fbpx

هنا القصة الثالثة

عمّار المأمون

مقالات الكاتب

محاولات إنتاج خطاب سياسي للألم: التعذيب في سوريا نموذجاً

“وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام”، لا تغيب قصيدة المتنبيّ السابقة عن المطلع على التراث العربيّ وآدابه، إذ يخاطب فيها صاحب الخيل والليل الحمّى، واصفاً تحولاتها، ومواقيتها، وكيف لعقت عقله، وأذابت عظامه، لتكون القصيدة “تمثيلاً” للألم، لا الألم ذاته في جوانيته وتحولاته الجسديّة، بل بوصفها خطاباً عن الوجع ومحاولة لجعله خارجياً، ومُدركاً للآخر، سواء كان شاهداً على لحظة الكتابة، أو يقرأ النص لاحقاً.

لا يحضر الألم من دون صوت، من دون كلمات من نوع ما، وهذا ما نراه في عيادة الطبيب، إذ نكممّ الألم أولاً، من 1 إلى 10، ثم نحاول وصفه، ألم كالحرق، كالطعن، كالتمزق، ثم نحاول معرفة مكانه وحدوده. فالألم كظاهرة تحدث داخل الجسد، لا تنتقل إلى خارجه إلا صوتياً، والمميز فيه، أنه يفتت اللغة ذاتها، فالأنين، والتأوه، والصراخ، كلها أصوات تعجز اللغة عن وصفها بصورة مجردة، ولا بد من تشبيه ما، لندخُل ضمن خطاب الألم، والمحاولات اللغويّة للإمساك به.

لكن، لم الكتابة عن الألم؟ السبب أن توصيف الألم لغوياً، جوهري في السياقات الطبية والسياسية والقضائيّة، كونها تمتلك مؤسسات تسعى إلى إيقافه. لكن قبل ذلك، لا بد من إثبات حضور الألم، ونقله من وحدة الجسد العضويّة نحو الخارج الذي يستطيع التعامل معه، لجعله يقيناً لا مجرد أنين، إذ لا بد من صيغة لفظيّة مقنعة لهذا الألم كي يكون “واقعياً”، لا مجرد وصف مُجرد لا معنى له، كأن نقول “ألم أخضر”، وهو ما لا يصلح لوصف الألم في السياقات السابقة، فإن لم يكن مفهوماً، لا يمكن القضاء عليه.

نلاحظ في تقارير منظمة العفو الدولية إيمنستي المعنون بـ“أوقفوا التعذيب”، وصفاً لغوياً للألم، وضمن الشهادات الشخصيّة لأولئك الذين تعرضوا للتعذيب في سوريا. 

نقرأ “… بدأوا ضربي على جميع أنحاء جسمي. وبعد أن انتهوا من ضربي بالعصي الخشبية، أشعلوا سجائرهم وأطفأوها في أنحاء جسدي كافة. فشعرت بأن سكيناً يحفر في جسمي ويمزقني إرباً”، الجهود اللغويّة هنا تلعب دوراً في إيقاف الألم، عبر جعله قانونياً وعلنياً وذا معنى، عبر توليد خطاب سياسي للألم، ونقله خارج فضاء الجسد المغلق، ليكون “النص” دليلاً ذو قيمة وثائقيّة عن حدوث الألم، وإدانة لمؤسسات إنتاجه.

تحولات الألم

وظفت إمنيستي أخيراً ضمن معرض باسم العمارة الجنائيّة “الألم” وأصواته، عبر تجهيز صوتيّ للفنان لورانس أبو عدنان، أعاد فيه بناء سجن صيدينا سيئ السمعة في سوريا، والتقاط التحولات الصوتية التي شهدها، إذ تم قياس شدة الأصوات داخل السجن، بالاعتماد على شهادات المعتقلين السابقين، والاستفادة منها لمعرفة التصميم الداخليّ للسجن.

نكتشف ضمن عمل التجهيز انخفاض الأصوات بمقدار 19 ديزيل بعد عام 2011، ، فالألم/ الصوت هنا يتحرك بين الفنّي والسياسيّ، يرسم معالم فضاء صناعة الألم، لتحويل الأخير إلى صيغة تمكن مشاركتها، وفهمها، في محاولة لا فقط للتماهي معه، بل لإيقافه، كون الألم وأصواته تغادر مساحات اللغة نحو الفضاء الماديّ، لاسكتشاف مساحات مخفيّة سياسياً، يتم ضمنها توليد الألم/الصوت الذي ينتهي بالموت/ الصمت .

