fbpx

هنا القصة الثالثة

رنا الصبّاغ

مقالات الكاتب

اختنق الأردن فتحركت الطبقة المتوسطة واستجاب القصر

احتفى المحتجون قرب دار رئاسة الوزراء بتوزيع الحلوى ابتهاجاً بإقالة الحكومة الأردنية؛ أولى ثمار احتجاجاتهم الليلية في قلب العاصمة للمطالبة برحيل رئيس الوزراء هاني الملقي وطاقمه الذي تمادى في “مجاكرة” الشارع الغاضب برفضه سحب مشروع قانون ضريبة الدخل الإشكالي.

وهتف آلاف “نريد حكومة وطنية”، ما عدّ مطلباً جديداً يضاف إلى سلسلة مطالب النقابات المهنية المصرّة على تنظيم إضرابها الثاني في أسبوع يوم الأربعاء، لتأكيد المطالبة برد المشروع وتغيير النهج.

وأصرّ محتجو “الدوّار الرابع” على ضرورة تراجع الحكومة المقبلة عن مشروع القانون، الذي استهدف جيوبهم ونجح عن غير قصد في توحيد شرائح المجتمع ضمن حلف يضم أصحاب الدخل العالي والطبقات الوسطى والدنيا، التي أرهقها مسلسل الضرائب ورفع الأسعار– خصوصاً رفع الدعم عن الخبز- قبل أن يهدّد مشروع القانون المطروح بخفض سقوف إعفاءاتهم الضريبية سنوياً.

في الأثناء، استمرت الاحتجاجات في طول البلاد وعرضها، رافعة المطالب ذاتها وإن خرقت شعاراتهاً سقوفا حمراء، وسط أنباء عن جرح أكثر من 40 عنصر أمن.

أقيل الملقي بعد أن “ركب راسه” وفشل مع وزير ماليته عمر ملحس في تسويق مشروع القانون أو تقديم حجج مقنعة، على رغم أهمية توسيع قاعدة المكلفين ضريبياً ومحاربة التهرب الضريبي، الذي يخسّر الخزينة 250 مليون دينار سنوياً في حدّه الأدنى.

اليوم يتجه الأردن إما صوب فوضى وعدم استقرار إن لم تتغير أدوات إدارة المشهد السياسي والاقتصادي، أو نحو الخروج من عنق الزجاجة عبر تغيير النهج وتوسيع قاعدة مشاركة الشعب في رسم السياسات، مقابل الضرائب المطروحة لإنقاذ الموازنة.

هذا وقد أعلن رسمياً عن تكليف عمر الزاز بتشكيل الحكومة الأردنية الجديدة، والرزاز شخصية اقتصادية معروفة فهو يحمل شهادة دكتوراة من جامعة هارفرد وتبوأ مناصب رفيعة وزارية ودولية حيث عمل في البنك الدولي.

من الواضح أن الأردن اليوم على مفترق طرق صعب في إقليم تغيّرت فيه خارطة تحالفاته وبات محاصراً بخيارات داخلية وخارجية صعبة. هذا ما قاله الملك عبدالله الثاني في لقاء مع رؤساء التحرير مساء أمس.

لكن ما تغير هو “الشعب” الذي لم يعد مغلوباً على أمره، بخلاف حاله منذ كبح جماح الحراك الشعبي الذي ضرب البلاد في 2011 و2012 على خلفية الربيع العربي. أجهز على ذلك الحراك من طريق مزيج من الأمن الناعم وتوفير وظائف وتخويف الأردنيين من مآلات الأوضاع لدى جيرانهم.

الظروف الاقليمية انقلبت رأساً على عقب. التحالف الاستراتيجي الجديد بين السعودية وأميركا وإسرائيل يستهدف دور الأردن الإقليمي في الصميم قبيل الإعلان عمّا وصف بأنه صفقة القرن لتسوية القضية الفلسطينية، ومحاولة سحب بساط رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشرقية المحتلة من تحت أقدام الهاشميين، على رغم أنها مصانة بموجب اتفاقية السلام مع إسرائيل 1994. السعودية لم تجدّد المنح المالية للأردن منذ عامين.

الزيارة الرسمية الأولى لولي العهد الأمير محمد بن سلمان قبل أشهر والاستقبال المهيب الذي لاقاه لم تفلح في ترطيب الأجواء بين البلدين. فوالده بحسب الأوساط السياسية، غير معجب بالأردن منذ عقود بسبب “عقدة الهاشميين”. والمفارقة أن واشنطن باتت المموّل الأول للبلاد بحجم 1.3 مليار دينار سنوياً، تليها أوروبا.

