fbpx

هنا القصة الثالثة

حلا نصرالله - صحافية لبنانية

حلا نصرالله - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

“إنهم يدمرون الشاطئ”

“إنهم يدمّرون الشاطئ الصخري، وهو واحد من أهم الشواطئ اللبنانية النادرة في بحر الأبيض المتوسط”، بهذه العبارة استهلت جينا تلج حديثها عن أعمال الحفر على شاطئ طبرجا في كسروان.

ناشطون في المجال البيئي في منطقة طبرجا أكدوا حدوث عملية حفر تقوم بها شركات مقاولة، على امتداد مساحة تتعدى 300 متر على الشاطئ الصخري في منطقة طبرجا الساحلية الواقعة شمال لبنان. وتُظهر الصور تركيب ماكينات لشفط الرمال، وبحسب مصادر مطلعة على مسار ورشة العمل القائمة منذ قرابة النصف عام، فإن الحفر، وصب الباطون هدفهما استحداث منتجع سياحي كبير مع مرفأ ضخم يدخل إلى عمق البحر.

ورشات الحفر مستمرة رغم اعتراض رسمي مقدم بتاريخ 6 أوكتوبر/ تشرين الأول من عام 2017. هذا الاعتراض تقدم به عادل نصري ناكوزي، إلى جانب مدير عام وزارة الاشغال العامة والنقل اللبنانية، وجاء فيه: ” نعلمكم أننا نعترض على المخالفات التي تحصل حالياً في الأملاك العامة البحرية في طبرجا ووطى سلام العقاريتين ونرفض رفضاً قاطعاً إعطاء أي تراخيص من قبلكم بصب باطون أو إعمار على شاطئنا بهذا الخصوص”.

وجاء في الاعتراض أن عادل ناكوزي سيتقدم بشكوى إلى النيابة العامة ورئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون، في حال لم تردع وزارة الأشغال العامة المخالفات.

وإلى جانب ورشة الحفر المستمرة على طول الشاطئ الكسرواني، أنشئ مصب طوارئ بحري للصرف الصحي في ساحل كسروان، بناء على مرسوم رئاسي منشور في الجريدة الرسمية صدر عام 2017 ويحمل رقم 1141، وجاء فيه ترخيص لإنشاء مصب طوارئ بحري للصرف الصحي في ساحل.

تدمير الشواطئ والبحار اللبنانية، سياسة ممنهجة ليست حكراً على الساحل الشمالي بل تمتد إلى بيروت التي تعاني من ضخ مياه الصرف الصحي في أكثر من نقطة إلى البحر، وأدت هذه السياسة إلى القضاء على الثروة السمكية في بحري الرملة البيضاء بسبب مياه الصرف الصحي وفي البقعة البحرية في صيدا المجاورة لمكب النفايات المشهور. كذلك يعاني بحر الكوستا برافا جنوب لبنان من أزمة بيئية بسبب المكب المحاذي للشاطئ الذي توضب فيه النفايات بشكل فوضوي، ما أدى إلى تسرب جزء كبير منها إلى داخل البحر.

بالعودة إلى شاطئ طبرجا، تستمر أعمال الحفر في نقطة تقع في محيطها، أراضٍ زراعية تحتوي على خيم لإنتاج الخضار الموسمية، ومن المتوقع أن يؤدي المشروع السياحي في حال استكماله، إلى ازالة الخيم الموسمية، ونسف الحياة الزراعية القائمة في محيطه.

يتشكل الشاطئ الصخري في طبرجا من الشرفات البحرية، الأكثر ندرة في العالم، فـ”هذه الهياكل الحيوية بمثابة نقطة ساخنة للتنوع البيولوجي التي ينشأ فيها خلال حواضن طبيعية ومأوى لكثير من الأسماك واللافقاريات الصغيرة”، بحسب الباحثة البحرية جينا تلج.

ويشكل الشاطئ الصخري للمدينة، البالوعة الطبيعية لتنقية المياه والهواء من مادة ثاني أوكسيد الكربون، خصوصاً أن طبرجا منطقة تتمركز حولها مصانع كبرى كثيرة تنتج مواد سامة، وتساهم الشواطئ الصخرية فيها في تنقية الهواء، وإزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي عبر احتجازه في الصخر.

بحسب تلج، إن للمدرجات الصخرية الطبيعية دوراً أساسياً، في تشكيل الدفاعات الطبيعية للمناطق الساحلية عبر رد الموجات القوية ومنع تحول العواصف إلى كتل هوائية مدمرة. ومن خلال تغيير المعلم الطبيعي للشاطئ الصخري، فإننا نعرّض المحاصيل الزراعية المنتشرة على الساحل للتلف، ويؤدي ذلك إلى تشكيل عواصف قوية.

وتدمير النظام البيئي من طريق إزالة موطن العديد من الحيوانات البحرية والطحالب، يعني تدمير آلاف السنين من المعلومات الوراثية للحياة البحرية التي يمكن من خلالها تشكيل بيانات عن مستوى البحر في السابق وتنبؤ مستواه في السنوات المقبلة.

أما تجريف الرمال من أجل بناء الهياكل الساحلية الصناعية وبناء المرافئ، فيسبب نقصاً خطيراً في الرمال، ويعرض الشريط الساحلي للتآكل ويؤدي ذلك إلى تدمير الشواطئ الرملية بسبب انجراف غير منظم لرمالها. ومن الآثار الأخرى للمراسي على البيئة البحرية، أنها تؤدي إلى اضطراب النظم البيئية الحساسة للحيوانات ويعرض بعضها للانقراض أو الهجرة إلى مواطن جديدة، تؤدي إلى تفاقم الطحالب ما يسبب زيادة مستويات القمامة في المياه.

وفي سياق متصل، يقول المدير التنفيذي لجمعية  نحن” المعنية بمتابعة ملف الاعتداءات على الأملاك العامة للشواطئ اللبنانية، إن كل الشواطئ اللبنانية ملك عام، ومعظم أعمال البناء للمنتجعات والمرافئ الخاصة مخالفة للقانون، ولا يسمح القانون ببناء أي شيء على الشاطئ إلا للمصلحة العامة وبشكل استثنائي.

في بيروت استبيحت الأملاك العامة نتيجة مرسوم رقم 169 الذي يبيح التملك على الشاطئ مع الاستغناء عن مساحة 25 في المئة من الملكية كي تكون ملكاً عاماً، وتقدر نسبة الأملاك العامة المستباحة بمشاريع خاصة من المنطقة الممتدة من الروشة إلى الشاطئ الشعبي في منطقة الرملة البيضاء بنحو الثلاثة ملايين متر مربع.

عام 2012 أصدرت وزارة الأشغال العامة في لبنان دراسة وثقت فيها 1200 تعدٍ على الشواطئ اللبنانية الممتدة من شمال لبنان إلى جنوبه، وتتألف التعديات من منتجعات سياحية وفنادق وشاليهات مع موانئ خاصة تم بناؤها عبر ردم البحر.

لبنان كان يشتهر بساحله ومياهه لكن اليوم يعد الشاطئ اللبناني من الأكثر تلوثاً في البحر الأبيض المتوسط وهو ما دفع بدول مثل قبرص الى مقاضاة لبنان جراء تدفق النفايات اليها..

 

إقرأ أيضاً