هنا القصة الثالثة

صهيب أيوب

مقالات الكاتب

أن تكون مثلياً في زمن التوحش

شاهدت فيديو، ضرب شاب في ميناء طرابلس من دون صدمة. لأني اعرف مثالاً له أو أكثر. حين انتحر أحدهم فقط لأنه مثلي، أو حين تم ابتزاز آخر لأنه متهم، وفق المجتمع وبلطجيته، بميوله الطبيعية. ميوله التي لا يمكن أن يبدلها، ويعيش بها في مجتمع التوحش هذا ناقصة ومبتورة. وبحزن كبير يعيشها بخوف دائم ويخفيها كخرم صغير، بين أغراضه الشخصية مثل سرّ أبدي لا يمكن الافصاح عنه.
الخوف هذا الذي تقنعنا وسائل الإعلام الغربية، بتقارير “حالمة” بأنه غير مبرر في لبنان. بلد أكبر صحن فتوش وحمص بالطحينة والنوادي الليلية الصاخبة، والملاهي المفتوحة لليل. ليل المدن السقيمة التي تخفي أحزان افرادها ومعاناتهم وكتمان فردانياتهم، كي تتقبلهم المزارع على أشكالها، طائفية أو مذهبية أو مناطقية. تتناسى هذه الوسائل المستشرقة، كل خيبات البلد. وتقول بما يشبه الجزم، بأنه منفتح على حقوق المثليين. يقدمون “شارعاً ونصف” في بيروت المحكومة بسلاح حزب الله وزعران الميليشيات المتنقلة، على أنه مثال صارخ لحريات المثليين والمغايرين جنسياً في بلد “سويسرا الشرق” (الخيبة التي يكررها المتفرنسين واليمينيين).
إنه شارع ونصف فحسب.
والبلد بأسره عالق في براثن أحكام سلطة دينية ومجتمعية وقانونية تجرم المثلية وتحاكم المتحولين جنسياً، وتبرر ضربهم وتعنيفهم على أنه تأديب واصلاح.
هذا البلد نفسه الذي تجد داخل كل بيت فيه وفي كل حي وفي كل شارع، من يتنفس “رهاباً” من المثليين. خوفاً يكرس منظومة عنف، بدءاً من “بلطجية الحي” ووصولاً الى “بلطجية” الشرطة، وما بينهما من “مكاتب” تحقيق واستخبارات وصحافة لاهثة حول الطهرانية وقيم القرون الوسطى، ودوائر دينية (على انواعها)، تستعيد من السعار ضد المختلفين والفردانية والحريات الشخصية. وتدعي نفس هذه المؤسسات الاعلامية الغربية، حتى يكاد كل من التقي به في فرنسا، يحسدني أني من بلد الأرز و”قردته”، أن المثليين يعيشون حياة طبيعية وفق فيديوهات لا تتعدى الأربعين ثانية، يرون فيها شباناً يتمايلون مع بعضهم حول موسيقى “تيكنو” أو “اندي روك”، أو شابين يتعانقان بحرية في أحد النوادي الخاصة. كل هذا لا يخفي عيوبنا بأننا شعب الأوهام الباسقة، المتخفين خلف “عنتريات” شعاراتية، نكررها بشكل أجوف، مثل أهلنا (وزمن ناصريتهم المتآكل)، ونقدم بها أنفسنا الى الآخرين: “ويلكم تو ليبانون. نافذة الشرق الاوسط”.
حتى انتشار أغاني فرقة مشروع ليلى، لدى الاجانب والعرب، على انها صورة منقحة لبيروت المستجدة (أي بعد غزوة 7 أيار عام ٢٠٠٨)، كونها مختبر حي للحياة المثلية المنفتحة، لا يسعفنا على الاختباء خلف الوهم، ليظن البعض أن المثليين في لبنان يعيشون نعيماً، يشابه حياة المثليين في دولة الاحتلال (اسرائيل). وهذه هي المقارنة المرسخة في الغرب، حول تبادل أدوار المثلية في الشرق بين عاصمتين محتلتين، واحدة من دول غاشمة وأخرى من “جوقة” الطائفيين الحاكمة، وليتصور أحدهم، أن المثليين في لبنان يمارسون القبل علانية ويمسكون أيدي بعضهم كما لو أنهم يمشون في شارع “الماريه” الباريسي.
الكذبة التي نلفقها عن بلدنا لا تمنع أننا نعيش في بيئة التوحش والقمع واعتبارها على انها يوميات عادية، والتي يبرر القانون قسماً منها، لا بل يوغل في طغيانه على اعتبار انتهاكات حقوق المثليين/ات والمتحولين جنسياً، أمر طبيعي ويمر مرور الكرام. واحدى حوادث القتل منذ سنوات في منطقة عكار، لأحد المثليين، سجلت على أنها “قضية شرف”، وأغلق التحقيق، والجاني حر.
كل جناة هذا البلد أحرار. يصولون كل يوم ويجولون، وليس آخرهم، عمر الحجة. كما يظهر الفيديو. حيث يسمي نفسه، كبطل، ينتصر على ضحيته. وينكل بها ويسحلها ويستقوي عليها بقبضتيه.
شاهدت الفيديو واحسست بالاهانة نفسها لي. انا الذي اعيش في بلد يحترم مثليتي ويدفعني الى التصالح معها يوماً بعد يوم. هذا الألم المكوم كجسم الشاب على الارض، مهما استرد حقه او استطاع ان يرى وحشه مسجوناً خلف القضبان، لن يرد له شيئاً من اهانة قاسية. تشوه لن ينتهي. من يعوض لهذا الشاب الجميل، صاحب العينين الملونتين، والشعر المصفوف بعناية، كرامته وشعوره المحق بأن يكون فرداً حراً؟. سيكون رهينة الألم طوال عمره. ليس سهلاً، أن ينكل بك فقط اذا كنت مثلياً (وربما هذا الشاب ليس مثلياً في الاصل)، وهو ما يرجح محاولة اثباته “المعتدي – الوحش”، وهو يقول له عبارة مهينة تتكرر بين شباب طرابلس (متعلمين وجهلة على حد سواء)، “قول انك ارنب” (وهي لفظة مهينة تستخدم ضد المثليين)، لا بل تتجمع حولها ذبابات “النكتة السمجة” على بعض القنوات اللبنانية.
جعلوه بفعل الاهانة والاذلال والتحطيم، يردد عبارتهم. اساءاتهم لأنفسهم قبل ان تكون له. للبنان ككل. للرجولة التي يحكون عنها. والفحولات التي يبددونها اصلاً على العنف والبلطجة وقتل الآخر وتحطيمه. في هذا الفيديو رأيت نفسي وآخرين أعرفهم، ولا اتمنى سوى لكل المثليين النجاة من لعنة هذا الشرق.

إقرأ أيضاً