هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

ابن أكبر تاجر مخدرات عرفه التاريخ (بابلو اسكوبار) يتحدث عن والده

فقد الآلاف حياتهم، أثناء تسلق (بابلو إسكوبار) قمة عالم الجريمة الكولومبي.
كان (إيسكوبار) أحد أكبر تجار المخدرات، إذ ساهم نشاطه الإجرامي الأسطوري، من إرهاب مرتبط بتجارة المخدرات الذي حصد أعداداً لا تُحصى من الأرواح، في تحويل موطنه الكولومبي إلى عاصمة الجريمة في العالم. فقد هيمن (بابلو إسكوبار) على قمة المافيا الكولومبية والتي تُعرف بشبكة “كارتل ميديلين” سيئة السمعة – وهي شبكة قوية بشكل لا يمكن تصوره، لتهريب المخدرات،والتي كانت تجلب خلال ذروة عملياتها أكثر من 60 مليون دولار في اليوم الواحد وتوفر ما يُقدر بنحو 80% من مجموع الكوكايين المُهرب إلى الولايات المتحدة.
في مستهل مشواره، بدأ (إسكوبار) مسيرته الإجرامية بسرقة السيارات وبيع السجائر المهربة وتذاكر اليانصيب المزيفة، قبل أن يتسلق بسرعة فائقة سلم عالم الجريمة الكولومبية، وفي أغلب الأحيان دون أدنى تردد في اختطاف وقتل كل من يقف بينه وبين مصالحه التجارية.
وبحلول أوائل التسعينات، أصبح (إيسكوبار) الذي كان يُسمى “ملك الكوكايين”، أغنى المجرمين في التاريخ، إذ بلغ دخله الشخصي ٢١ مليار دولار في السنة، مما جعله من بين أغنى أثرياء العالم.
وبعد وفاته خلال تبادلٍ لإطلاق النار مع الشرطة في عام ١٩٩٣ فرّتْ عائلته من كولومبيا لموزمبيق، لتستقر في نهاية المطاف في بوينس آيرس (الأرجنتين) حيث اختار ابن اسكوبار، (خوان بابلو) اسم (سيباستيان ماروكين)، وسعى إلى وضع مسافة كبيرة بينه وبين والده وأنشطة المافيا الشائنة .
بعد عقودٍ من الصمت المطبق حول والده، أصدر ابن اسكوبار، في السنوات القليلة الماضية، كتابين إلى جانب ظهوره في فيلم وثائقي عن هذا الموضوع.
التقتْ (يورونيوز) مع (ماروكين) وسألته لماذا قرر، بعد سنواتٍ طويلةٍ من الصمت، أن يكشف كل شيء عن علاقته بوالده القاتل.
“أسوأ أنواع العنف الذي يمكن تخيله” يجيب ابن اسكوبار عندما سُئل حول ما الذي جعله يبتعد عن الطريق الذي خطه والده وسار عليه. مضيفاً “حتى (كوينتين تارانتينو) لا يمكنه أن يتصور عنفاً مثل الذي حدث في عهد بابلو اسكوبار”.
وبعد عقودٍ من الصمت، يقول (ماروكين) إنه يشعر بأن واجبه يحتم عليه أن يقول الحقيقة عن إسكوبار. وقال في حواره إن “التمجيد” هو “أفضل عنصر” لكسب المال من قصة والده، وأن المسلسلات التلفزيونية والأفلام التي تُنتَج حول (اسكوبار) لا تخدش حتى الجزء السطحي من قسوته. وعن هذا يقول (ماروكين)، “يبدو لي أن صورة بابلو إسكوبار استُخدِمت لسرد قصصٍ غير صحيحةٍ عنه”. ويتابع “وبصفتي ابنه، يعود الأمر لي لأقول الحقيقة حول إسكوبار، إنها حقيقة  لا تعود لي بالنفع والفائدة – بل على العكس تماماً – إنها الحقيقة التي تجعل والدي يبدو أسوأ حتى مما يُظهرونه في الأفلام”.
“تناقضات ومفارقات”
أنفق (بابلو إسكوبار) المسمى البادرينو (العراب) من قبل الذين يحبونه إلى حد التقديس مبالغ طائلة من المال في محاولةٍ منه  لجعل نفسه محبوباً وليصبح جزءاً من المجتمع الكولومبي. وكسب مليارات الدولارات عن طريق تهريب أطنان من الكوكايين خارج البلاد، وشيد منازل ومستشفيات ومدارس ومراكز رياضية، إذ مكنته هذه الأعمال السخية، وفقاً لابنه، من جلب “تعاطف الطبقات الاجتماعية التي شعرت بأنها مهملةٌ من قبل الحكومة”.
وقبل فترة طويلة، بدأت الصحافة في إطلاق اسم ‘روبن هود’ عليه ، ويقول ماروكين إن الصورة التي رسخها والده عن نفسه “ضمنتْ له الإفلات من العقاب والحماية لسنوات عديدة”.
ولكن هناك أيضاً بعض التناقضات التي تخص طابع والده العطوف، وهو نوع من سخرية المشهد، عندما سعى والده إلى فعل الخير، يقول ماروكين “حياة والدي مليئة بالتناقضات والمفارقات … لقد شيد فضاءات رياضية لكي لا يتعاطى  الشباب المخدرات، لكنه كان يمول هذه الأماكن بأموال المخدرات”. ورغم ما فعله والده، أهدى ماروكين أول كتاب إلى (البادرينو)، عرفاناً منه لوالده على إظهارهِ له المسار الذي يجب عليه تجنبه. وأضاف “بصفتي ابنه، أحتفظ بأفضل ذكرياته كأب وأسوأ أعماله العنيفة. الشيء الوحيد الذي اتفق عليه مع الذين كتبوا عن والدي هو حبه المطلق لأسرته”.
علاقة صعبة
ولم تكن أنشطة إسكوبار الإجرامية تخفى على أحد. فالجميع، بما في ذلك عائلته، كانوا على دراية بجرائم القتل التي خطط لها إسكوبار والتي تعد بالآلاف، فضلاً عن عمليات الاختطاف والتعذيب، والمخدرات بطبيعة الحال. وحتى لما كان في سن المراهقة، لم يمتنع (ماروكين)، عن قول آرائه في والده. وقال ” كنت أقول له وجهاً لوجه، وألف مرة، أنني لا أرضى بالقنابل التي يزرعها ولا بعمليات اختطاف الأشخاص، ولا قتله للناس”.
أضاف “كنت أعرف أن العنف الذي يزرعه، سينقلب دائماً ضدنا”. وهذا بالأساس، وفقاً ل(ماروكين)، ما يميز كتبه عن أعمال الآخرين حول موضوع والده. وهو يعتبر أن الخلل والتباين بين الحقيقة وراء هذه القصة والخيال الذي يريد الناس بيعه حول حياة والده واضح.
واستطرد قائلاً “أعرف أنه باستطاعتي بيع ملايين الكتب بدلاً من الآلاف لو كرست مجهوداتي لكتابة قصيدة تمجد والدي”. ومع ذلك، يقول (ماروكين)، إنه لا يستطيع أن يوقف الناس عن سرد القصص الخاصة بإسكوبار، لأنه هو أيضاً يفعل الشيء نفسه. لكنه يشعر بأن الشيء الذي يجعل قصصه مختلفة عن الآخرين هو رفضه تمجيد والده.
يقول “أعتقد أن الاختلاف قد لخصته رسالةٌ تلقيتها مؤخراً عندما كنت أقدم كتابي الثاني في الأرجنتين، إذ سلمني صبيٌ يبلغ من العمر 13 عاماً ظرفاً مغلقاً وأخبرني أنه كان يعرف والدي منذ أن كان في سن الثامنة”.
وأضاف الصبي قائلاً له “أعرف من هو والدك لأن جدتي أخبرتني عن ذلك وقد زاد ذلك من اهتمامي بالأفلام التي تتحدث عنه، كنتُ أرغب دائماً في أن أكون بابلو إسكوبار، إلى أن قرأت كتابك، والآن أريد أن أكون صحفياً “.

