هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

“أين ذهبت شادية”؟ : قصة أخرى عن المكان المسيحي الغائب في مصر

اتفقت مع شاديه* أن أقابلها في إحدى الجمعيات الخيرية المسيحية الواقعة في شقة قديمة بحي شبرا، شمال القاهرة. كان ذلك في يوم أحد بعد الظهر، قبل ساعات من بدء الاجتماع الأسبوعي الذي تقيمة الجمعية لـ40 امرأة، او ربما أكثر قليلاً، غالبيتهم من الارامل، واللاتي يجتمعن للصلاة والترنيم من السادسة حتى الثامنة مساء. قد قابلت شادية، التي تبلغ من العمر نحو 85 سنة، لأول مرة في ربيع 2015، أثناء البحث الميداني الخاص برسالة الماجستير. وها نحن نلتقي مرة أخرى عام 2016، لنتحدث عن تاريخها وحياتها الطويله، خاصة أن في المرة السابقة، لم يتسنَّ لي أن أتعلم من قصتها المليئة بالانتقالات والترحال.

جاءت شادية من صعيد مصر، بعد وفاة زوجها منذ 10 أعوام، تحديداً من إحدى قرى محافظة المنيا. جاءت كغيرها من سكان الجنوب الذين يتوافدون إلى العاصمة، بحثاً عن عيشة أفضل، أو هكذا يتوقعون. فمنذ عشرات السنين، أصبحت شبرا الوجهة الأولى لشادية ولغيرها، باعتبارها من أقرب الأحياء إلى محطة السكة الحديد في وسط القاهرة، والمعروفة بـ”محطة مصر”، كذلك باعتبارها تحتوي على طبقات اجتماعية واقتصادية عدة. أتذكر أن أبي قال لي كيف أن أباه فعل مثل شادية، ولكن في ثلاثينات القرن الماضي. فجدي من أبي، أتى من محافظة سوهاج بصعيد مصر وهو شاب، كان يعمل في أحد مصانع القاهرة. كان هذا قبل أن يستقر في منطقة “الجنينه*”، ويبني بيتاً هناك.

الجمعية التي التقيت بها بشادية، ليست بعيدة من شوارع الجنينة، وهي أيضاً ليست بعيدة من منزل شادية. تغير مقر الجمعية الرئيسي إلى شقة جديدة وأكبر نسبياً، في الشارع ذاته الذي يحتضن المقر القديم، والذي ما زال تابعاً للجمعية. بشكل عام، تغيرت هذة المنطقة كثيراً بعد نحو قرن من الزمان منذ هجرة جدي إليها. أصبحت أكثر ازدحاماً، وأكثر ضوضاء. اقتلعت قضبان الترام من أماكنها، وحلت مكانها السيارات وحافلات الأجرة “الميكروباصات”. كذلك التوك توك، تلك الدراجة البخارية، ذات العجلات الثلاث، والتي دائماً ما تستخدمها شادية بسبب أجرتها الزهيدة مقارنة بسيارات الأجرة الخاصة “التاكسي”، كذلك بسبب حجمها الصغير الذي يسمح بمرورها بين الشوارع الضيقة، وما أكثرها في شبرا وفي الجنينة.

أنشئت جمعية “الفردوس*” القديمة، حيثما اجتمعت بشادية، عام 1951. لا يربط مؤسس الجمعية بمن يديرونها الآن أي علاقات أسرية. تربطهم فقط المساحة، والخدمة الدينية التي تقدمها الجمعية. فالقائمون على الجمعية، وهم رجال وسيدات من الأقباط الارثوذكس بطبيعة الحال، يؤمنون بأنهم يخدمون “إخوة الرب”، وهو اللفظ الذي يؤمن الأقباط أن السيد المسيح استخدمه، عندما وصف المحتاجين إلى اللباس، والمأوى، والغذاء، خلال حياته. في هذا السياق، تقوم الجمعية بمساعدة شادية، وابنتها، وهي الوحيدة التي تبقت لها، بعد أن فقدت العديد من البنات والأبناء، وهم في سن صغيرة، بسبب أمراض مميتة لحقت بهم في صعيد مصر.

ليست “خدمة إخوة الرب” في “جمعية الفردوس” ومثلها من الأماكن فقط، بل أيضاً تزدهر في الكنائس “الرسمية” التابعة لكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس، حيث تذهب شادية أيضاً. الفرق بين تلك المساحتين، بين الجمعية والكنيسة، إداري بحت. فعلى عكس الجمعيات، التي يديرها أقباط علمانيون تحت مراقبة الدولة ووزارة التضامن الاجتماعي، ترتبط الخدمة في الكنائس بسلطة الكنيسة الكهنوتية الهرمية، من البطريرك الذي يترأس أوضاع هذه الكنائس وأحوالها، من خلال كرسيه في الكاتدرائية المرقسية في القاهرة، مروراً بالأساقفة الذين يشرفون على الخدمة في مجموعة من الكنائس في مدن ومحافظات ومناطق يتم توزيعها عليهم، وصولاً إلى الكهنة الذين يخدمون مجموعة من الاقباط في كنيسة واحدة بشارع أو بقرية ما.

