هنا القصة الثالثة

حسين الوادعي

مقالات الكاتب

إسلام السوق .. من صناعة الحياة إلى “دجاج” الوطنية

يعود الفضل إلى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في كشف العلاقة بين التدين البروتستانتي وصعود الرأسمالية. فقد شدد البروتستانت على قيم التقشف والعمل الجاد من أجل النجاح الدنيوي، فجمعوا أموالاً كثيرة، منعهم زهدهم من استهلاكها، فكانوا يعيدون استثمارها ومراكمتها حتى خلقوا نموذجاً اقتصادياً جديداً هو الرأسمالية.

تبرعم في العالم الإسلامي في عقد التسعينات ما يدعى إسلام السوق، فحاول تطبيق النموذج البروتستانتي على الأرضية الإسلامية. لكنه لم يكن نتيجة نجاح حركة الإصلاح الديني كما حصل في المسيحية، بل جاء على خلفية فشل الإسلام السياسي (الصحوة الإسلامية) في تحقيق وعوده بمجتمع فاضل.

ثلاثة جذور كوّنت إسلام السوق

أول تلك الجذور الحلم الأميركي القائم على التنمية البشرية وكسب المال الذي تمت أسلمته على يد الإخوان المهاجرين للدراسة في أميركا (طارق السويدان، محمد الراشد، هشام الطالب)، وثانيها الأخلاق البروتستانتية الرأسمالية التي عاد بها الداعية عمرو خالد من بريطانيا، معقل البروتستانتية الأوروبية، بعد أسلمتها ومحوَرتها حول صناعة الحياة وتكوين المسلم الناجح. وكان الجذر الثالث رجال الأعمال المسلمين الذين بهرهم نموذج نجم الدين أربكان، وفتح الله غولن التركيين وقرروا الانتقال من أسلمة الاقتصاد إلى رسملة الإسلام (إعادة صياغة الإسلام بمصطلحات اقتصاد السوق).

إنه إسلام مختلف عن الإسلام السياسي أو هكذا كان يبدو. فهو لا يركز على التحزّب السياسي أو تغيير النظام أو تطبيق الشريعة، لكنه يبتعد من السياسة ويدعو كل شاب المسلم إلى تحقيق النجاح الفردي الدنيوي سبيلاً للنجاة في الآخرة. كما أنه يتخلى عن الخطاب المعادي للغرب والحداثة ويقدم نفسه وسيطاً ثقافياً بين الاثنين.

وهو فوق ذلك يبتعد من الإسلام التنظيمي ليركز على الإسلام الفردي المتحرر من هيمنة الحزب الإسلاموي.

لم يتصارع إسلام السوق مع الإسلام السياسي. فعندما أصبح عمرو خالد ظاهرة تحلق حولها أعضاء الإسلام السياسي وجماعاته، وجدوا فيها فرصة سانحة لتوسيع الخطاب الديني، كان شباب الحركات الإسلامية قد انصدموا مع قياداتهم وتنظيماتهم بعد أن خنقهم الخطاب المتصلب والطروحات البعيدة من العصر.

احتضن الإسلام السياسي إسلام السوق في البداية واعتبره فرصة لاستعادة الشباب الهاربين من صرامة التنظيم وتصلب الخطاب.

وبسبب سيولة طروحات إسلام السوق، جذب اهتمام السلطة والمعارضة معاً. فقد رأت فيه الدولة فرصة لنزع فتيل الدين السياسي، ورأت فيه جماعات الإسلام السياسي فرصة للمزيد من الأسلمة.

بدأ إسلام السوق ينتشر عبر الوعظ التلفزيوني الأخلاقي على النمط الإنجيلي، والانخراط في دورات التنمية البشرية وتحقيق الذات، محاولاً تحقيق انقلاب في الوعي الإسلامي، ينقله من التركيز على الآخرة إلى التركيز على النجاح الدنيوي، ومن التحلق حول شعارات الخلافة والدولة الإسلامية إلى شعارات أكثر فردية تركز على تكوين الثروة والتمتع بالحياة… لكن كان من المستحيل إنجاز هذه النقلة الثورية من دون إصلاح ديني في أسس العقيدة وأصول الشريعة.

لأنه لم يستند إلى عملية إصلاح ديني تعيد تصحيح علاقة المسلم بالعالم حمل بذور فنائه داخله.

