هنا القصة الثالثة

بادية فحص

مقالات الكاتب

إيران : لا قواعد لنا في سوريا

لم تحتفل الجمهورية الإسلامية، بشكل رسمي، بالهجمات الصاروخية التي انطلقت من سوريا باتجاه مواقع إسرائيلية في مرتفعات الجولان المحتل. الخبر لم يحتل صدارة الأخبار في الوكالات الرسمية (مهر، فارس، إرنا، إيسنا، تسنيم وغيرها)، كما لم يزح على أهميته الاستراتيجية، نقاشات خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ارتفاع سعر صرف العملة والإحصاءات السكانية الجديدة، حتى زحمة السير على مداخل طهران، تقدمت عليه من حيث الاهتمام والمتابعة.

وعدا ردة الفعل اليتيمة التي جاءت على لسان نائب رئيس لجنة الأمن القومي أبو الفضل حسن بيكي، لم يعلق أي مسؤول إيراني، لا سلبا ولا إيجابا، على أحداث ليلة الصواريخ الطويلة ما بين سوريا وإسرئيل. كما لم يأت الإعلام الرسمي على ذكر تعرض مواقع عسكرية إيرانية لغارات صاروخية إسرائيلية.

هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية الإيرانية (صدا وسيما) تابعت ليلة الصواريخ كما أسمتها، صاروخا صاروخا، لكنها لم تتدخل في صياغة أي خبر، كل ما نقلته من أخبار، كانت حريصة في خلاله أن تنسبه إلى مصدر إعلامي معين. كما ظلت المواقع الرسمية الإيرانية، حتى ساعة سكوت الصواريخ، مواضبة على ذكر مصادر أخبارها المستقاة من: قناة الميادين، سكاي نيوز، سبوتنيك، فرانس برس وسانا.

الحيادية الإيرانية في حدث إقليمي بالغ الخصوصية بالنسبة إليها، مفاجئة جدا إذ لم نقل صادمة، فمنذ أيام، توعد مستشار مرشد الجمهرية السيد علي خامنئي للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، بالرد المناسب على الغارات الإسرائيلية، التي استهدفت مواقع عسكرية إيرانية في مدن سورية مختلفة، والتي أوقعت حوالى 30 قتيلا من الحرس الثوري. مما حول المنطقة إلى كتلة من القلق والخوف، من اندلاع حرب إقليمية بين إيران وإسرائيل يكون مسرحها سوريا بالدرجة الأولى ولبنان ثانيا.

الغضب الإيراني وصل مداه، والتهديدات بمحو إسرائيل من الوجود انطلقت في كل الاتجاهات. شيع الحرس الثوري قتلاه في مساقط رؤوسهم وبدأ بالتحضير لمرحلة الانتقام. المنطقة في خلال هذه الفترة، كانت آخذة بالتضخم مثل رئة مصابة بالسرطان، تشهق قلقا وتزفر رعبا، بانتظار ساعة الصفر الإيرانية.

حتى حل فجر الخميس، ساعة انطلاق الصواريخ “السورية” باتجاه مواقع إسرائيلية في الجولان، حيث اعتقد الجميع أن إيران نفذت وعدها، وبدأت بحربها الموعودة لإزالة إسرائيل من الوجود. لكن مع بزوغ شمس الصباح، ظهرت حقيقة مغايرة.

نفت إيران على لسان بيكي نفيا قاطعا علاقتها بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، فالجيش السوري “الباسل” وحده من قام بهذا العمل، الذي تباركه إيران بالطبع، والدفاعات الجوية لهذا الجيش “الباسل” هي وحدها التي تصدت للعدوان الغاشم وتمكنت من إسقاط عدد من الصواريخ. الأهم من هذا كله، أن بيكي نفسه، أنكر في التصريح اليتيم، وجود قواعد عسكرية للحرس الثوري على الأراضي السورية، وقال حرفيا: “إيران ليس لها علاقة بالصواريخ التي تم إطلاقها فجر اليوم على إسرائيل، ولو كانت هي من قامت بذلك لأعلنا فورا”، وأضاف: “عندما تعدت علينا داعش وقررنا الرد، قمنا بهجوم صاروخي على مواقع للتنظيم في  دير الزور”، كما أكد أن “ليس لإيران وجود عسكري في سوريا، ولا قواعد للحرس الثوري، وإسرائيل تكذب، ومن قام بالضربة هي سوريا وحدها، وهذا رد على الاعتداءات المتكررة عليها”.

هل هذه الحيادية المستجدة يمكن وصفها بالتراجع، خصوصا أنه بين هذين الحدثين، وقع ما لم يكن في الحسبان، وهو تنفيذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديده بالخروج من الاتفاق النووي؟ أم أنها تكتيك دبلوماسي قبل أن يكون استراتيجيا؟

إيران لم تتقدم في موضوع الحرب على إسرائيل كي تتراجع، إسرائيل لم تكن يوما هدفا استراتيجيا إيرانيا، هي ورقة ضغط على المجتمع الدولي ليس إلا، لكن ضمن حدود صداقاتها. أي خطوة إيرانية مؤذية لإسرائيل قد تفقدها صداقتها مع روسيا حليفتها الأثيرة، وهي لا غنى لها عن هذا التحالف الذي يحميها من الكثير من المحاسبة الدولية على تدخلاتها السلبية في شؤون دول المنطقة، كما يؤمن استمرار برنامجها النووي وتسليحها بالصواريخ المتطورة. تدرك إيران أنه حين يحشر الروسي في المفاضلة ما بينها وبين إسرائيل سيختار الأخيرة حتما. ومن هذا المنطلق يصعب عليها أن تشن حربا على إسرائيل، أو أن تنفذ انتقامها، لذلك آثرت الحيادية، أو حتى التبرؤ من الهجمات الصاروخية التي طاولت مواقع عسكرية إسرائيلية فجر اليوم.

أما إعلان عدم وجود قواعد عسكرية إيرانية في سوريا، اليوم، بينما كان وجودها أمرا عاديا حتى الساعات الأخيرة ما قبل الغارات الإسرائيلية، فليس له إلا تفسير واحد، وهو أن إيران، بعد سقوط الاتفاق النووي، لم تعد أبدا بوارد الدخول في مواجهة حتى غير مباشرة مع إسرائيل، لا قدرة عسكرية ولا اقتصادية ولا بشرية ولا حتى سياسية لديها على فعل ذلك. فليقتل من يقتل من عسكرييها، التضحية ببضعة جنود أهون من التضحية بالنظام، وعليه ولن تقرع أجراس الحرب لا اليوم ولا غدا.

في إحدى التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي كتب مواطن إيراني موال للنظام: الجيش السوري أمطر إسرائيل بسبعين صاروخا، فرد عليه آخر معارض: كيلو غرام اللحم أصبح بمئة ألف تومان.

إقرأ أيضاً