تحديداً في محيط منطقة الجنينة، تنتشر جمعيات وكنائس كثيرة. ويتفاخر المسيحيون في شبرا بكثافة المساحات المسيحية، زاعمين أن للأقباط حضوراً قوياً فريداً من نوعه، مقارنة ببقية أحياء القاهرة، بل وببقية محافظات الجمهورية. يشتهر هذا الرأي أيضاً على مستوى المفكرين والمثقفين المهتمين بقضايا الأقباط في مصر، والذين دائماً ما يأخذون من شبرا مثالاً لحضور الأقلية المسيحية في مصر، وقدرتها على نيل قدر من حقوقها. شادية تهتم أيضاً بأمر المساواة هذا، والمرتبط ببناء أماكن للصلاة. فقد قالت لي إنها سعيدة بالكنيسة، التي تم بناؤها أخيراً بالقرب من قريتها بالمنيا، وإنها سوف تذهب إليها، عندما تزور أقاربها. بخلاف ذلك، أخبرتني شادية أيضاً عن حزنها من الاضطهاد الذي يتعرض له المسيحيون في المنيا، والذي يتسبب في الهجوم على كنائسهم وحرق جمعياتهم في أحيان كثيرة.

ربما كانت تلك الأحداث من أهم الأسباب التي أتت بشادية إلى القاهرة، وتحديداً إلى شبرا حيث تنضبط مظاهر الاضطهاد إلى حد ما مقارنة بالأرياف. ولكنني، وإضافة إلى ذلك، تعلمتُ من شادية قصة أخرى عن وجود معنى مختلف للمساحات المسيحية في مصر. ذلك المعنى غائب عن التقارير الصحافية والحقوقية، والتي غالباً ما تطالب وتهتم بوجود قانون لبناء دور عبادة موحد، يؤمن مساواة بين المسيحيين والمسلمين. هو معنى لا يهتم فقط بحجارة وبصلبان ومنارات وقبب وايقونات وصلوات مجردة، ولكنه في الأساس يحاول عكس العلاقة التي تنشئها حاجات الفرد المسيحي ومتطلباته في تلك المساحة وما تحتويها.

تذهب شادية إلى حضور القداس الإلهي كل يوم أحد صباحاً في كنيسة السيدة العذراء في شارع السلام*، فتنطلق منذ السادسة صباحاً، قبل فتح الباب للمؤمنين بنصف ساعة تقريباً. “أنا بحب الكنيسة دي اوي”، تقول شادية، “بحس أن ربنا دايماً موجود دايماً هناك… غير كنيسة الملاك الموجودة في شارع الوالي*… مش بحبها، بحس أن مفيهاش روح الصلاة، ده غير أن هما بيعاملونا وِحِش لما بيدونا فلوس أو أي مساعدة.” تربط شادية بكلامها بين كنيستين أرثوذكسيتين لا تفصلهما سوى أمتار معدودة. تقارن شادية مساحتان تابعتان للكيان ذاته، ولهما الشكل المعماري ذاته، والوظيفة السياسية والاجتماعية ذاتها. ولكن بالنسبة إلى شاديه، هناك واحدة أفضل من الأخرى.

كانت شادية في السابق تتبع خدمة إخوة في كنيسة السيدة العذراء فقط، وهي الكنيسة التي تحبها، وتعترف وتصلي بين أفيائها. كانت هذة الكنيسة بالنسبة إليها مقراً للإشباع الروحي والجسدي معاً. ولكن في الفترة الأخيرة، وجدت اسمها مدرجاً في سجلات “خدمة إخوة الرب” الخاصة بكنيسة الملاك، إذ وضعت بطريركية الأقباط الارثوذكس خطة مركزية في صيف 2014، بعد أقل من عامين من تولي البابا تواضروس الثاني مهمات الكرسي البابوي. فمن خلال نظام جغرافي شديد الدقة، أصبح كل فرد يتبع الكنيسة الأقرب إلى منزله، بحسب التقسيم الذي وضعتة الكنيسة الأم. التزمت شادية بهذا التوزيع الإجباري، كي تتمكن من الحصول على المساعدة المادية، لتساهم في مصاريف المنزل الذي تعيش فيه مع ابنتها، وزوج ابنتها الذي يعمل حارس عقار بمقابل زهيد، وحفيدها الذي التحق بالجيش منذ فترة وجيزة، وبالتالي لا يستطيع أن يعمل حتى ينتهي من مدة تجنيده الإجبارية.