تراجعت صورة المسلم المجاهد لتحل محلها صورة المسلم التاجر. أما الهدف الأسمى فلم يعد الشهاده في سبيل الله، إنما تكوين الثروة وتحقيق النجاح. وفي هذا السياق، سيعاد رسم الصورة الذهنية للرسول والصحابة فتختفي الأحاديث التي كانت تتحدث عن فقر الرسول وتقشفه وربطه بطنه بحجر من الجوع، لتحل محلها الأحاديث التي تؤكد أن الرسول كان غنياً ورجل أعمال ناجحاً، يحرص على تمتع بالحياه وطيباتها.

وضع إسلام السوق الفكرة ونقيضها أمام الشباب الراغبين في التغيير. عندما كانوا يستمعون إلى محاضرات عمرو خالد كانوا يجدون خطاباً رأسمالياً يحفز الشاب على النجاح الدنيوي، ويغرقهم في الوقت ذاته بخطاب مضاد عن التوبة والشهوات والغرائز وتحري الصحة الدينية في كل السلوكيات.

سعى إسلام السوق إلى تدين فردي، لكنه تديّن غير متحرر، يؤكد سلطة رجال الدين في أمور الإفتاء وفهم الشريعة. تجاورت نفعية ديل كارنيغي وستيفن كوفي مع جهادية ابن تيمية وسيد قطب، وتزاملت أفكار الولاء والبراء وكراهية الآخر مع أفكار الاندماج في حركة العولمة ومدح الانفتاح على الآخر.

لم يكن إسلام السوق بروتستانتياً، لكنه كان كاثوليكياً متشدداً، يحاول إقامة علاقة صعبة بين الكاثوليكية الإسلامية والرأسمالية المعاصرة. كان لديه كثيرون من أمثال كولن وخالد واربكان والسويدان، لكن لم يكن لديه مارتن لوثر وأحد يهز أسس الأرثوذكسية الإسلامية المتنافرة مع قيم الاهتمام بالحياة الدنيا وتنمية الذات.

صارت حياة المسلم المثالي مجموعة من الممارسات الاستهلاكية. وارتبطت التقوى هنا بمعدل الاستهلاك، فكلما زاد استهلاكك المنتجات الإسلامية كلما كان التزامك وتقواك أكبر.

تراجعت صورة المسلم المجاهد لتحل محلها صورة المسلم التاجر. أما الهدف الأسمى فلم يعد الشهاده في سبيل الله، إنما تكوين الثروة وتحقيق النجاح. وفي هذا السياق، سيعاد رسم الصورة الذهنية للرسول والصحابة فتختفي الأحاديث التي كانت تتحدث عن فقر الرسول وتقشفه وربطه بطنه بحجر من الجوع، لتحل محلها الأحاديث التي تؤكد أن الرسول كان غنياً ورجل أعمال ناجحاً، يحرص على تمتع بالحياه وطيباتها.

أما صورة أبي ذر وعمار وبلال، فستتراجع إلى الخلف لتتصدر صورة الصحابي الغني على نمط عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف اللذين دعما الدعوة الوليدة بثروتهما.

أما المصطلحات الإسلامية، فتتحول إلى علامات مسجلة، بدءاً من مكة المكان الأقدس عند المسلمين الذي سيتحول إلى “مكة كولا” المشروب الغازي الإسلامي المنتج عبر شركة يديرها فرنسي مسلم من أصول تونسية. والمسلم سيصبح “مسلم أب” من المشروب الغازي الخفيف الذي يريد منافسة “سفن أب”.

كان الاختلاف بين الإسلام السياسي وإسلام السوق غامضاً كما ظهر في الموقف من الحجاب مثلاً.

فرض الإسلام السياسي نوعاً من الحجاب يركز على الحشمة والتقشف والتزمت بعيد قدر الإمكان من الجمال والأناقة. لم يتخلَّ إسلام السوق عن الحجاب، لكنه روج لحجاب جديد. حجاب يركز على أناقة المرأة وجمالها وأنوثتها، مع جرعة مكثفة من الأصباغ والمساحيق على وجه الفتاة المحجبة ليزيد جمالها. تجاوز حجاب إسلام السوق مفهوم الحياء إلى مفهوم الأناقة والجمال والقوة والحضور المستمر في الحياة العامة.