اليوم يتجه الأردن إما صوب فوضى وعدم استقرار إن لم تتغير أدوات إدارة المشهد السياسي والاقتصادي، أو نحو الخروج من عنق الزجاجة عبر تغيير النهج وتوسيع قاعدة مشاركة الشعب في رسم السياسات، مقابل الضرائب المطروحة لإنقاذ الموازنة.

في السابق، كان محركو الشارع ومفاتيحه بيد الإخوان المسلمين، ومجلس النواب، ووجهاء عشائر ومخاتير. اليوم انتهى مفعول هذه الأدوات. والثقة شبه مفقودة مع الحكومة. أجهزة الدولة وأذرعها التقليدية غير قادرة على التدخل.

لا يملك الأردن ترف تجاهل طلبات الصندوق– بما فيها قانون الضريبة- قبل أن يحصل على قروض ميسرة تبلغ 800 مليون دولار من البنك الدولي واليابان. الحل الثاني يكمن في وصول مساعدات عاجلة إلى الأردن لا تقل عن 500 مليون دولار من الإمارات والكويت وربما السعودية والخارج. اتصل الأمير محمد بن سلمان بالملك وكذلك كبار مسؤولين من الكويت والإمارات ومصر للسؤال عن أحوال الأردن. هذا السيناريو سيعطي البلاد مهلة، وسيساعد على تدبير الأمور حتى نهاية العام قبل العودة إلى خيارات الصندوق.

“من المفترض أن لا يأتي التغيير تحت تأثير الضغط الشعبي الحالي إنما بمبادرة من الملك، القادر على إطلاق ثورة بيضاء لتطهير السيستم بالاعتماد على الشعب والجيش، الذي يتمتع بشعبية وصدقية عالية بين الأردنيين، بحسب استطلاعات الرأي”، على ما قال النائب ذاته. “فماذا يمنع الملك من الإتيان بحكومة انتقالية وبرنامج اقتصادي واضح يلحظ تماماً التزامات الأردن لصندوق النقد الدولي من دون أن يتم التعامل مع الأردن وكأنه رهينة للصندوق”.

بعد اليوم، لن يقبل الأردنيون بدفع الضرائب من دون أن يكون لهم رأي في ما يحدث لهم ويدور حولهم! إذ تظهر الحاجة الآن إلى عقد اجتماعي جديد يحاكي متطلبات الشعب وتطلعاته في بلد تتسع فيه الهوّة بين الفقراء والأغنياء في أرجاء العالم، ويتعمق الفرز الطبقي بين الناس وتحالف السلطة ورأس المال. يحدث ذلك وسط تراجع مستوى الخدمات المجانية وإخفاق التمثيل السياسي وتحليق معاشات التقاعد.

فالعقد الاجتماعي المطبّق حالياً في دول عربية- والأردن في مقدمتها- يقوم على شقّين: سياسي واقتصادي. “الدولة تلتزم توفير الخدمات الأساسية للشعب من تعليم وصحة وغيرهما، وتدعم المواد الأساسية كالخبز والوقود، فضلاً عن دورها كمشغّل رئيس للعمّال- من دون الالتفات إلى مستوى الإنتاجية ونوعيتها- مقابل قبول المواطنين بضعف تمثيلهم السياسي، وفق ما كتب المدير الاقليمي لمركز كارنيغي مروان المعشر في مقالته الأسبوعية. كثرة المنح التي تدفقت من العرب والغرب بعد الفورة النفطية لم تدفعنا إلى التفكير بخطّة “ب”- اليوم التالي لنفاذ المنح- وتقليص النفقات وتخفيف مشاريع “البهورة”، وكذلك مستويات الإستدانة الداخلية والخارجية. 
هذا العقد البالي لم يعد نافعاً لأنه يتطلب أموالاً طائلة للمحافظة على الولاء والصمت على التجاوزات والأخطاء التي ارتكبت بحق البلاد والعباد. نحن في حاجة إلى مقاربة جديدة. المجتمع تغيّر. الشباب هم الأكثرية ويعانون من البطالة والتهميش وغياب الأدوات المفترض أن تؤهلهم لنيل فرص عمل. النمو السكّاني تضاعف بفعل الهجرات القسرية ونسب النمو الطبيعي. القيم الجمعية تتغير. الإنترنت أصبحت أداة رئيسة لتعزيز الديموقراطية والتشبيك، فيما تراجع تأثير الإعلام الرسمي والتقليدي. فما كان مقبولاً أمس، لم يعد مقبولاً اليوم. نحتاج إلى تيارات سياسية تملك برامج واضحة ورؤى مقنعة على أن يسمح لها بالعمل من دون “تخوين”. ونحتاج أيضاً إلى إعلام يحترم الرأي والرأي الآخر بدل أن يكون مطيّة للسلطة أو لممولين؛ فيمعن في التضليل والتخوين والتطبيل والتزمير. نحتاج إلى نظام تعليم قائم على الإبتكار والتفكير النقدي وفهم آليات الحوار والنقد البناء. نحتاج إلى مجلس مؤثر له وزن سياسي فاعل، يأتي من رحم قانون أكثر عدالة وتمثيلاً. وفوق ذلك شبكة آمان مجتمعي فاعلة وحد أدنى من الخدمات الصحية والتعليمية ووسائل نقل فاعلة وآمنة داخل عمان وبين المدن والعاصمة، التي بلعت سائر المحافظات بتكسد نصف عدد السكان فيها.

