fbpx

هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

إلى أي حد نستطيع تعاطي مضادات الاكتئاب؟

شُخّص أندرو لي البالغ من العمر 29 سنة بإصابته باضطراب اكتئابي رئيسي قبل سبعة أعوام، حين كان يسعى إلى التخرج من كلية الهندسة. منذ تشخيص إصابته وهو يتعاطى مزيجاً مكوناً من اثنين من مضادات الاكتئاب، فلوكستين (بروزاك) وبوبروبين (ويلبوترين)، بجرعات مرتفعة تبلغ 60 ميلّيغراماً و30 ميلّيغراماً على التوالي، وذلك للسيطرة على أعراض مرضه. يقول لي: “لطالما راودتني الفكرة التي تقضي بأن الهدف النهائي هو أن أتوقف عن تعاطي الأدوية. وأحياناً أختلف مع نفسي في هذا الأمر”.

ما يصعّب مهمته هو أسئلة الناس عن الأدوية التي يتعاطاها. يقول إن أكثر الأسئلة وصماً وتنديداً لم يطرحها عليه أصدقاؤه وعائلته، بل مقدمو الرعاية الصحية. واجه نقداً حاداً من طبيبه المسؤول عن تقديم الرعاية الأولية ومن الصيادلة في شأن الجرعة المرتفعة التي يتعاطاها وإن كانت ملائمة أم لا.

يضيف لي، “عندما أذهب بالوصفة الطبية إلى الصيدلية، يقول الصيدلي عادة شيئاً ما عن الجرعة وعن أنني لا يجب أن أتعاطى هذه الجرعة وأنها مرتفعة جداً. وكل مرة أسمع فيها تعليقاً كهذا، تجول في ذهني إجابات مثل (هذا ليس من شأنك، أنت لست في موضع يؤهلك للحكم على الجرعة التي أتعاطاها، أو هذا ما يصلح معي). كل مرّة أخرج فيها من مثل هذا الموقف، أبدأ بالتفكير مجدداً، هل هي مرتفعة حقاً؟ هل يجب أن أفطم نفسي عن هذه الأدوية؟”.

وفقاً لتقرير نشره “المركز الوطني لإحصاءات الصحة” عام 2017 فإن 13 في المئة من الأميركيين الذين تتجاوز أعمارهم 11 عاماً قالوا إنهم تناولوا مضادات للاكتئاب خلال الشهر الماضي. من بين هؤلاء الأشخاص، تعاطى ثلثاهم هذه الأدوية أكثر من سنتين، فيما تناولها ربعهم عشر سنوات على الأقل.

بالطبع لا تستخدم مضادات الاكتئاب لعلاج الاكتئاب فقط. يقول روغر ماكنتاير، أستاذ الطب النفسي وعلم العقاقير بجامعة تورونتو ومدير وحدة علم أدوية اضطرابات الدماغ والمزاج النفسية في شبكة الصحة في الجامعة:  “هناك قائمة طويلة جداً بالأسباب التي يتناول الناس مضادات الاكتئاب لأجلها”. ويوضح أن “هذه القائمة تضم اضطرابات القلق والألم ومشكلات النوم والشره وقصور الانتباه وفرط الحركة، إضافة إلى استخدامات لأسباب أخرى غير مصنّفة”.

لكن في ظل تعاطي عدد من المصابين بالاكتئاب، مضادات الاكتئاب لسنوات أو حتى عقود، ما المدة التي تعد طويلة جداً لمثل هذا التعاطي؟

يشير ماكنتاير إلى أن “التعاطي طويل الأمد (الذي ليس له تعريف محدد) مناسب في السياقات السريرية الصحيحة مع تقييم مستمر من الطبيب، ما يعني عادة زيارة الطبيب كل ثلاثة إلى ستة أشهر بالنسبة إلى شخص تعد حالته مستقرة”. يضيف ماكنتاير، “لدينا بيانات سنوات متعددةبيانات عشوائية ومتحكم فيها لسنتين إلى ثلاثة- توضح أنك إن واظبت على العلاج بدلاً من التوقف أو التحول إلى علاجات بديلة ستكون النتائج أفضل كثيراً، وتقل نسب حدوث انتكاسات لديك وتزيد فرص بقائك بصحة جيدة”.

بحسب جوشوا ناثان الأستاذ المساعد في الطب النفسي السريري بجامعة “إلينوي” بشيكاغو والرئيس المنتخب لمجتمع الأطباء النفسيين، “عندما يتعلق الأمر بتحديد مدة العلاج، يكون الهدف منع حدوث انتكاسات. تنصح الإرشادات المهنية لجمعية الأطباء النفسيين الأميركية بأنه بالنسبة إلى نوبة الاكتئاب الأولى، الأشخاص الذين وصفت لهم مضادات الاكتئاب يجب أن يستمروا في تناولها لأربعة إلى تسعة أشهر بعد أن تهدأ حالتهم. قد تستغرق مضادات الاكتئاب من ستة إلى 12 شهراً لتحسين الأعراض إلى نقطة الاستقرار، وهذا إن عملت الأدوية بشكل جيد مع ذلك الشخص ولم تؤدِّ إلى آثار جانبية سيئة تدفعه للتوقف عن تناولها”.

