هنا القصة الثالثة

تيم غوراني

مقالات الكاتب

إدلب من جحيم النظام إلى جحيم الإسلاميين

بمجرد تنقّلك بسيارة من “نوع بيك أب” أو “جيب”، حتى وإن كانت تستخدم للزراعة فعليك توقّع وفي أي لحظة أن تنفجر عبوة ناسفة على طرف الطريق. عليك أن تنتبه. أنت في إدلب التي تشهد يومياً تفجيرات تتنوّع بين عبوات ناسفة وسيارات مفخخة وعمليات اغتيال عشوائية.

لم تكن وتيرة التفجيرات في إدلب مرتفعة إلى هذا الحد، لا بل كانت نادرة في بلد يعيش حالة الحرب، لكنها ارتفعت منذ بداية العام الحالي بشكل ملحوظ وباتت حدثاً يومياً.

تسعى جهات عدة لاستهداف الوضع الأمني في المحافظة، ولكل جهة أهدافها المختلفة، ولكل جهة أسلوبها الخاص في التفجير.

تشتهر الفصائل الجهادية بالعبوات الناسفة واستخدامها كوسيلة حرب أدخلت عليها تطورات كثيرة، وكان سبب اعتمادها على ذلك، تكتيكها القائم على حرب العصابات.

تنظيم الدولة وراء 70 في المئة من التفجيرات

“درج” التقى “س.خ” وهو مسؤول وحدة الهندسة في أحد فصائل الجيش الحر ورفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية. “طباخ السم ذواقه”، يقول سارداً تقييماً لما تعيشه إدلب اليوم.

يضيف: “تفجيرات إدلب تحمل بصمات مختلفة أوصلتنا في بداية الأمر إلى حالة من الضياع وفعلاً لم نكن نعلم من ينفذ تلك التفجيرات، ولكن بعد تمكننا من تفكيك عدد من العبوات واطلاعنا على كيفية تصنيعها والتقنية التي تعمل فيها تبين لنا أن 70 في المئة من العبوات، من صنع تنظيم الدولة “داعش”، وما زاد يقيننا هو البقعة التي تحدث فيها عمليات التفجير بمعظمها، وهي ما نسميها نحن مثلث الموت ويقع بين مدن سراقب وأريحا وإدلب، وتضم هذه المنطقة قريتي سرمين والنيرب وهما تعتبران معقل عناصر تنظيم الدولة المنتسبين، وتنظيم جند الأقصى أو ما يعرف اليوم بتنظيم حراس الدين، وتسعى هذه الخلايا إلى استهداف العناصر العسكرية غير التابعة لها”.

تشتهر الفصائل الجهادية بالعبوات الناسفة واستخدامها كوسيلة حرب أدخلت عليها تطورات كثيرة، وكان سبب اعتمادها على ذلك، تكتيكها القائم على حرب العصابات.

خلايا نظام الأسد  

في المقابل، يعتبر “س.خ” أن هناك جهات أخرى تستفيد من الفلتان الأمني في المحافظة وتفتعل التفجيرات، وأبرزها في المرتبة الثانية بعد التنظيم خلايا تابعة للنظام السوري، وهدفها زعزعة الاستقرار وإظهار مدينة إدلب بؤرة للإرهاب لا يمكن العيش فيها.

اقتتال داخلي وتصفية حسابات

يرى رضى الدوري، وهو خريج كلية الحقوق في دمشق ويقطن في جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، أن وتيرة الأحداث المرتفعة التي أتت بشكل مفاجئ لا يمكن تفسيرها على أنها أمر طبيعي، فالاقتتال الذي دار بين هيئة تحرير الشام وجبهة تحرير سورية لمدة تزيد عن شهرين لم يشهد أي عملية تفجير تذكر وقد غابت العبوات بشكل كبير خلال فترة الاقتتال، وذلك لأن المناطق قسمت بينهما بحسب نفوذ كل طرف.

