذي یتم خارج إطار قوانین الجمهوریة الإسلامیة، قد وصل إلى مرحلة وحدّ، نجد أن المسؤولین في الدولة، وعلی فترات، یلمحون إلی دور الحرس، من أجل استعادة ثقة الناس بهم. وقد قیل إن تیاراً من الحرس الثوري، كان قد دعم الرئیس السابق محمود أحمدي نجاد، أدی إلی فوزه في الفترة الرئاسیة الأولی، ولكنه في الانتخابات الرئاسیة الثانیة، وجه انتقادات إلى الحرس، ووصفهم بـ«الأخوة المهربین»، أي أنهم یقومون بتهریب السلع والبضائع إلی داخل إیران، من دون دفع الجمارك.
خلیفة أحمدي نجاد، أي حسن روحاني أیضاً، وضمن إشارته في حملة الانتخابات الرئاسیة الثانیة إلی الوضع الاقتصادي المتدهور للطبقتین المتوسطة والفقیرة، علل ذلك بالنشاطات الاقتصادیة للحرس الثوري، وقال: «الاقتصاد في ید الذین یحملون السلاح». ولكن هذا الشیخ الرئیس حسن روحاني، وبعد فوزه في الانتخابات، لیرأس البلاد لدورة رئاسیة ثانیة، قال بوضوح وبتأكید «الإعمار من دون الحرس الثوري، أمر محال». بعد ذلك وخلال زیارة له إلی جنوب إیران، في أول شهر آذار، حیث یقوم الحرس الثوري هناك بتهریب معظم البضائع إلی داخل إیران، أعلن أنه علاوة علی قوات الشرطة، فإنه سیتم إسناد مهمة مكافحة المخدرات إلی الحرس الثوري.
هناك في إیران مثل، یصف تدهور الأوضاع بالشكل التالي: لقد سلموا الذئب مهمة رعایة الأغنام.
لیسوا بقلة من هم في إیران، من یفسر هذا الامتیاز الجدید للحرس، محاولة أخری من حسن روحاني، للحصول علی دعم الحرس، في الطریق الذي یخطوه من أجل أن یصبح خلیفة آیة الله خامنئي. فسلامة الاقتصاد الإیراني وتحسنه، أمر غیر مهم بالنسبة إلى من یرید الوصول إلی هذا الهدف، ذلك لأن أولئك الذین یؤمنون بصدق بآیة الخمیني (الولي الفقیه الأول) یؤمنون بما قاله: نحن لم نقم بالثورة من أجل الاقتصاد، فالاقتصاد هو للبهائم والحیوانات.

إقرأ أيضاً