يقول ناثان، “بعد ذلك يتعلق الأمر إلى حد ما بتفضيلات المريض”. ويشير أيضاً إلى أن خطر الانتكاس يزيد مع نوبة متعاقبة من نوبات الاكتئاب (بشكل أساسي تكون نسبة خطر الانتكاس نحو 20 في المئة في الشهور الستة الأولى بعد نقطة الهدوء. يضيف ناثان: “هل أنت مستعد للمخاطرة بنوبة أخرى في الخمس سنوات المقبلة على سبيل المثال؟ أم هل تفضل الاستمرار في تعاطي الأدوية؟ الأشخاص المختلفون سيقدّمون إجابات مختلفة على هذا السؤال. بالنسبة إلى بعض الناس يكون الاكتئاب سيئاً بما يكفي ولا يريدون المخاطرة بالعودة إليه مجدداً، وليست لديهم مشكلة معينة مع الأدوية، لذا لا يمانعون تناولها بشكل يومي”.

توصي إرشادات جمعية الأطباء النفسيين الأميركية بالعلاج الذي يستمر سنوات عديدة أو علاج “طور المحافظة” للأشخاص المصابين باضطراب اكتئابي رئيسي مزمن، أو أولئك الذين أصيبوا بثلاث نوبات اكتئابية أو أكثر. ينصح بالعلاج الطويل أيضاً عندما يكون خطر الانتكاس مرتفعاً، إذ تضم عوامل الخطر أعراضاً مثل ارتفاع حدة الاكتئاب واستمرار أعراضه أثناء فترة النقاهة، والإصابة في سن صغيرة، إضافةً إلى وجود تاريخ من الأمراض النفسية في العائلة، أو الإصابة باضطراب نفسي أو طبي مزمن آخر. تزيد فرص الانتكاس بالنسبة إلى الأشخاص الذين ما زالوا يواجهون ضغوطات أو لديهم مشكلات مستمرة في النوم”.

بحسب ناثان، من الناحية النظرية، قد يتعاطى المرء مضادات الاكتئاب طوال عمره. “هناك بعض البيانات التي تربط مضادات اكتئاب معينة بهشاشة العظام، لكن البعض يربطها أيضاً بمنع الإصابة بالخرف أو تأخيرها، لذا قد يكون هناك بعض الأضرار وبعد الفوائد للتعاطي المزمن لمضادات الاكتئاب. لذا بشكل عام إذا أخذنا كل الاعتبارات في الحسبان، مثل التحكم الجيد في نوبات القلق أو زيادة مخاطر الانتكاس أو وجود آثار جانبية معروفة غير مؤثرة أو منعدمة، يساهم التعاطي طويل الأمد حينها في تقليل الكثير من المعاناة من دون آثار صحية كبيرة”.

يلفت ناثان إلى أن بعض مرضاه يفتحون موضوع عدم الاستمرار في تناول مضادات الاكتئاب، بينما يتردد الآخرون في فعل ذلك. يقول ناثان: “يخشى كثيرون التوقف عن تناول الأدوية. في تلك الحالات تكون الأعراض حادة وقاسية بما يكفي وهم يدركون جيداً التحسن في حالتهم ولا يريدون المخاطرة بعودة المرض مرة أخرى”. بالنسبة إلى أولئك الذين قرروا التوقف، عليهم أولاً فعل ذلك تحت إشراف طبيب، ويجب ألّا يكون التوقف فورياً، وفقاً لإرشادات جمعية الأطباء النفسيين الأميركية. تقليل الجرعة يتطلب أسابيع ويتطلب إشرافاً من طبيب يفحص أعراض الانتكاس”.

بحسب ناثان، قد يتطلب الأمر البدء في جلسات الاستشفاء النفسي أو الاستمرار فيها أثناء فترة التوقف عن الأدوية إذا كانت هناك بقايا أعراض أو ضغوطات في حياة المرء. يضيف: “قد يساعد المعالج النفسي في حل مشكلة لا يمكن التعامل معها بالأدوية مثل مشكلات العلاقات الشخصية، أو الحزن، أو التشوش الإدراكي أو الثقة المنخفضة بالذات”.

يتذكر لي محاولة التقليل من الأدوية التي يتناولها قبل عام ونصف العام من بداية العلاج موضحاً، “حاولت خفض جرعة الفلوكسيتين من 60 ملّيغراماً إلى 40 ميليغراماً، وانتهى بي الحال إلى الدخول في نوبة اكتئاب. قررت بعدها أن أستمر بالجرعة الكاملة التي كنت أتعاطاها”.