من حسن حظ شادية، أن معظم الجمعيات الخيرية واجتماعاتها الروحية والمساعدات المادية التي تقدمها، ليست جزءاً من هذه الخطة. تقول الدكتورة مها عبد الرحمن في كتابها عن المجتمع المدني في مصر، إن البابا شنودة الثالث، والذي جلس على كرسي القديس مار مرقس الرسول لمدة تزيد عن 40 عاماً من نوفمبر/ تشرين الثاني 1971 حتى مارس/ آذار 2012، حاول أن يضم أنشطة تلك الجمعيات إلى سلطة الكاتدرائية الأرثوذكسية. ولكن هذة المحاولات فشلت بشكل كبير، بسبب عدم رغبة العلمانيين الأقباط القائمين على الجمعيات، وتمنّع الدولة من ناحية ثانية، وبسبب صعوبة حصر العدد الهائل للجمعيات صغيرة الحجم ومحدودة الأنشطة، مثل “جمعية الفردوس”، من ناحية ثالثة.

أعطى هذا الفشل شادية مفتاحاً مهماً للتنقل بين جمعيات شبرا ومنطقة الجنينة. تخطو شادية خطواتها اليومية بين تلك المساحات لتصنع مساحتها الخاصة، وهي غير مهتمة بمتابعة سياسات الدولة المصرية والقيادة الكنسية وجهودهما لمساعدة إخوة الرب. في المقام الأول، تهتم شادية بضرورة وجود مكان، أو بالأحرى أماكن، تؤمن لها حياة هادئة ومطمئنة. تتوجه شادية إلى “جمعية الفردوس” مساء كل يوم أحد لحضور اجتماع روحي، تستمع فيه إلى خطب دينية. كما هو الحال مع كنيسة السيدة العذراء، تحب شادية هذه الجمعية وتربطها علاقة قوية بالقائمين عليها، حتى أن ابنتها اصبحت تعمل في الجمعية بأجر صغير، ولكنه يعينهما بشكل أو بآخر على ارتفاع اسعار الخضروات والفاكهة واللحوم، الذي يشتكي منه كثر من المصريين في الآونة الأخيرة.

“كل يوم يعدي بخير هو عيد”، هكذا قالت لي شادية عندما سألتها إذا كان لها استعدادات خاصة لعيد القيامة المجيد، الذي كان يبعدنا عنه أقل من ثلاثة أسابيع حين التقيتها. بعد نحو عامين من لقائنا الأول الطويل في 2016، وقبل عيد القيامة أيضاً، عدت إلى “جمعية الفردوس” لأبحث عن شادية، بخاصة بعدما علمت أنها مريضة منذ فترة طويلة. طمأنتني إحدى المتطوعات بالجمعية أن شادية بخير، ولكنني وللأسف، علمت أن الأخيرة قد غادرت الجمعية بسبب مشكلات حدثت بين ابنتها وبين أحد مسؤولي الجمعية. كما علمت أن شادية قد انتقلت إلى منزل آخر في منطقة الجنينة بسبب ظروف عمل زوج ابنتها.

لم اهتم بمعرفة طبيعة هذة المشكلات، بقدر اهتمامي بمعرفة أين ذهبت شادية؟!

استقليت “توك توك” من أمام الجمعية يقوده صبي لا يتعدى الـ14 ربيعاً. طلبت منه أن يمر بين تلك الشوارع الضيقة، التي أخبرتني شادية أنها تتنقل بينها، بين منزلها القديم، وكنيسة السيدة العذراء، وكنيسة الملاك، و”جمعية الفردوس”.

لم أجد شادية في هذة الطرقات، ولكنني وجدت علامات تشير إلى وجود كنائس وجمعيات في شبرا، مختلفة عن التي ذكرتها شادية. ربما اختلفت خطوات شادية بسبب تغيير ظروف معيشتها، ربما رحلت إلى هذه كنيسة أو إلى تلك الجمعية، أو ربما ما زالت تذهب إلى بعض هذه الأماكن. لعل هذا ما يجعل أي مساحة قابلة لتكون “مسيحية”، أعني غموض تحركات شادية اليومية، والتي تتبدل بشكل سلس تتعايش فيه، وتفوق خططها خطط المؤسسات السياسية والدينية، والتي تصمم أن تضع كل اجتماعات المسيحيين في قالب واحد. فالمعنى الذي تعطيه قصة شادية للمكان المسيحي في مصر، هو تذكير بمن هو غائب عن، ومستتر في ذلك القالب دون أن يعبر بشكل حقيقي عنه.

(اسم شادية والجمعية، كذلك اسماء الشوارع، كلها مستعارة لحماية أصحابها. أما أسماء الكنائس، فيوجد في حي شبرا أكثر من كنيسة تسمى “الملاك” و”السيدة العذراء”)

*مينا ابراهيم





إقرأ أيضاً