fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

إثيوبيا وإريتريا: احتمال السلام

مَن يقول إنّ الفقر والاستبداد والحروب والتطرّف كثيراً ما تأتي في حزمة واحدة، قد لا يجد مثلاً أفضل من قرن أفريقيا. فإذا وضعنا الصومال جانباً، وهي مضرب مثل شهير على تحالف الآفات المذكورة، داهمتنا إثيوبيا (102 مليون نسمة) وإريتريا (6 ملايين) بصورة مشابهة.

طبعاً سيكون من الصعب ردّ المصاعب التي واجهتها وتواجهها إثيوبيا إلى الاستعمار. فهذا البلد، على رغم تاريخه الطويل، يبقى واحداً من البلدان القليلة في العالم التي لم تعرف الاستعمار ما خلا خمس سنوات (1935 – 1941) من الغزو الإيطاليّ في عهد موسوليني. فأثيوبيا عانت الاستبداد البدائيّ لأباطرة كان آخرهم هيلا سيلاسي، والمذكور هو مَن أقدم، في 1962، على إلحاق أريتريا وتسميتها مقاطعة أثيوبيّة. لكنّ انقلاباً عسكريّاً قاده ضبّاط ماركسيّون أطاح هيلا سيلاسي في 1974 وأقام نظاماً تفوق استبداديّتُه استبداديةَ الأباطرة، يقف على رأسه منغستو هايلي مريم. هذا الأخير لم يكتف بالتراجع عن منح أريتريا حقّها في تقرير المصير، بل خاض حرباً شرسة مع الصومال في ظلّ مستبدّها محمّد زياد برّي، على رغم أنّ النظامين الصوماليّ والإثيوبيّ يومذاك كانا يعلنان الانتساب إلى الماركسيّة – اللينينيّة وصداقة الاتحاد السوفياتيّ. وإذ بلغ القمع أوجه إبان 1977 – 1979، وهي الفترة التي عُرفت بـ “الإرهاب الأحمر”، فقد حلّت بالبلاد مجاعة رهيبة خلال 1984 – 1985 حيث تطوّع العالم كلّه لتقديم المساعدات لأثيوبيا كي تتمكّن من مواجهتها.

في 1991 سقط منغستو. مَن أسقطوه كانوا ائتلافاً من ضبّاط يمثّلون بعض الإثنيّات الكبرى، وقد أسموا أنفسهم “جبهة الشعب الإثيوبيّ الديمقراطيّة الثوريّة” التي كانوا قد أسّسوها في 1989. هذا الخليط الحاكم تمسّك أيضاً ببعض الأفكار والشعارات اللينينيّة والماويّة، خصوصاً “دور الحزب الطليعيّ” الذي يتيح للجبهة التفرّد في السلطة والحؤول دون قيام أيّة معارضة. لكنّ انهيار الاتّحاد السوفياتيّ في الفترة نفسها جعل حكّام إثيوبيا الجدد يطوّرون بعض العلاقات مع الولايات المتّحدة ودول الغرب كما يعتمدون بعض إجراءات اقتصاد السوق. وفي هذا المناخ مُنحت أريتريا استقلالها عام 1993، والذي جاء مسبوقاً باستفتاء عامّ.

بدوره، فالنظام الجديد في أسمرا جاء أشد لينينيّة وتشدّداً وانغلاقاً من النظام الأثيوبيّ. فهناك بدأ حكم “الجبهة الشعبيّة للديمقراطيّة والعدالة”، وعلى رأسها زعيمها أسياس أفورقي، والذي لا يزال قائماً حتى اليوم. وعلى رغم انهيار الاتّحاد السوفياتيّ، اتّبعت أريتريا المستقلّة نظاماً على النمط السوفياتيّ تميّز بتعطيل الحياة السياسيّة وتكديس السجون بمساجين الرأي وعدم تطبيق الدستور الذي ينصّ على إنشاء نظام تعدديّ.

هكذا، وإبان سنوات 1998 – 2000، نشبت بين البلدين المتشابهي النظام حرب حدوديّة تأدّى عنها مقتل عشرات الآلاف، فضلاً عمّا سبّبته من فقر وتشرّد واسعين. ولئن توقّفت الحرب “رسميّاً”، فإنّها استمرّت على شكل اشتباكات موضعيّة مرفقة بالعداء والتوتّر الدائم.

في مطالع هذا العام حصل تطوّر بارز. فقد استقال لأسباب غير واضحة رئيس الحكومة الإثيوبيّ هايلي مريم ديزاليغن، وحل محله أبيي أحمد الذي تعهّد بوقف الحرب مع أريتريا ومكافحة الفساد وإحداث لون من الاستقرار يصحبه تخفيف قبضة الدولة شبه الاحتكاريّة على الإعلام. بعض المراقبين رأوا أنّ أحمد أوّل قائد للبلاد ينتمي إلى إثنيّة الأورومو التي قادت الاحتجاجات المطلبيّة التي انطلقت في 2015 ولم تتوقّف مذّاك، وأنّه للسبب هذا أشدّ حساسيّة لمسألة التغيير وتوسيع نطاق السلطة وقاعدتها.

كائناً ما كان الأمر، توّجت هذه التحوّلات نفسها بلقاء أحمد وأفورقي قبل أسابيع، من ضمن وساطة رعتها دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، وكُرّس إنهاء الحرب باستئناف الرحلات الجوّيّة بين أديس أبابا وأسمرا، وبإجراء مباريات رياضيّة ودّيّة بين فرق البلدين، كما شاع الكلام غير المألوف عن مشاريع اقتصاديّة مشتركة وواعدة. الأمر بدأ ينعكس في كلام جديد يصدر عن قادة البلدين: أفورقي وعد بإصلاحات سياسيّة، ومدير مكتب أبيي أحمد نقل عنه قوله إنه يتعيّن على إثيوبيا تطبيق ديمقراطيّة تعدّديّة تدعمها مؤسّسات قويّة تحترم حقوق الإنسان وسيادة القانون.

الأمر لا يزال احتمالاً بالطبع، والاحتمال تتساوى حظوظ نجاحه وفشله. مع هذا، وكائنةً ما كانت الأسباب الجيوبوليتيكيّة وراء وساطة الإمارات، فالاحتمال هذا يستحقّ المتابعة والتمنّي بالنجاح، علّ السلام الجديد يفتح الطريق لتحسين شروط المقاومة للفقر والاستبداد والتطرّف.

إقرأ أيضاً