يرى بعض الأطباء أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب يتناولون مضادات الاكتئاب لفترات طويلة جداً، قائلين إنها ليست بتلك الفاعلية المتوقّعة، بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وذلك بمنعها المرضى من تعلم استراتيجيات التأقلم والمواجهة. لكن في المقابل، يحمل نقد مضادات الاكتئاب في طياته خطر وصم المرضى الذين يتناولونها للبقاء بكامل صحتهم وفاعليتهم”.

يردف ماكنتاير، “يعد المفهوم القائل إن مضادات الاكتئاب تستخدم بشكل زائد، مبالغاً فيه. بل لا يحترم هذا الادّعاء المرضى النفسيين ولا معاناتهم”.

يرى ماكنتاير أن وصف مضادات الاكتئاب المناسبة للمريض أمر ضروري بسبب تأثير الاكتئاب في قدرة المرء وصحته العقلية والجسدية. يرتبط الاكتئاب بمشكلات طبية مثل أمراض القلب والسكري والسمنة وقد يخسر الناس عدداً من سني حياتهم بسبب هذه الظروف. يضيف قائلاً: “في كندا والولايات المتحدة يعد الاكتئاب أكثر الأسباب شيوعاً للفشل في المدرسة ولا يكون بإمكان المرضى إكمال دراستهم أو الذهاب إلى العمل أو إنجاز أعمالهم بكفاءة. هذا مرض خطير جداً”.

مع ذلك، يظل سؤال السلامة مطروحاً حين يتعاطى الناس مضادات الاكتئاب لفترات طويلة، وهو سؤال يتلقاه تود كوتش بشكل أسبوعي في عيادته التي يعمل فيها صيدلياً سريرياً مختصاً في الصحة العقلية. يؤكد كوتش الذي يعمل أيضاً محاضراً في قسم الطب النفسي بجامعة “تورونتو” أن “ليس هناك دليل على أنها تسبب أي مشكلات على المدى البعيد”.

يشير كوتش أيضاً إلى أن أمراً آخر كثيراً ما يقلق المرضى، وهو إن كانت هذه الأدوية توصل المرضى إلى الإدمان. ويجيب على ذلك قائلاً: “قد يؤدي خفض جرعة الدواء إلى أعراض موقتة قد تكون مزعجة وغير مريحة على الإطلاق، لكنها ليست خطيرة على حياة المريض. قد تضم هذه الأعراض (متلازمة التوقف) وأعراضاً أخرى شبيهة بأعراض البرد، إضافة إلى الحساسية الزائدة والأرق والأحلام الحية وإحساس بالصدمة الكهربائية”.

مع ذلك، يؤكد كوتش أن مضادات الاكتئاب لا تسبب الإدمان، موضحاً أن “هناك ثلاثة معايير تحدد إذا كانت المادة مسببة للإدمان أم لا، أعراض الانسحاب واحدة من هذه المعايير بالتأكيد، لكن المعيارين الآخرين هما الاحتمال والتوق. لا تجتمع هذه المعايير الثلاثة في مضادات الاكتئاب”. بحسب كوتش في بعض الحالات قد يشعر الناس برغبة في الاستمرار في تعاطي الأدوية، خوفاً من أن تعاودهم نوبات الاكتئاب.

يقول كوتش، “يظن الناس أن مضادات الاكتئاب مثل العكاز الذي يستند إليه المرء. يعتقد الناس أن الاكتئاب هو نوع من الفشل الأخلاقي أو نقص في المرونة وقوة الاحتمال، ويسألون لماذا تتطلب هذه المشكلة التعامل معها بالأدوية، لماذا لا أستطيع تجاوز الأمر فقط؟ ولهذا لا يعتقد الناس أن الاكتئاب في درجة خطورة إصابات الكلى الحادة على سبيل المثال أو مشكلات القلب، وهو كذلك بالفعل”.

على رغم كثرة وصف مضادات الاكتئاب للمرضى من قبل الأطباء إلا أنها ليست ترياقاً عاماً للأمراض النفسية. لا تعالج هذه الأدوية جميع الأشخاص، وحين تعمل قد تؤدي إلى أعراض جانبية مثل المشكلات الجنسية والتعرق وزيادة الوزن ومشكلات في الهضم مثل الغثيان والقيء والانتفاخ.

يقول ماكنتاير، “للأسف مضادات الاكتئاب ليست مثالية، وهي في الحقيقة لا تعالج الاكتئاب بشكل كامل. الخلاصة التي يجب أن نخلص إليها ليست أن مضادات الاكتئاب توصف من قبل الأطباء بكثرة أو أنها لا تعمل. الخلاصة التي يجب أن نخلص إليها هي أن هذه الأدوية تعمل جيداً، لكنها تؤدي عملها بشكل جيد جداً لنسبة معينة من المرضى، أصغر مما كنا نريد. وللأسف تظل هذه الأدوية في طور التجربة والخطأ”.

وبالنسبة إلى بعض الناس تستمر هذه التجربة لسنوات.

*إيرين سترغيوبولوس

هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع Vice لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً