fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Guardian

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

أنتوني هوبكنز:”الهاوية تتبعني أينما أذهب”

لأي شخص ينظر إلى آخر سني عمره بذعر، فإن السير أنتوني هوبكنز هو المثال المناسب. يشعر بالسعادة أكثر من أي وقت مضى وهو في عمر التاسعة والسبعين. وهذا ناتج عن مجموعة من الأشياء: علاقته بزوجته ستيلا التي تمتد لخمسة عشر عاماً، والتي شجعته على أن يحافظ على لياقته، وأن يثابر على الرسم والتأليف الموسيقي الكلاسيكي، إضافة إلى التحكم بغضبه وعمله.

يحب هوبكنز العمل. يستمد الكثير من ثقته بذاته وحيويته من التمثيل- “نعم، العمل جعلني أستمر. العمل أعطاني الطاقة “- وهو لا يفكر أبداً بالتوقف. يمكنك أن تستشعر طاقته ونشاطه سريعاً. كنت أعتقد بين الحين والآخر، أنه سيوقف المقابلة ويهرب، ولكنه في الواقع كان يستمتع ويستمر بالقول “اسألني أكثر! هذه مقابلة عظيمة!”.

تقابلنا في روما، عندما كان يمثل في فيلم لشبكة أفلام “نيتفليكس” يتناول العلاقة بين البابا السابق (بنديكت) والبابا الحالي (فرانسيس). يلعب هوبكنز دور بندكت، وجوناثان برايس يلعب دور فرانسيس. كان يستمتع بذلك “سنصور غداً في كنيسة سيستين!”، قال هذا ونحن نستمتع بمنظر المدينة المبهج من الطبقة العليا في الفندق الذي كان يقيم فيه. ومع ذلك يعلن أن الفيلم الذي جئنا للتحدث عنه، فيلم King Lear  من إنتاج شبكة BBC، والذي تم تصويره في إنجلترا وأخرجه ريتشارد إير، هو العمل الذي جعله سعيداً حقاً. “شعرت بأنني أستطيع تمثيل هذا الدور. أستطيع أن أقوم بهذا النوع من العمل. لم أتهرب. لقد كان عملاً منشطاً جداً لأنني كنت أعلم أنني أستطيع إنجازه، ولقد حافظت على روح دعابتي وتواضعي ولم يخرب هذا أي شيء “.

لقد لعب هذا الدور مسبقاً في المسرح القومي عام 1986، بإخراج دافيد غير. يقول “لقد كان عمري 48. “يا للسخافة. لم أعِ أنني كنت صغيراً جداً. لم يكن لدي أي فكرة عن كيفية القيام بالدور. لقد كنت أتعثر”.

الآن، يشعر بأنه فهم لير بشكل صحيح، وقليلون قد يعترضون على هذا. يخطف هوبكنز الأضواء على رغم مشاركة نجوم لامعين في فريق العمل. إنه رائع: شعره الأبيض المقصوص، سلوكه الذي يشبه ثوراً مهتاجاً أو طاغية بدأ خسارة قواه أو شارب خمر دخل في ثورة غضب هائجة.

رأى هوبكنز أن زوجة لير ماتت وهي تلد كورديليا، ابنته المفضلة، التي ربّاها لتكون فتاة مسترجلة. قالت إيميلي واتسون، إحدى بناته الكبار: “أنا أتفق معها على أنهم أصبحوا وحوشاً لأنه جعلهم وحوشاً”. يؤمن هوبكينز بأن لير يخاف النساء، ولا يستطيع فهمهن. من هنا تأتي الخصوصية المؤلمة للشتائم التي يمطر بها ابنتيه الكبريين لاعناً ذريتهما. يسعى للجوء إلى الرجال، يحيط نفسه بجيش ذكوري قويّ. المشاهد التي أراد فيها لير أن يحضر حاشيته إلى بيت ريغان، تذكر بحفلة صاخبة لرجال يُسرفون في الشرب.

قال هوبكنز: “أنا من جيل كان فيه الرجال رجالاً”. ويضيف: “لم يكن هناك شيء ليّن أو حساس حول أي منا، في موطني في ويلز. كان هناك جانب سلبي لهذا الأمر، لأننا لم نكن نجيد استقبال الحب أو إعطاءه. لم نكن نفهمه. بعد وفاة ريتشارد بورتون، دعاني أخوه غراهام إلى فندق دورشيستر حيث كانوا يجتمعون، النساء والرجال، الإخوة والأخوات. جميعهم سكارى. لاحظت أن النساء كن يحتسين الشراب، بينما جميع الرجال كانوا في حالة من الهياج يقولون “هيا! اشرب! اشرب!”، قلت لنفسي، إن هذا الحفل ذو طابع يوناني، الرجال مجتمعون، مثل راقصي البوزوكي. ليس الوضع مثلية جنسية، ولكنه نوع من الترابط بين أبناء الجنس الواحد. هذا ما فكّرت به”.

كثيراً ما يستخدم هوبكنز ماضيه ليجد طريقاً إلى شخصياته. أحداث صغيرة علقت في عقله، أشخاص حقيقيون. في مشهد كينت وإدغار والأحمق، أثناء وصول الملك لير إلى حافة الجنون، جعل الثلاثة يصطفون على الأريكة وأخذ يناديهم بأسماء خاطئة. صمم هوبكنز على أن لير شاهد أباه وهو يُغرق ثلاثة جِراء عندما كان صغيراً، وأن الجراء كانوا أصدقاءه. يقول: “القسوة مع الحيوانات تستمر معك حتى آخر عمرك. شهدت مرة شيئاً كهذا، لا استطيع التفكير فيه كثيراً، فهو مزعج جداً. لكن نواة الحدث هذه لا تذهب. إنها تكبر معك”. عندما يتقمص هوبكنز أدوار أناس مخيفين – مثل هانيبال ليكتر، لكن دور لير الذي لعبه كان صاخباً. “إنه مجنون تماماً- يضحك في وجه العاصفة. هذا ما أحبه في هذا الدور”.

يستخدم هوبكنز في الفيلم حدوة حصان تاجاً له. طلب من صديق له يدعى درو دالتون، وهو عامل الإكسسوار في مسلسل Westworld، وهو أيضاً مزارع في إيداهو، ليحضر له حدوة الحصان، وأخبر دالتون أنه من حصان كبير في السن ولد عام 1925. عندما يتحدث هوبكنز عن الحصان تلمع عيناه بالدموع. “أحمل حدوة الحصان إلى أي مكان أذهب إليه الآن. ما زلت عاطفياً تجاهه: قوة هذا الحصان ووحدته وألمه. هذا هو لير”.

تدمع عيناه بسهولة، خصوصاً عندما يتحدث عن العمل الشاق، والتقدّم في السن، ورجولته. كان أبوه خبّازاً، وكان شخصاً صعباً وعملياً، وهو أيضاً ابن خبازٍ. لكن هوبكنز يقول إنه بينما كان يكبر، كانت الأشياء الصغيرة تزعجه، “مثلاً عندما كان يخطئ في القيادة، ويذهب فوق الرصيف بدلاً من القيادة بشكل صحيح، كان يتوقف ويبكي. قبيل نهاية حياته، اعتاد على الشرب، ولم يكن ذلك متوقعاً. لم يكن عنيفاً قط، ولكنها تقلبات مفاجئة بين الهياج، ثمّ الاكتئاب العميق. وهذا أثر في والدتي وأثر فيّ. كنت كبيراً بما يكفي حتى لا تضايقني هذه الأمور. لم نتحدث كثيراً قبل موته. استاء مني بسبب شيء ما. لقد فهمت ذلك وفكرت “كيف أن الحياة مريعة ووحيدة ومخيفة للأشخاص في آخر حياتهم”.

من السهل رؤية كيف تآلف مع هذه الخصائص الشخصية للير. لدى هوبكنز بنت أيضاً، أبيجال، من زواجه الأول، لكن ليست هناك علاقة بينهما، لذا لم يكن هناك أي إلهام وراء وجودها. “لا. لقد وافقت على ذلك منذ سنين. إنه اختيارها وعليها أن تعيش حياتها. أقول للشباب  إذا كان آباؤكم يسببون لكم مشكلات، انتقلوا بعيداً منهم، عليكم أن تتركوا المشكلات. ليس عليك أن تقتل والديك، ولكن فقط اتركهما، إن كانا يعرقلان تقدمك”.

عندما انخرط هوبكينز في المسرح، في أواخر خمسينات القرن العشرين، انخرط باعتباره مدير مسرح، يتجول في المدن الشمالية ويقابل الكوميديين الفوضويين “القدامى المدمرين والمدمنين على الكحول، لكنهم الرائعون” الذين عملوا خلال الحرب، ويتحدث إلى عمال المسرح الذين يعرفون تقنية إسدال الستار سريعاً للكوميديا وببطء جداً للتراجيديا. ثم انضم إلى المسرح القومي في وقت لورانس أوليفر.  كان قليل الصبر لتحقيق النجاح. “يا إلهي! لقد حظيت بأجزاء لا حديث فيها، يعلم الله ورسله، وقد كنت مستاءً جداً لأنني أردت أدواراً أكبر. لذا ذهبت إلى مدير فريق العمل وقلت له “مع من علي أن انام لكي أحظى بدور هنا؟” وقد بقيت هناك لثلاثة أسابيع فقط”.

