هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

اسمع يا رضا

رسالة إلى إبني الذي مضت عشرة أعوام على آخر لقاء لي به على رغم أننا نعيش في نفس المدينة.
أنا على يقين أنك مازلت تذكرني، تحتفظ بصورتي في مكان ما، قد يكون قلبك…صحيح أني لا أعرف عنك شيئا، ولا أنت تعرف عني شيئا، ولم أرك ولم ترني منذ عشرة أعوام، لكن لا أدري لماذا قلبي مطمئن أنك لم تنس وجهي، وأنك تشتاق إلي كثيرا وأنك تحبني وتفكر بي دائما؟!
أتخيلك مقتنعاً مثلي، أن لك في قلبي حبا يفوق كل حب في الدنيا، أكبر من كل حب الأمهات لصغارهن! كنت رابع إخوتك، لكن، أنت وحدك منحتني الإحساس بالأمومة للمرة الأولى في حياتي. أعرف أن هذا اعتراف مجحف، لكنه حقيقة. أنجبت إخوتك في سن مبكرة جدا، لم أكن فيه مهيأة لأن أصبح أما بعد.
كيف لطفلة أن تكون مسؤولة عن أطفال؟
كانت الطفلة في داخلي رافضة للواقع الذي أجبرت على عيشه. كنت أعتبر وجودهم سبب شقائي وتعاستي، كانوا بنظري عبئا، ورطة لا أدري كيف ابتليت بها ولا كيف أتخلص منها! كبرنا معا، اعتدنا على وجودنا معا، ونما بيننا نوع متين من الصداقة وليس علاقة أم بأطفالها أو العكس. حين قررت إنجابك، كان جسمي راغب في أن يختبر شعور الأمومة. استمتعت بكل لحظة من الأشهر التسعة التي كنت تنمو فيها داخل أحشائي، وحين أتتني ساعة المخاض، شعرت أنني أشبه جذع نخلة على حافة ماء، هزتني الريح وتساقطت أنت رطبا جنيا…   بعد أربعين يوما من ولادتك، اشتريت لك مسجلة زرقاء بلون مفارش سريرك. لا تستغرب…كنت أحب فيروز وما زلت، وكنت أود لسبب لا أدري ما هو، أن أجعل صوتها رسول حب بيننا، وهكذا كان. صرت تنام وتصحو على صوتها. في أشهرك الأولى، كان الأمر أشبه بالكتابة على صفحة الماء. لم تعتن أذناك كأي طفل في مثل عمرك بالأصوات التي حولهما، لكن بعد أشهر اعتادتا. صرت حين أضعك في السرير لتنام، تشير بيدك إلى حيث يصدر الصوت كأنك تطلب مني أن أطلقه. كم كنت ذكيا وجميلا حينها، وكنت فخورة جدا بإشارتك هذه ولا أملّ من تكرار الحديث عنها أمام الناس.في شهرك السادس نقرت سنتك الأولى الملعقة وأنت تأكل أول وجبات طعامك المهروس، كنت تحب الكوسى أكثر من أي نوع آخر من الخضار، ومرة بعد تجاوزك عمر السنتين أجبرتني على إعداد طنجرة كوسى محشي بعد العاشرة ليلا، غلّبتني ليلتها، وغلبك النعاس قبل أن تنضج. لنعد إلى سنّة اللولو، يومها حضرت عدد كبير من كاسات السنينية ووزعتها على الجيران في الحي، وصعدت بك إلى سطح البناية، نثرنا القمح والسكر على طول السطح وعرضه، حصة العصافير، كنت تطرب حين أناديك يا عصفوري.لنعد أيضا إلى فيروز، كنت قد تجاوزت السنة بأربعة أشهر، حين بدأت تحاول أن تغني معها. تجلس أمام المسجلة، صرت تعرف أن تضغط على زر التشغيل وحدك، تنصت إلى الأغنية بكثير من الجدية، ثم تعيد بعضا من كلماتها. تعلقت كثيرا بأغنية “أنا لحبيبي وحبيبي إلي”، كنت مقتنعا أن فيروز تغنيها لك، وأنها تقول “أنا لإيادو وإيادو إلي”. صارت هذه الأغنية مرتبطة بك، كل من كان يراك يبادر إلى ترديدها أمامك فيحصل منك على قبلة أو غمرة دافئة.في عمر السنتين أو أكثر قليلا، اقتنعت أنك “قمر”، كنت قمرا فعلا، وجهك الممتلئ عافية، وعيناك البحريتان، وشعرك العسلي وألوان ومعان وتفاصيل أخرى كثيرة، اجتمعت في صوتك وابتسامتك ويديك ومشيتك كلها جعلت منك قمرا حقيقيا يعيش بيننا. كان لفيروز دورها في هذه القناعة أيضا، في هذا العمر أغرمت بأغنيتها “القمر بيضوي عالناس”، كنت تسألني بصوت عال: من هو القمر؟ فأجيبك إياد، فترشقني بابتسامة رضا…إسمع يا رضا…يا رضاي…ظل يوم الثامن من آذار بالنسبة إلي يوما آخر عاديا من أيام السنة. إلى أن قدمت إلى حياتي في هذا اليوم بالذات، فتصالحت معه وجعلته لنفسي عيدا. لحظة رأتك عيناي، لحظة سمعت صوتك، لحظة غمرتك وقربتك كثيرا من قلبي، لحظة اختلطت أنفاسنا وزقزقت بيننا أول قبلة، ألف قبلة، صار الثامن من آذار يومي أنا، دون كل نساء الأرض. أضأت بمجيئك شمعة الحب في قلبي.اليوم 8 آذار، اليوم تنهي عامك الثالث عشر…إنها المرة العاشرة، التي أضيء فيها الشموع على نية حضورك، أضأتها وتمنيت أن نحتفل السنة المقبلة معا. ليس بيدي إلا أن أهمس للشموع بهذه الأمنية، فلا أحد يسمعني. أعرف أن أمنيتي كبيرة ويدي قصيرة، وأن الأمل مهنة الضعفاء، لكني ككل المفلسين لا أملك سوى أن أحلم…

إقرأ أيضاً