fbpx

هنا القصة الثالثة

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

إبادة .. على صهوة “هاشتاغ”

يحدثُ كثيراً أن استيقظ في منتصف الليل، أتفقدُ هاتفي، خصوصاً حين يكون هناك حدثٌ ما يتفاعل الكترونياً. أتابعُ بصمت، وقد  أشاركُ في تعليق سريع أو إعادة تغريد، ثم أصارعُ عينيّ للنوم مجدداً.
اكتسبتُ هذه العادة بعد أن مررتُ بعدةِ اشتباكاتٍ افتراضية، مع معلقين لم يعجبهم أحياناً ما أكتب، سواء أكان مقالاً، أو خاطرة تتناول شخصيةً عامةً حينا، أو موقفاً من قضايا نسوية وحقوقية، أو حتى تعليق ساخر عابر.
ككثيرين وكثيراتٍ غيري، تعرضتُ لعدة حملات تشهير وهجومٍ عبر السوشيال ميديا. في النهار كنت أبادرُ سريعاًً إما لحذفِ من يتجاوز حدود النقاش ليتخذ الشتم والبذاء سبيلاً، وأحيانا أساجل، أما ليلاً، فذاك مسار آخر.
لستُ كائناً ليلياً، لكن تبين لي أن الليل هو الوقت الأمثل لمطلقي حملات التشهير الالكتروني. فكنتُ وما أن اختفي قليلا، ثم أعود لأتفقد هاتفي أفاجأ بكمّ التعليقات والانتقادات التي سطرها أصحابها ليلاً.  انقطعت علاقتي بالنوم المتواصل، وهي علاقة غير راسخة أصلاً. اكتسبتُ هذه العادة السيئة، أي الاستيقاظ ليلاً وتفقد السوشيال ميديا.
نعم، أنا من مدمني تفقد مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة تويتر. أتابعُ الهاشتاغات الرائجة، وأقرأُ التعليقات، وأشعرُ برغبة جامحة في كتابة ردودٍ عنيفة، لكنني أضبط نفسي وأقمعها قدرَ المستطاع. أشاركُ بالتأكيد في نقد شخصياتٍ عامة ترتكبُ هفوات، أو تطلقُ مواقفَ سيئة، وأنساقُُ في نقاش ظواهرَ وأحداث معينة، فهناك الكثير مما يستحق التأمل والحوار وأحيانا المجابهة الصريحة.
لكن كثيراً ما أسألُ نفسي: عند أي حدّ ينبغي علينا التوقف؟ وما الحدود حين تصبح الحملة، أي حملة، تستهدف شخصاً ًبعينه على نحوٍ مذلٍ ومدمّر؟
هل من المفيد ذلك الجموح الذي تأخذه حملات النقد والتشهير الالكتروني، التي طاولت أناساً بحق أحياناً وبغير حق في أحيان أخرى! اختبرتُ هذا الشعور شخصياً وإن كان على نطاق لا يقارن بما يتعرض له كثر آخرون.
تشغلني هذه الظاهرة منذ سنوات، أعني  ذلك التصاعد في اندراج أفراد وجماعات كثيرة في حملات التحطيم والتشهير الشخصي تجاه أفراد بعينهم. لا أتحدثُ هنا عن النقد، وهو ضروري، خصوصاً حين تُقدمُ شخصيةٌ عامة على ارتكاب حماقة، أو إعلان موقف صادم. لكن، أعني ذلك الجموح الذي يصيب موتورين، فلا يعود هناك رادع ٌتجاه رغبة لا أدري مصدرها، في محو وتحطيم وإهانة من يقترف خطأً، وفي أحيان لا يرتكب خطأً، بل قد يكون قد قال أو فعل صواباً، لكنه لم يرُق لرأيٍ عام لا يحتمل الخروج عن إجماعاته، فتبدأُ حملاتُ الشتمّ والسب والتشهير والتلفيق..

 تحولت السوشيال ميديا من سلاح فردي الى سلاح دمار شامل، وعوض أن يستهدف سلاحٌ واحدٌ الجموع، باتت الجموع وعبر السوشيال ميديا مجندةً لتدمير وسحق شخصٍ واحد.