تحولٌ آخر أحدثه إسلام السوق، الأناشيد الدينية، إذ حقق نقلة من الأناشيد الثورية الإخوانية حول الجهاد وعودة صلاح الدين ونصرة الشيشان وأفغانستان وقتال الكفار، إلى أناشيد روحانية صوفية كما في أغاني سامي يوسف التي تركز على محبة الله ومحبة الرسول من دون أي جرعات سياسية وجهادية.

دخلت الموسيقى إلى قلب النشيد الإسلامي، لا الموسيقى الشرقية فقط بل أيضاً موسيقى الراب والبوب.

انتصر السوق على الجامع، لكن الربيع العربي جاء لتتصدر صورة المسلم المجاهد من جديد وتتراجع صورة المسلم التاجر، وتتسع الفجوة بين إسلام السوق والإسلام السياسي

لكن الفوارق بين الإسلام السياسي وإسلام السوق توسعت مع أزمة الرسوم الدنماركية عام 2005. كان يوسف القرضاوي ممثلاً للإسلام السياسي وعمرو خالد ممثلاً لإسلام السوق على طرفي نقيض. ففي حين رآها القرضاوي فرصة لتصعيد الاحتجاجات لتؤدي في النهاية إلى إسقاط الأنظمة العربية والدخول في مواجهة مباشرة مع الغرب، كان عمرو خالد يدعو إلى الحوار والفهم المشترك، وسافر بسرعة إلى الدنمارك لبدء الحوار والتقارب.

وجاءت أحداث الربيع العربي لتقوّض إمكانات تطور إسلام السوق في العالم العربي وتبعث الروح في الإسلام السياسي والإسلام الجهادي- الطائفي.

لم ينجح إسلام السوق في تخفيف تضخم الشعور الديني الذي أحدثته ظاهرة الصحوة الإسلامية، لكنه أغرق المجتمع في تضخم ديني جديد جراء نمط استهلاكي سطحي وصل إلى حد الحديث عن الكوكاكولا الإسلامية والبيرة الإسلامية والرز الحلال واللبن الحلال.

قدّم الإسلام السياسي التقليدي الإسلام كإيديولوجيا سياسية شمولية، وقُدم إسلام السوق كمجموعة من المنتجات المروجة بشكل عصري. وعند هذه النقطة بالذات توقفت المنتجات الإسلامية عن كونها نشاطاً إسلامياً خالصاً.  فقد دخلت الشركات العالمية في المنافسة على تصنيع الزيّ الإسلامي والشريط الإسلامي والسياحة الإسلامية وترويجها، وقبل ذلك كانت الشركات العالمية قد سيطرت على تجارة اللحوم الحلال.

وكما صار لدينا مستثمرون في المنتجات الإسلامية من مختلف الديانات أو حتى من دون ديانات (رأس المال لا دين له) تجاوز المنتج الإسلامي إسلاميته ليصبح منتجاً عابراً للأديان. فالبوركيني ترتديه نساء غير مسلمات محافظات، واللحم الحلال يجتذب اليهود أيضاً، والنشيد الإسلامي الروحاني الصوفي باللّغة الإنكليزية يستخدمه غير مسلمين يبحثون عن تجربة روحانية، بعيداً من الطابع المادي الصارخ للعالم الجديد.

ارتكب إسلام السوق خطأ الإسلام السياسي ذاته. كان خطأ الإسلام السياسي أن السياسة ابتلعت الدين وحولته إلى أداة طيّعة لأطماعها. وكان خطأ إسلام السوق أن الاقتصادي ابتلع الديني وتحول التدين إلى هوس استهلاكي.

لم تنجح محاولات المزج بين حسن البنا وديل كارنيجي، فقد انتصر السوق على الجامع، لكن الربيع العربي جاء لتتصدر صورة المسلم المجاهد من جديد وتتراجع صورة المسلم التاجر، وتتسع الفجوة بين إسلام السوق والإسلام السياسي، فيتورط القرضاوي في فتاواه عالية التسييس حول تأييد الله ورسوله وجبريل للرئيسين محمد مرسي ورجب طيب أردوغان، ويتورط عمر خالد في إعلان “دجاج” الوطنية، مؤكدين جميعاً استحالة تحديث التدين الإسلامي من دون المرور بمرحلة الإصلاح الديني المنتظر.

 

إقرأ أيضاً