بإمكان مجلسي النواب والأعيان عقد جلسة استثنائية لرد مشروع قانون الضريبة قبل أن يفتح الرئيس الجديد حواراً وطنياً شاملاً مع أطياف المجتمع، إذ يدخل تعديلات أكثر قابلية للتسويق التدريجي، لكن مع إقرار الحكومة المسبق بقبول نتائج الحوار.

مجلس النواب الحالي منقسم وقد خسر شعبيته بعد أن أقرّ موازنة تضمنت توسيع دائرة السلع الأساسية الخاضعة لضريبة المبيعات. الكثير من الهتافات طالبت برحيله أيضاً مع الملقي. لكن النواب يعيشون اليوم روح الخطر. في الوقت الذي اشتعل فيه الشارع، تعهد 80 نائباً برد القانون فيما طالب 50 نائباً بسحبه.

مشروع قانون ضريبة الدخل لا يزال في عهدة الحكومة الجديدة قيد التشكيل وسيبقى هو الموضوع الخلافي الذي وحّد غالبية الأردنيين منذ الأربعاء الماضي.

القيادة الناجحة تبدأ ببناء الأنموذج. لا تستطيع إجبار الناس على شدّ الأحزمة على البطون قبل أن يبادر المسؤولون إلى فعل ذلك.

تبقى أولوية النظام اليوم إرجاع الناس إلى بيوتهم وبدء عملية تغيير تدريجي لصعوبة السيطرة على الشباب الغاضب، في غياب قيادة تدير هذه المجاميع، باستثناء التشبيك عبر وسائل التواصل الإجتماعي؛ هاشتاغ #معناش أو #إضراب_ الأردن.

في السابق، كان محركو الشارع ومفاتيحه بيد الإخوان المسلمين، ومجلس النواب، ووجهاء عشائر ومخاتير. اليوم انتهى مفعول هذه الأدوات. والثقة شبه مفقودة مع الحكومة. أجهزة الدولة وأذرعها التقليدية غير قادرة على التدخل.

خلال السنوات الماضية ضربت هيبة المجالس التشريعية الواحد تلو الآخر، وفقدت دورها السياسي والقدرة على تمثيل الناخبين. الإخوان المسلمون شُطروا إلى 4 فرق متنافرة بهدف ضرب نفوذهم، بعد أن كانوا القوة الأكثر تأثيراً في الشارع لثلاثة عقود.

الناس نزلوا إلى الشارع بعد أن وصل الإحباط والاحتقان حدوداً قصوى ليفجرها مشروع قانون الضريبة وتعالي الحكومة على الشعب والتعامل معه بلغة التهديد والوعيد والتخوين.

بين 2011 واليوم تغير الكثير…

ذلك الحراك بدأ شعبياً بقيادة بعض الرموز قبل أن تركب أحزاب كبيرة موجة الاحتجاجات. اليوم نتحدث عن طبقة وسطى متعلمة لن تتأثر كثيراً بدفع ضريبة دخل جديدة، لأن جزءاً كبيراً منها عاطل من العمل أصلاً. وهناك شعور عارم بأن الحكومة تتعامل معهم كأتباع ومن دون أي رغبة في التحاور معهم والاستماع إلى مطالبهم وتفهم مواقفهم. ومن الممكن أن يتمدد الشحن الشعبي مقارنة مع 2011.

الدولة أيضاً فقدت أدواتها التي قامت على منح مقبلة من الدول الخليجية أو معونات ساعدتها على توظيف الناس في القطاع العام وإسكاتهم. “اليوم لم يعد لدى الدولة سوى الأدوات الأمنية والترهيب لم يعد قادراً على حل المشكلة”.

الحل يبدأ بإدراك الحكم أن طرق إدارة المشهد بأدوات بالية تقليدية لم تعد تنفع.

