هنا القصة الثالثة

خالد سليمان

مقالات الكاتب

أي منهما نشرب، الماء أو الماس؟

في القرن الثامن عشر، وفي بلد الأمطار والرطوبة: سكوتلندا، قال الأب المؤسس لاقتصاد السوق آدم سميث: “لا شيء يقابل الماء، غير أننا لا نستطيع أن نشتري به أي شيء، فيما نستطيع مبادلة الماس بكمية كبيرة من البضائع، على رغم أنه لا يتميز بقيمة استعمالية”. خلال قرنين مضيا، لم يتوقف الباحثون والكتّاب عند هذه الجملة كثيراً، وبقي الماء خارج الرأي العام، على رغم أنه مصدر تأسيس حضارات كثيرة في العالم وانهيارها. يتذكر العاملون في عالم الإعلام والسياسة، وحتى المال، وصف آدم سميث للمياه، في وقت أصبح الحديث عن بيع برميل من النفط مقابل برميل من الماء، ليس ممكناً فحسب، بل إنه خيار من خيارات الدول القادرة على شراء الماء. إنما هل يبقى النفط إلى الأبد، وماذا عن الدول التي لا تملك النفط والمياه، كيف يواجه العالم الجفاف وندرة المياه؟

هناك اليوم سجال واسع حول المياه على المستوى العالمي، ويتذكر كثرٌ من الباحثين والمهتمين بقضايا المياه والبيئة قول آدم سميت ذاك، وفيه، ما يمكن استنتاجه من القيم الأخلاقية، على رغم انه أراد من خلال هذه الجملة التي بقيت منسية أكثر من قرنين، وضع الماء في قلب القيمة الاقتصادية. إن السؤال الأساسي في غالبية السجالات التي تحصل حالياً هو: من أين نشرب؟ والجواب بسيط وقد لا نحتاج سوى إلى بضع ثوان كي نحدد ثلاثة لترات لكل فرد يومياً، ولدينا بما يكفي من الثروة المائية لذلك حتى في أفقر بلد مائياً في العالم، الأردن مثلاً. ولكن صناعة الغذاء تحتاج إلى مئات اللترات من المياه يومياً، صناعة اللحم تحتاج إلى آلاف اللترات والزراعة تكلف 70 في المئة من المياه العذبة ناهيك بالصناعة والنظافة… إلخ.

ومع ارتفاع عدد سكان العالم، من المتوقع أن يرتفع معه الإنتاج الغذائي بنسبة 60 في المئة لملء بطون عشرة مليار إنسان بحلول منتصف القرن الحالي. ويعرّض ذلك مصادر المياه العذبة على الكرة الأرضية إلى ضغط كبير، فضلاً عن غرق مناطق أخرى إنتاجية في العالم بسبب الفيضانات وارتفاع مستوى مياه البحر إثر ذوبان الجبال الجليدية وانجرافها نحو البحار. من هنا يولد الخوف على مستقبل مناطق كثيرة في العالم لن تتمكن من إنتاج الغذاء بسبب القحط المائي أو اختفائها تحت مياه البحر، أو إتلاف خصوبتها بسبب الألسنة البحرية الملحية التي تمدد يوماً بعد يوم.

وتحوَّل الخوف ذاته في بعض أماكن العالم إلى توترات سياسية بين الدول المتشاطئة حول الأنهار الدولية كما في حال حوض النيل بين مصر والسودان وأثيوبيا، وإلى صراعات واصطدامات محلية بين السكان كما في جنوب العراق منذ العام الماضي. إنما الخوف الأكبر يبقى محصوراً في التوترات الإقليمية، ذاك أن حصول الدول الواقعة في مصب الأنهار على حقوقها المائية أصبح رهينة السياسات أكثر من العوامل البيئية. وتدخل المسائل الفنية أو التقنية المتعلقة ببناء السدود وتخزين المياه فيها من قبل دول المنبع وإطلاق كميات المياه، في صلب السياسات الحالية في الكثير من الدول في الشرق الأوسط وأفريقيا.

إن المثال الأوضح في هذا السياق، هو أزمة سد النهضة الإثيوبي بين مصر وإثيوبيا. لقد أصبح السد جاهزاً لتخزين 74 مليار متر مكعب من المياه على مدى ثلاث سنوات متتالية، فيما تطالب القاهرة بتمديد فترة التخزين إلى سبع سنوات، ذاك أن مدة التخزين التي وضعتها دولة المنبع تُعرّض مصر للجفاف وتوقف الكثير من المنشآت على النيل مثل السد العالي ومحطات توليد الكهرباء على النهر ناهيك بالزراعة ومياه الشرب. أي أن الأمور التقنية التي تعرقل تقدم المفاوضات بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا هي سياسية في الأصل وبإمكان السياسة حلها. ويتكرر هذا الجانب التقني المُسَيَس في نهر دجلة حيث بَنَت تركيا سد أليسو العملاق، الذي من شأنه خفض المياه المتدفقة إلى العراق إلى نصف ما هي عليه الآن.

يمكن الاستشهاد في السياق ذاته بتجارب عالمية أخرى حالت دون خلق التوترات السياسية حول الأنهار الدولية. ففي غرب أفريقيا توصلت كل من السنغال وغينيا ومالي وموريتانيا إلى مشروع إقليمي يسمى “منظمة استثمار نهر السنغال”. وتهدف المنظمة الإقليمية إلى التنمية وتشجيع الزراعة وإنتاج الطاقة، إضافة إلى إقامة منشآت حيوية تهتم بتوفير الطاقة وتحلية مياه النهر، عدا عن حماية البيئة والتنوع الحيوي. وتلعب مفوضية نهر الميكونغ في جنوب شرقي آسيا بعضوية كل من تايلاند ولاوس وكمبوديا وفيتنام، الدور الإقليمي ذاته في ما خص التنمية والشراكة والحفاظ على البيئة بين الدول المذكرة من خلال نهر الميكونغ. وقد ألهمت التجربة الأوروبية حول نهر الراين غالبية التجارب العالمية الأخرى في تحويل المياه إلى سلام أزرق.

صفوة الكلام، إن جانباً كبيراً من الأزمات الناشئة بين الدول بسبب المياه سياسي بامتياز، ذاك أن دول المنبع إضافة إلى استثمارها الثروة المائية إلى حدها الأقصى، فإنها تستخدم “الماس الأزرق” كورقة ضغط سياسي وأمني ضد دول المصب. ولو تم التوصل إلى اتفاقيات إقليمية حول الأنهار الدولية على غرار ما أُنجز في أوروبا وجنوب شرقي آسيا وغرب القارة الأفريقية، لحالت دون ظهور الصراعات الحالية التي قد تُغذّي نفسها وتتحول إلى حروب في المستقبل. يذكر أن بلدان الاتفاقات المائية المذكورة لا تملك نفطاً، إنما حلت قيمة الماء فيها بمكانة الماس.

إقرأ أيضاً