لكن صبيحةَ نهاية الاقتتال مباشرة، ظهرت التفجيرات، فيوم الصلح الذي حصل بين المتقاتلين شهد تفجيرات، مما يدل أو يثير شكوكاً حول أن التفجيرات الحالية هي لتصفية الحسابات بين الفصائل المتقاتلة، إذ إنها تستهدف شخصيات عسكرية قيادية في الدرجة الأولى. ببساطة يمكننا القول إن الحرب بين الهيئة والجبهة تحولت من حرب ساخنة إلى حرب باردة تشغلها التفجيرات والاغتيالات التي تسجل ضد مجهول.

المستهدف هو نفسه المنفذ

ربما يعتبر ضرباً من الخيال أن يكون الطرف- الضحية هو نفسه القاتل، ولكن بحسب مواقع قريبة من جبهة تحرير سورية على وسائل التواصل الاجتماعي وُجهت اتهامات لهيئة تحرير الشام بقيامها بعملية اغتيال قيادات داخل صفوفها وتوجيه أصابع الاتهام إلى الجبهة بغية صناعة مسوغ لتبرير الاقتتال بينهما، وفعلاً حدثت اغتيالات عدة لشخصيات تابعة لجبهة النصرة وفي عمق مناطق سيطرتها.

زيد علوش وهو أحد عناصر الأمن في أحرار الشام، ويعمل في أحد حواجز مدينة أريحا. يروي زيد لـ “درج” عن حادثة تفجير عبوة ناسفة في الشخص الذي قام بزراعتها: “يوم الخميس بتاريخ 24/5 لاحظنا حركة غريبة على طريق أريحا- اللاذقية وعند تقدم عناصرنا لتفقد الأمر، شوهد شخص يقوم بزراعة عبوة ناسفة وعند محاولة اعتقاله، انفجرت العبوة بالقرب منه، إذ قام شخص آخر يراقب من بعيد بتفجير العبوة عبر اللاسلكي، مستهدفاً الشخص نفسه حتى لا يقع في أسرنا، ما أدى إلى مقتله مباشرة”.

غياب الأمن والجهة المسيطرة هي المسؤولة

على رغم كثرة الجهات التي تقف وراء التفجيرات في إدلب، إلا أن وجود بيئة حاضنة سهل لهذه الجهات مهماتها. ناهيك بضعف القوة الأمنية والاختراقات الكبيرة في صفوفها.  

ويرى عدي الأحمد وهو من مدينة إدلب أن المدان الأول في التفجيرات ليس الجهة التي تنفذ، بل الجهة المسؤولة عن أمن المنطقة والتي تدعي سيطرتها عليها، فكيف لمدينة إدلب التي لا يمكن إدخال رغيف خبز إليها إلا من طريق حواجز القوة الأمنية التي تتبع لجبهة النصرة، أن تدخل إليها السيارات المفخخة التي أصبحت هاجساً يلاحق الجميع.

ويضيف: “لا يوجد أي تفسير أو مبرر لهذا التقصير الأمني، فيكفي أن يتم الاهتمام بهذا الأمر بقدر الاهتمام ببائعي الدخان، وتوظيف أشخاص بعدد الأشخاص الذين يجمعون الضرائب لكي تنحسر المشكلة. كلنا نعلم أن مدينة سرمين هي بؤرة لعناصر تنظيم الدولة، ولكن إلى اليوم لم يقم أي فصيل بمعالجة هذه المشكلة وإيجاد طريقة فعالة لضبط الوضع في هذه البلدة التي لا تبعد من مدينة إدلب سوى أربعة كيلومترات”.

من جهة ثانية، يرى عبد الكريم الحسن من مدينة سراقب أنه لا يمكن أي جهة حالياً ضبط الأمن، وذلك بسبب التنوع الكبير في المحافظة لناحية السيطرة، فكل بلدة تتبع لفصيل يقوم بسن القوانين الخاصة به، وهو على عداء واضح مع الفصيل الذي يسيطر على البلدة المجاورة.

خرجت مدينة إدلب عن سيطرة جيش النظام السوري في أوائل عام 2015 وتناوبت جهات عدة على السيطرة عليها، وهذه الجهات على عداء كامل مع تنظيم الدولة “داعش”. وحال الفوضى التي تعيشها وعدم وجود جهة واحدة تحكمها، جعل منها مكاناً ملائماً لعمل خلايا أمنية تابعة جهات مختلفة.

 

إقرأ أيضاً