هنا القصة الثالثة

محمد حسان

مقالات الكاتب

“ابو ماريا القحطاني” أرسله تنظيم الدولة الى سوريا فبات عدوه الاول

في مطلع عام ٢٠١٣، كنت متوجهاً من منزلي في بلدة الخريطة غرب محافظة ديرالزور إلى منزل الحاج (أبو أحمد) القيادي في لواء “طارق بن زياد” أحد فصائل الجيش الحر في البلدة.
عند وصولي إلى منزل أبو أحمد الموجود في أسفل إحدى التلال المشرفة على بلدتنا، وجدت أبو زياد صديقنا المشترك يستعجل أبو أحمد للذهاب. وبابتسامته المعتادة نظر أبو أحمد نحوي وقال، “لدينا مشوار مهم وبدنا اياك تكون معنا”، من دون تردد قبلت الذهاب معهم .
على الطريق أخبرني أبو أحمد أنهم ذاهبون إلى مدينة الميادين شرق ديرالزور، لرؤية أبو “ماريا القحطاني” مفتي عام “جبهة النصرة”  الأمر الذي أثار دهشتي طوال ساعتين من الطريق.
عند وصولنا إلى مدينة الميادين، انحرف أبو أحمد بسيارته شرقاً إلى  الطرف الشرقي من المدينة وتوقف عند منزل ضخم يتوسط مساحات من الأراضي الزراعية.   كان باستقبالنا عدد من عناصر “جبهة النصرة” ، رحبوا بنا وأدخلونا إلى مجلس الاستقبال، الذي علمت في وقت لاحق أنه منزل أبو “عبدالله النعيمي”، أمير الميادين وأحد قياديي النصرة في منطقة شرق سوريا.
بعد ساعة من جلوسنا في منزل أبو عبدالله، سمعت صوت أكثر من سيارة في الخارج مع صوت جلبة عناصر الجبهة، ليطل أحدهم ويقول “وصل أبو ماريا “.
كان رجلاً طويل القامة، وجهه مائل للاستدارة وشعره طويل ولحيته متوسطة وعيناه سوداوية. ألقى التحية  وأخذ يتحدث مع أبو أحمد وبقية المتواجدين في تلك الغرفة، التي كانت تظم عدد من قيادات الجيش الحر الذين أتو لمبايعة “جبهة النصرة”، مقابل أن تؤمن لهم النصرة السلاح والذخيرة  التي كانوا يفتقدون إليها.
لم أكن أعلم أن هذا اللقاء سوف يطول لأربع عشر يوماً، رافقت فيها أحد الشخصيات الإشكالية داخل “جبهة النصرة”  التي علمت فيما بعد أنها فرع تنظيم” القاعدة” في سوريا، وأن هذا اللقاء سوف يُتيح لي معرفة الكثير عن الرجل وطريقة تفكيره  ومعلومات كان يحتفظ بها ضمن دائرة ضيقة من المقربين له.
المولد والنشأة والتعليم
أبو ماريا القحطاني أو “الهراري”، هو ميسر بن علي بن موسى بن عبدالله بن محمد بن صالح بن دندن بن سالم بن عجل بن جاموس الجبوري القحطاني، ولد في قرية الرصيف عام ١٩٧٦ ميلادية، كـ شاب وحيد على ثمان شقيقات، ثم انتقل مع عائلته إلى قرية هرارة العراقية وتربى بكنف والده “أبو ميسرة”، المعروف بفكره السلفي والذي أعطاه لقب “الوهابي”.
درس القحطاني الابتدائية في مدرسة هرارة والإعدادية في مدارس القيارة ثم الثانوية، ثم درس دبلوم إدارة اعمال في جامعة بغداد وبعد تخرجه درس الشريعة أيضاً، وحاز على البكالوريوس فيها. والقحطاني، وخلال مسيرته الطويلة في طلب العلوم الشرعية ودخوله إلى التنظيمات الجهادية في العراق وسوريا، أتيح له كتابة الكثير من المؤلفات منها كتاب (بذل الوفاء لأسر المجاهدين والشهداء) وكتاب (إفساد الجهاد) وكتاب (كلمات في واقع الجماعات  وكتاب شرح الهراري على متن الدراري) وكتاب (الأمة بين زوابري الشام وزوابري الجزائر)، الذي كان أخر مؤلفاته.

 

يعتبر القحطاني ألد خصوم تنظيم ” داعش” على الإطلاق، والتنظيم يحمله مسؤولية الحرب الطاحنة التي دارت مع الفصائل في سوريا وخاصة محافظة ديرالزور، فقد نبه لخطر التنظيم مبكراً بحجة انحراف التنظيم فكرياً ووصوله إلى مرحلة كبيرة من التطرف.