يظهر لي على تويتر أحياناً شخصٌ أصنفه في خانة بلطجية السوشيال ميديا. وسيلتُهُ في الصعود في هذا العالم، كانت خبراتٌ تقنية، وقدرةٌ على اجتراح هاشتاغات مسيئة وفضائحية، لاقت رواجاً فباتت هوسه، وبات ينتشي كلما أطلق هاشتاغاً لاقى استحساناً من جمهور لا يقلّ عنه شهوة للشتم والفضائحية. هذا الشخص تمكن من اغواء شخصيات معروفة في مجال الاعلام والفن، فصاروا من متابعيه ومروجي تغريداته. بات ضيفاًً في مقابلات  تلفزيونية لا يجيد فيها التحدث بجملة واحدة لها معنى. أمثالُ هذا باتوا شريحة بعينها. لا أنكرُ عليهم حقهم في النقد، لكن ماهو النقد وماهي لغته!!
كلنا نعلم الآن ما هو التشهير عبر السوشيال ميديا، وما تعنيه كلمة هاشتاغ حين ترتبط باسم وبشخصية بعينها، فإلى أي حدّ نريد الاستمرار في اذلال انسان اقترفَ تغريدةً أو رأياً ما؟؟
لا مجال لادراج أمثلة فهي كثيرة، وبسبب ضخامة ردود الفعل والتعليقات، خصوصاً من أشخاص مجهولين تكون مشاعر الشخص محور الحملة، أو الضحية، أسوأ بكثير مما لو كان ينتقد مباشرة. في حالة الهاشتاغات المسيئة، يبدو الأمر وكأنما مجتمعاً أو عالماً بأسره قد أصدر حكما وباشر بتنفيذه وشرعت الجماهير الغاضبة في تدمير حياته هو ومن حوله. والتشهير العلني ليس أمرًا جديدًا، فقد اعتاد الناس قديمًا وضع مرتكبي أفعالٍ ما على منصات التعذيب، في الميادين العامة وعقابهم أو رجمهم بالحجارة. وكان السلاطين يحكمون بالتشهير فيضعون المحكوم على حمار يدور فيه شوارع المدن لتنهال عليه الشتائم.
وحين يكون المستهدف في الحملة امرأة فتلك قصة أخرى، إذ تتضاعف قسوة حملات التشهير، خاصة إذا كانت المرأة محور الحملة لها موقع ودور ما في الحياة العامة، فيرتفع منسوبُ العنف في الهجوم، وتستعملُ غالباً أقذع الأوصاف، والعبارات الجنسية، بحيث تنخرط جماعاتٌ غير منظمة، في محاولةٍ لإخراج تلك المرأة من الحياة العامة،ومن النقاش، محطمةً مشوهةً خصوصا لجهة جنسانيتها. هذه ظاهرة لا تقتصر على العالم العربي، بل هي مشكلة عالمية تتهددُ النساء اللواتي يتخذن موقفاًً صريحاً، حتى أن بعض النساء قررن الخروج من عالم التواصل الاجتماعي. لكن هل الهرب والانسحابُ خيارٌ حقيقيٌ خصوصاً أنه لا يوقف الهجوم، عدا عن أن تلك المساحات صارت جزءاً مهماً من جوهر السياسة والنقاش العام في العصر الحديث. ولقد تمكنت فعلاً حملات استهداف النساء من وضع حواجز أمام مشاركة فاعلة للمرأة في النقاش عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ففي بلادنا التي تسود فيها مظاهر العنف القانوني والاجتماعي والديني ضد المرأة، يمكن أن يترجم قول جريئ أو موقف علني إلى حملة تهديد بسرعة مخيفة.
اليوم لا نضع الأفراد على صهوة دابة، بل ندفعهم إلى دائرة التشهير المدمر على صهوة هاشتاغ. وحين يشعر البعض منا بالرغبة في الدفاع عن “ضحية” ما، أو القول يكفي هذا، وقد نال هذا الشخص أكثر مما يجب، إلا أننا قد نعدل عن رغبتنا في الدفاع مخافة وقوعنا في مرمى نيران الشتائم.
لقد تحولت السوشيال ميديا من سلاح فردي الى سلاح دمار شامل، وعوض أن يستهدف سلاحٌ واحدٌ الجموع، باتت الجموع وعبر السوشيال ميديا مجندةً لتدمير وسحق شخصٍ واحد. ظاهرة لن تتوقف، ولن تتعقلن، بل ستواصل جموحها، ويبدو أن المعيار هو في القدرة على اشاحة النظر والمتابعة. على الأقل هذا ما أحاول فعله.

إقرأ أيضاً