هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

أوروبا تشن حرباً لتقنين الأخبار الكاذبة

تعتزم رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، إطلاق وحدة مكونة من خبراء تكنولوجيا محترفين، لمحاربة الأخبار الكاذبة والقضاء عليها، بينما أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ببساطة أن الأخبار الكاذبة ستكون من الآن فصاعداً غير قانونية، ولكن ذلك خلال الانتخابات فقط. ولعل الزعيم الأوروبي صاحب الدور الأكثر ردعاً هو البابا فرانسيس، الذي أشار إلى احتمالية إصابة أولئك الذين يزيفون الحقائق باللعنة الأبدية…
في رسالة سنوية بمناسبة عيد القديس فرانسيس دو سال، شفيع الصحافيين، ألقى البابا فرانسيس باللوم على الصحافيين أنفسهم، الذين يتغذون على الأكاذيب على حد قوله “وسط حمى واندفاع متهور نحو الحصول على سبق صحفي”. وقال البابا فرانسيس، معبراً عن الغضب الصادر عن قصر الإليزيه وداونينغ ستريت تجاه البيت الأبيض، إن هذه مسألة تتعلق بالخير مقابل “القوة الخادعة للشر التي تنتقل من كذبة إلى أخرى”. وإذا لم تكن كلمات الفاتيكان كافية لإسكات كتاب الأخبار الكاذبة والمحرضين والموزعين لها، فسيكون عليهم التعامل مع حكومتي فرنسا وبريطانيا. لكن من غير الواضح بالضبط كيف تخطط تيريزا ماي وإيمانويل ماكرون لوقف هذه الموجة من التضليل.
على مدار الأسبوع الماضي، أعلم مساعدي الحكومة في لندن، الصحف بأن وحدة الاتصالات الأمنية الوطنية داخل مكتب مجلس الوزراء ستُكلف بالتصدي للأخبار المزيفة التي تنتشر على الإنترنت من قبل الجهات الحكومية والمواطنين العاديين. وألمحوا إلى أن الأجهزة الأمنية ستشارك ولكنهم رفضوا الإدلاء بأي معلومات إضافية عن الكيفية التي سيتعاملون بها مع واحدة من القضايا الأكثر إلحاحاً في عصرنا. ويرفض المسؤولون في مكتب مجلس الوزراء ووزارة الدفاع، والذين يُعتقد أيضاً أنهم مشاركون في البرنامج، الإفصاح عن أي تفاصيل أخرى. 
كتب السياسي في الحزب الوطني الأسكتلندي، ستيوارت ماكدونالد، على “تويتر”، “يا لها من مهزلة… كنا نتوقعها هذا الصباح. ثم تقول الحكومة إنها لن تجرِ، ثم تشير تقارير BBC إلى أنها ستذاع الليلة، أما المتحدث فلا يعرف. رئيس مجلس النواب يقول إن هذا لن يحدث. الحكومة غير متأكدة. رئيس لجنة الدفاع غير متأكد. كما لو كان الأمر غير متعلق بشيء مهم مثل الأمن”.
حالياً من المتوقع أن يتحدث وليامسون هذا الاثنين، لكن التفاصيل الدقيقة المتعلقة بتشكيل وحدة الاتصالات الأمنية الوطنية أو مهامها قد لا تُكشف حتى فصل الربيع، وفقاً لما ذكره مسؤول حكومي. 
وقد دار نقاش محتدم داخل “لجنة مراجعة الحقائق”، حول فائدة النماذج الآلية أو نماذج الإبلاغ الجماهيري في منع الأخبار الكاذبة من الانتشار. هل ستتسبب هذه الأنظمة في المزيد من المشكلات، هل التدخل البشري هو الطريقة الوحيدة الموثوق بها لتحديد الأخبار المزيفة، وفي الواقع هل البشر جديرون بالثقة من حيث مراجعة الحقائق؟
عندما أعلن المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني عن وجود “وحدة التكنولوجيا” هذا الأسبوع، قال إنها سوف “تردع خصومنا بشكل أكثر منهجية”، فهل كان يلمح إلى استخدام الأنظمة الآلية؟ وقال الرئيس التنفيذي لشركة فاكتماتا، دروف غولاتي، وهي خدمة مراجعة آلية للحقائق مُنحت 50 ألف دولار أميركي، كرأس المال أولي من شركة “غوغل”، لموقع “ديلي بيست”، إن شركته قدمت المشورة بشأن تحقيق برلماني حول سبل تطبيق نظام مضاد للأخبار المزيفة.