 

مسيرة القحطاني مع الجماعات الجهادية بدأت عام ٢٠٠٣ بعد الاحتلال الأميركي للعراق بشكل مباشر، حيث كان أحد أعضاء الجماعة السلفية التي يتزعمها محمد خلف شكارة “أبو طلحة الأنصاري”، التي كانت عماد جماعة “التوحيد والجهاد” قبل بيعة أبو مصعب الزرقاوي “للقاعدة”.
شارك أبو ماريا  في معركتي الفلوجة الاولى والثانية ومعارك أخرى في تل عفر والموصل وبغداد وفي نهاية عام ٢٠٠٣ ، استلم القحطاني قيادة كتيبة “التهلكة” وبعدها بأشهر عُين مسؤولاً عسكرياً بين الموصل وصلاح الدين.
عام ٢٠٠٤ أصيب بكمين للقوات الأميركية غرب الموصل وتم اعتقاله من وحكم عليه بالسجن عام ونصف، خرج عام ٢٠٠٦ وبعد خروجه تم تعيينه  كـ مسؤول شرعي عام لمنطقة غرب الموصل ومسؤول العلاقات العامة مع العشائر.
بعد إعلان مجلس شورى المجاهدين “الدولة الإسلامية في العراق”، عُين القحطاني مسؤولاً عن ديوان الحسبة وعضو اللجنة الشرعية في مدينة نينوى العراقية، حيث بدأ نجمه بالسطوع وشهد ذلك العام قيام القوات الأميركية بمنح جوائز مالية لمن يُدلي بمعلومات عنه.
في مطلع عام ٢٠٠٧ ، تمكنت القوات الأميركية من أسر القحطاني بكمين غرب مدينة الموصل، قتل خلاله مرافقيه وأصيب هو بإصابة بالغة وبقي في السجون الأميركية مدة أربع سنوات، ليتم الإفراج عنه بعدها ،حيث حاول قادة تنظيم “دولة العراق” إقناع القحطاني بالاستمرار وعرض عليه تولي مكتب العلاقات العامة وولاية غرب الموصل، لكن القحطاني رفض وتوجه إلى سورية التي كانت ثورتها قد بدأت.
مع بدء الانتفاضة السورية كان القحطاني متواجداً في سوريا وعلى علاقة مع بعض قادة حركة أحرار الشام وبعض فصائل الجيش الحر، وبعد وصول الجولاني إلى سوريا مكلفاً من تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق” لتشكيل تنظيم موازي في سوريا، كان القحطاني من استقبله  فقد سبق أن التقى الرجلان في مدينة الموصل.
الجولاني وبعد أن استقر به الحال في سوريا، طلب من قيادة التنظيم في العراق إعادة تفعيل دور القحطاني ووافق التنظيم وكان الأمر وقتها من أبو “مسلم التركماني”، عضو مجلس شورى “الدولة الإسلامية في العراق” وأحد أهم قياداتها.
تم تعينه كـ مسؤول شرعي وقاضي عام جبهة النصرة، بالإضافة إلى توليه مسؤول عام منطقة شرق سوريا (الرقة – الحسكة – ديرالزور ).
استمر القحطاني في منصبه كـ مسؤول وقاضي عام لجبهة النصرة وأميراً على المنطقة الشرقية من سوريا حتى أواخر عام 2014، حيث تم عزله وعُين بدلاً عنه الشرعي الأردني سامي العريدات وبقي القحطاني عضواً في مجلس شورى الجبهة.
مرت جبهة النصرة منذ نشأتها بمرحلتين من التقلبات الفكرية، مرحلة سيادة تيار “معتدل” نسبياً منذ بداية تشكيلها وحتى منتصف عام 2014 بقيادة “أبو ماريا القحطاني” ، ومرحلة سيطرة تيار متشدد يمثل المحافظين يريد اتباع نهج التنظيم الأم “القاعدة”.
النصرة اتسمت طوال فترة وجود القحطاني  كـ مفتي عام لها باعتدال نسبي، فـهو كان يرى ضرورة انخراط التنظيم في صفوف الثورة السورية بعيداً عن الإيدلوجية الدينية.
عمل القحطاني على تمكين التيار الذي يراه أقل تشدداً داخل النصرة من السيطرة على مفاصل التنظيم، عبر تقريب عدد من الشخصيات وتسليمها زمام الأمور إضافة لهيمنته على المنطقة الشرقية التي كانت تعد عصب الجبهة المالي لما تحتويه من نفط وثروات.