باسم الأب
بعد الفرار من كولومبيا عقب وفاة والده، كان من الصعب على (ماروكين) التكيف مع الحياة الطبيعية. واجه (اسكوبار) وابلاً من الرصاص في حادث إطلاق نار عندما اكتُشف أنه مختبئٌ في أحد أحياء (ميديلين) عقب هروبه من السجن. وبعد اقتراب قوات الأمن من المكان وتطويقه، اندلعت معركة نارية، ورغم محاولته الهروب عبر أسطح المنازل، لقي (إسكوبار) حتفه بعد إصابته برصاصة قاتلة في الرأس.
ومع ذلك، ورغم كل ما فعله، حظي بوداع الأبطال، إذ اصطف ٢٥ ألف شخص على طول شوارع ميدلين في يوم جنازته. وفرت زوجته وابنه وابنته الصغيرة من البلاد، بحثاً عن اللجوء قبل الاستقرار في نهاية المطاف في (بوينس آيرس)، حيث لا يزال (ماروكين) يعيش اليوم.
ولدى (ماروكين) الآن ابن، وهو الأمر الذي يثير السؤال الصعب حول ما يمكن أن يخبره عن جده سيء السمعة. ويقول (ماروكين): “من الواضح أنني لن أبدأ بإخباره ما معنى تجارة المخدرات، ولكنه يعرف بالفعل أن جده هو (بابلو إسكوبار)، وواجبي إزاءه هو تربيته في جو من الاحترام والمحبة، لأنني أعلم أن ذلك بالضبط ما كان سيمنحُهُ له والدي لو كان على قيد الحياة “.
ولكن، فيما يتعلق بحجب تجاوزات إسكوبار عنه، ف(ماروكين) يرفض ذلك.
وأضاف “بالطبع سيعرف عن الجرائم التي ارتكبها جده، ولهذا السبب فعندما يأتي اليوم الذي تكون الفرصة سانحة أمامه ليكون (بابلو اسكوبار) المقبل، سيكون بحوزته ما يكفي من المعرفة لاختيار مسار مختلف”.
ما الذي سيقوله لأولئك الذين يرفعون أباه في مصاف القديسين؟
قال “ادعوهم ليطلعوا على القصة الحقيقية لبابلو اسكوبار، وهي ليست تلك الرواية المجيدة، البراقة  مثلما تقصها المسلسلات التلفزيونية عنه”. وفقاً ل(ماروكين)، لم يشكل المال والترف الذي جُمع من خلال مهنة والده، سوى جزءاً صغيراً من المشهد الكبير.
ويتساءل “ما الفائدة من امتلاكك قصراً إذا لم يكن لديك أي شخص في البيت في انتظارك؟”. وأضاف “عندما كنتُ مختبئاً مع والدي، كنا محاطين بملايين الدولارات، لكننا نتضور جوعاً، المال من المفترض أن يخلصك من الجوع، أما بالنسبة لنا، المال جلب لنا الجوع والموت والعنف، واختفاء الأحباب”.
ومثلما عبر عن ذلك بنفسه وبكلماته، فإنه لا يوصي أحداً بأن يقع رهينة عالم والده.
ثم يقول ” في كل الأحوال، لا أعرف أي تاجر مخدرات، في وضع التقاعد”.
هذا المقال مترجم  عن الرابطالتالي

إقرأ أيضاً