بعد إحاطة إعلامية غير مسجلة قدمتها الحكومة إلى الصحافيين السياسيين، خرجت عناوين الصحف الوطنية البريطانية معلنة عن وحدة مكافحة الأخبار الكاذبة، إلا أن المطلعين ظلوا متشككين فيما سيعنيه ذلك عملياً.
وقال مدير Full Fact، ويل موي، وهي منظمة مستقلة لمراجعة الحقائق في بريطانيا، إنه من الضروري أن تتوقف الحكومة عن إحاطة محاولاتها للتصدي للأخبار المزيفة بهذا القدر من السرية. وقال في بيان عبر البريد الالكتروني، “لم يتضح بعد ما ستفعله هذه الوحدة الجديدة أو مدى نطاق عملها”. وأضاف “تشير التقارير الإخبارية إلى وحدة جديدة للتصدي للمعلومات الكاذبة التي تنشرها جهات ترعاها الدولة وغيرها”.
من الواضح أن للحكومة دوراً في التصدي للتضليل الذي تنشره الدول الأخرى عمداً. ويحتاج ذلك العمل إلى مساءلة ديمقراطية قوية، وإلى المزيد من الوضوح فيما يتعلق بنطاق تكليفات الوحدة الجديدة والسلطات المخولة لها من أجل القيام بدورها.رويضيف ويل، “كما تحدثت دائرة الاتصالات الحكومية عن المطالبة بنقاش عام قائم على الوقائع. ويجب أن يبدأ ذلك بأن تقدم الاتصالات الحكومية مثالاً للآخرين من خلال الحفاظ على أعلى مستوى من المصداقية، وهو أمر لم تحافظ عليه فيما مضى”.
قال مسؤول في مكتب مجلس الوزراء لصحيفة “ديلي بيست”، إن هناك بالفعل وحدة مضادة للأخبار الكاذبة تعمل في القسم، لكن المصدر رفض التصريح بما يفعلونه، أو حجم الفريق أو تاريخ إنشائه. وفى فرنسا تعهد ماكرون بتقديم قانون جديد لحظر الأخبار الكاذبة، وهناك سبب شخصي لصرامته، إذ تعرضت حملته الرئاسية للكثير من التلميحات والتشويه على شبكة الإنترنت والأخبار الكاذبة الموجهة. وسيسعى إلى تشديد قواعد الشفافية في موقعي “فيسبوك” و”يوتيوب”، وسيجعلهما يحددان بوضوح من يرعى المنشورات التي تُنشر عليهما، مقنناً من الإنفاق على تلك المنصات، وهي خطوة لن تفعل الكثير لإبطاء تبادل الأخبار الكاذبة.
وبموجب قانون جديد مقترح، لم تتم صياغته بعد، فإنه سيسمح أيضاً للقضاة بأن يأمروا بحذف الأخبار الكاذبة، ولكن يصعب معرفة كيف سيُطبق ذلك. أثناء الحملة الانتخابية، عيّن ماكرون فريقاً من المحامين الشخصيين ليحاولوا إيقاف جميع الشائعات والادعاءات المضادة له على الإنترنت. ولكنها كانت لعبة لا تنتهي من “الضرب بالمطرقة” وانتهت بوصول تلك الادعاءات إلى قطاع عريض من الجمهور. وكما يشير البابا فرانسيس في حديثه ضد الأخبار المزيفة، فإن المشكلة قديمة قدم “جنة عدن”. ويقول “هذه هي الاستراتيجية التي استخدمها الثعبان الماكر، في سفر التكوين، والذي نشر في فجر البشرية أول خبر كاذب، والذي كان السبب في بدء التاريخ المأساوي للخطيئة البشرية”.
ومع ترسخ القضية بعمق، والآن مع تسارعها بازدياد وبسرعة غير مسبوقة جراء سرعة ومجال الاتصالات الحديثة، قد يكون فرانسيس على حق في أننا بحاجة إلى مساعدة من السماء. 
 
*نيكو هاينز 
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع The Daily Beast لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.
 
 

إقرأ أيضاً