مطلوب إشراك الناس في القرارات الصعبة وتعميم سياسات التقشف فيتحمل الجميع مسؤولية عبء إنقاذ البلاد. فلن تنجح الحكومة- مهما كانت قدرات رئيسها- إذا لم تتمتع بالولاية العامّة. الرئيس لا ينتخب من قواعد قادرة على محاسبته ومساءلته ثم عزله إن أخطأ أو فشل في تنفيذ وعوده الانتخابية أو الحزبية، كما هو الحال في الديموقراطيات. وهو لا يحتاج إلى كسب شعبية من انتخبه بل رضا من يبقيه في منصبه من خلال توفير الأغطية والميكانزمات السياسية والأمنية.

لذلك دعونا نقر بأننا لن نخرج من هذا المأزق المعقّد إن لم نطلق عملية تطوير اقتصادي وسياسي واجتماعي متداخلة وشاملة هذه المرة، فكفانا “بيع أوهام الإصلاح” لعقود. ولم تعد عمليات التجميل السطحية مقنعة استجابة لظرف سياسي ما أو لمطلب أحد المانحين و/ أو المقرضين.

الممنوعات لم تعد ممنوعات والشباب والطبقة الوسطى لم يعد لديهم القدرة على دفع ثمن الهدر الذي تمارسه الحكومة وغيرها من الجهات بدليل الشعارات التي رفعت في بعض المحافظات والأحياء.

الدولة بطيفها الرسمي والشعبي على المحك. عندما اندلعت ما سميّت “هبّة نيسان” عام 1989، استشعر القصر آنذاك عمق الأزمة وقرّر الملك الراحل الحسين بن طلال إطلاق عملية سياسية لتشريع الأحزاب وفرز مجلس نواب قوّي يمثل الأردنيين ضمن مسار التحول صوب الديموقراطية. ثم تراجعت الأمور بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل لكبح صوت المعارضة.

اليوم، علينا إقناع الشباب– الذين يشكّلون نصف المجتمع- بأن صوتهم مسموع وإرادتهم ممثّلة عبر مجلس الشعب، ووسائل إعلام غير مقيدة، إلى جانب وجود أحزاب ضمن مجتمع مدني حي.

الأيام المقبلة ستظهر إذا كان هناك رغبة في إصلاحات عميقة وتدريجية مدعومة من أجهزة الدولة السيادية والأمنية ومن رأس الدولة ومستشاريه. بخلاف ذلك، لن تكون أحداث الأردن كما يصوّرها بعض المسؤولين المشكّكين بنيات الشارع “عاصفة في فنجان، ويا سيدي غيّر الحكومة والأمور بتسلك لأنهم غير مستعدين بالتضحية بمصالحهم ومكتسباتهم لقول الحقيقة”.

نحتاج إلى مسؤولين ينظمون حوارات مباشرة مع الناس في دور البلديات ومجالس المحافظات.

بين 2011 و2012، نفّذ القصر سلسلة خطوات للتجاوب مع الحراك الشعبي، مثل تعديل بعض مواد الدستور وتغيير الحكومة ورفع سقف الحريات الإعلامية والسياسية. لكن بعد أن هدأ الشارع “عادت حليمة إلى عادتها القديمة”.

“معالجات 2011 كانت آنية قصيرة المدى. القلق من استمرار الإنكار وعدم القدرة على فهم احتياجات الشارع بسكانّه الجدد (الشباب والطبقة الوسطى) أو تحميل دول مسؤولية التآمر على الأردن لتركيعه لكي يقبل بـ”صفقة العصر”.

اليوم نجح الأردنيون في التقاط شرارة النقابات المهنية فأدخلوا مفهوم الاحتجاج السلمي إلى قاموس المشهد السياسي المحتقن وشكلوا تحالفاً. لنؤطر ذلك الحراك ونطور خطّة اقتصادية ومالية واجتماعية وتعليمية لا تتبدل مع تغير الوزراء وأهوائهم، نحتاج إلى مراجعة شاملة ومحاكمة السياسات الفاشلة التي أوصلتنا إلى هنا. نريد إرادة صارمة تحاسب كبار الفاسدين وتعمل على تحديث سلطة القضاء. 
نحتاج إلى الكثير. بعد ذلك بإمكاننا الحديث عن إصلاحات ضريبية شاملة بما يحقّق العدالة ويوسّع قاعدة المكلفين.

لكن القيادة الناجحة تبدأ ببناء الأنموذج. لا تستطيع إجبار الناس على شدّ الأحزمة على البطون قبل أن يبادر المسؤولون إلى فعل ذلك..

 

إقرأ أيضاً