لكن تصدر تيار القحطاني انتهى بعد عزله وتولي سامي العريدات منصب الشرعي العام للجبهة، حيث بدأت مرحلة سيطرة الفكر المتشدّد الذي يريد نهج التنظيم الأم “القاعدة” والذي كانت أولى نتائجه ابتلاع النصرة لكثير من فصائل الجيش الحر والجماعات الإسلامية .
علاقته بالعشائر
يعتبر القحطاني من أكثر رجال الجماعات الجهادية معرفة بالعشائر وأكثرهم دهاء  في كسب ودها، فعلاقته بالعشائر بدأت عام 2006، مع تسلمه مكتب “العلاقات العامة مع العشائر ” في الموصل.
وتعيين القحطاني من قبل تنظيم “الدولة” في تلك الفترة مفتياً وأميراً على المنطقة الشرقية من سوريا والتي تعرف بطبيعتها العشائرية ، لم يأت من فراغ بل كان أمراً مخططاً له، لمعرفة التنظيم بمقدرة القحطاني على العمل في تلك المناطق وقدرته على استقطاب أهاليها الذين تشكل القبائل العربية 90% من مكوناتهم”
سياسة القحطاني مع العشائر لم تظهر نتائجها إلا بعد بدء الخلاف بين جبهة النصرة وقيادتها في العراق  وانقسامها إلى شطرين، الأول “جبهة النصرة” والثاني  “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، حيث انحازت العشائر الكبرى وأبناؤها  إلى “الجبهة” فيما انحاز المقاتلون الأجانب إلى تنظيم “الدولة”.
خلال تلك الفترة قطع القحطاني  والنصرة كانوا قد قطعوا خلال فترة ما قبل الخلاف شوطاً مهما في التغلغل داخل العشائر والمكونات المحلية، على عكس تنظيم “الدولة” في سوريا الذي أخذ موقفاً صدامياً معه بسبب انحدار معظم قادته في الشق السوري من مناطق ذات طبيعة حضرية، خاصة قيادات التنظيم المغربية والتونسية والمجموعات القادمة من دول شرق آسيا التي لا تتمتع بأي معرفة بالمناطق العشائرية وطرق التعامل معها.
يعتبر القحطاني ألد خصوم تنظيم ” داعش” على الإطلاق، والتنظيم يحمله مسؤولية الحرب الطاحنة التي دارت مع الفصائل في سوريا وخاصة محافظة ديرالزور، فقد نبه لخطر التنظيم مبكراً بحجة انحراف التنظيم فكرياً ووصوله إلى مرحلة كبيرة من التطرف. عداء القحطاني لـ “التنظيم” سبق الخلاف مع جبهة النصرة ، فقد حاول القحطاني وأبو “محمد الشحيل” أحد قياديي “النصرة” في ديرالزور، إقناع مجلس شورى النصرة بضرورة إلقاء القبض على أبو بكر البغدادي وسجنه ووأد تنظيم الدولة، حين كان البغدادي في زيارة لريف ديرالزور الشرقي ولكن أبو محمد الجولاني أمير النصرة رفض الأمر.
ومع بدء القتال بين الطرفين حرّض القحطاني العشائر والفصائل الإسلامية، على قتال التنظيم ولاقت دعواه القبول وقام بدعم الفصائل والعشائر بالمال والسلاح، لكن الأمر حسم لصالح “التنظيم” بعد سبعة أشهر، بسبب سقوط الموصل بيد التنظيم وحصاره لمحافظة ديرالزور. ويعتبر تخاذل قيادات “النصرة” وعدم مساندتها للقحطاني سبباً ثانياً في سيطرة “داعش” على منطقة شرق سوريا. وبعد أن حسمت المعركة في ديرالزور خرج القحطاني ومن معه إلى محافظة درعا جنوب سوريا، ليتم بعد أيام عزله من منصبه كـ شرعي عام لجبهة النصرة وتم تعيين سامي العريدات بدلاً منه.
وجود القحطاني في درعا استمر لأشهر، بعدها خرج ومن معه من عناصر وقيادات من أبناء منطقة شرق سوريا إلى إدلب، عبر مناطق سيطرة قوات النظام السوري بعد دفع رشاوي كبيرة للنظام بحسب مصادر داخل النصرة، ليستقر الأمر بالقحطاني كـ عضو مجلس شورى لهيئة فتح الشام، ولتستمر بذلك قصة رجل القاعدة الإشكالي التي بدأت في العراق ولا يُعرف أين ستكون نهايتها.

إقرأ أيضاً