يترك الألم آثاراً كعلامات اللغة، سواء كانت جسديّة أو نفسيّة، هذه الآثار قد تمتد لتكون مكوناً للعمل الفنيّ نفسه، ويحضر ذلك في مفاهيم “الألم المؤنث”، إذ عُرفت الفنانة الفلسطينية منى حاطوم، باستخدامها دماء طمثها، ضمن بورتريهات وأيقونات صغيرة، ناقلة مفرزات الألم الطبيعيّ إلى المساحة الفنيّة، في تحدّ للمؤسسة الذكوريّة، التي تحاول نفي هذا الألم، وإخفاءه ووصفه بالدنس، كفضلات محرّمة أو الـabjec. الألم هنا يتجاوز الصوت، ويتحول أثرُهُ إلى سلاح ضدّ الهيمنة الذكوريّة، فتكوينه الملموس، المنفصل عن “الداخل” البشريّ، يهدد الأشكال التقليديّة لتمثيل الألم، فالدماء هنا ليست وليدة التعذيب أو القتل، بل جزء من التكوين الطبيعي للجسد المؤنث، الذي يحوي الألم كأحد عناصره البيولوجيّة.

تتسبب بعض أنواع الألم بإيقاف الزمن، لحظة الألم في بعض الأحيان، هي لحظة ذاتيّة لا تُنتج إلا الصراخ والتأوه، فالألم يعطل الجسد، يفكك اللغة وتكوينها المنطقي، يحول اللحم إلى مصدر للأصوات، ويحيل التركيز من المحيط، إلى الآن. هو ينفي من الدماغ -مصدره الرئيسي- كل شيء ما عدا الألم نفسه، وكأنه يحرر الفرد من السياسات والشروط الخاضع لها في لحظة حدوثه، ويرسم حدود الموضوعة البشريّة/ جسد، المؤديّ بدقة لا فكاك منها، وكأن الفرد يعود إلى مرحلة ما قبل لغويّة، لا ينفع فيها إلا الصراخ. رأينا هذا في عرض أداء شعريّ للعراقي كاظم خنجر، بعنوان بيوت مقصوفة إنتاج عام 2015، فبعد أن تغطي الحجارة جسد خنجر، يقول إن هناك لحظات من الألم تفعّل أشياء أعمق من اللغة ومن الكتابة، وليس هناك حلّ سوى أكل الورقة التي تحوي النص، لتخفيف الألم أو الاقتراب منه، وكأن الوجع يفكك الوظيفة الشعريّة للغة، يراهن على “الدوبامين” الذي يفرزه الدماغ، للوصول إلى لحظة يوفوريّة من نوع ما، يحكمها خدر ينبض على حدود الجسد ويرسم مكوناته.

يُستدعى الألم أيضاً عبر أدوات، تُهدد الوحدة الجسديّة للموضوعة الخاضعة للتعذيب، وتفكك لغتها ومنطقها، هذه الأدوات تحضرُ أيضاً ضمن المنتج الفنيّ، وتزاح عن وظيفتها الأصليّة، كما في عمل تجهيز مُتحرك أقيم من سنتين في باريس، ضمن تظاهرة “المعتقلون أولاً”،  والتي تطالب بالمعتقلين لدى النظام السوري وأمراء الحرب.

حمل المشاركون في التظاهرة سجناً عملاقاً، وارتدوا قيوداً بسيطة من حديد على أرجلهم، تخلق صوت السلاسل التي تكبلّ السجناء، الحدث الفنّي هنا، يحاول إعادة خلق شروط الألم، أدواته وفضاءاته، يحافظ على الصوت وتكراره، في محاولة للتماهي مع الآخر المتألم في أقبية التعذيب في سوريا،  وهنا تكمن أحد أبرز خصائص الألم، أنه لا يمكن نقله من جسد إلى آخر، تمكن محاكاته، ومقاربته، كما لا يمكن تكراره مرة أخرى ونقله بحذافيره، يمكن فقط التعرف إلى أعراضه وتقمصها.

إقرأ أيضاً