كان دائماً ينعت نفسه بالوحيد – قال لي أنا “وحيد، منزو، منعزل” – وفي المقابلات السابقة أصبح شعوره بالغربة من أبرز صفاته. لكن هو وماكلن مرتبطان، يسليان بعضهما بعضاً بالقصص القديمة بدلاً من التدريب على التمثيل. وبعد أن شعر لسنوات بأنه غير مرغوب فيه من قبل المؤسسة، رحبت به المؤسسة وأدرك هو كذلك أنه يريد تأدية لير بشكل حقيقي.

لكن ليس على خشبة المسرح، فعلى رغم حنينه إليها، كان هوبكنز يكرهها. عام 1973، ترك العمل في مسرحية “ماكبث” التي كانت تعرض على المسرح الوطني وانتقل إلى لوس أنجلوس. كانت آخر مسرحية مثل فيها، M Butterfly ، في the West End ، عام 1989. لقد كان الأمر مأسوياً، كما يقول، لم يضحك أحد وكانت هذه نقطة تحول، “لا وجود حتى لضحكة مكتومة”. عندما أضيء المسرح، أدرك فريق العمل أن الجمهور بأكمله كان يابانياً. يتذكر قائلاً “يا الله. الأمر يدفعك للذهاب إلى غرفة خلع الملابس وعندما يطرق أحد الباب ويسألك هل تريد” قهوة؟ شاي؟” تقول “بل نصلاً حاداً من فضلك”.

لا يمكنه أن يجلس من دون أن ينتج شيئاً، العمل من دون هدف يدفعه إلى الجنون. أخبر ديفيد هير هوبكنز ذات مرة أنه لم يلتق قط بشخص يغضب مثله “كان هذا بعد أن توقفت عن الشرب!”. لقد توقف عن الشرب سنة 1975. لفترة من الوقت، حاول أن يصبح شخصاً هادئاً (“كنت دائماً حذراً”)، ولكن والدته أخبرته أن الأمر لا يسير على نحو جيد. “قالت: لماذا لا تكون كما أنت؟ أنا أعرفك جيداً أنت وحش. قلت ، نعم. فأجابت، حسناً، كن وحشاً إذاً.”

يوضح: “لكن بدأت ترويض الغضب، أنا سعيد للغاية لأنني مدمن على الكحول – إنها هبة عظيمة لأن الهاوية تتبعني أينما أذهب. الأمر يشبه أن يكون لديك غضب مثل البركان، وهو وقود. وقود صواريخ. لكن بالطبع يمكن أن يمزقك إلى قطع ويقتلك. لذا تعلمت تدريجياً وعلى مر السنين، ألّا أحاول إرضاء جميع الناس. لم يعد لدي مزاج لذلك لم أعد أتسم بالصبر، لكنني أحاول ألا أصدر أحكاماً. أحاول أن أعيش ولا أتدخل في شؤون الناس. لا أجادل، لا أعرض آراء، وأعتقد أني إذا قمت بذلك، فإن الغضب سيتحوّل إلى قوة دافعة”.

الآن ، إذا لم يمثل، فإنه يرسم، أو يعزف البيانو.

يضيف: “اسألني المزيد من الأسئلة!” لا يريد أن يضيع الوقت في الجلوس بينما يتجهز المصور. تحدثنا عن الحيوانات. يقوم هو وستيلا بجمع القطط والكلاب الضالة. تحدثنا عن السياسة. لا يهتم بترامب. لم يصوّت أبداً. يأخذ فكرة عامة عن السياسة لأن التركيز على التفاصيل يجعله غير سعيد. “أنا لا أصوت لأنني لا أثق بأحد. لم نكن على حق في أي مرة، نحن البشر جميعاّ في حالة فوضى، ونحن في مرحلة مبكرة من التطور. انظر إلى الوراء عبر التاريخ: في القرن العشرين، قتل 100 مليون شخص، قبل 80 سنة. حرب 1914-18 ، الحرب الأهلية في أمريكا، القتل، إراقة الدماء … لا أعرف إذا كان من وراء هذا قصد، من الاستثنائي النظر للأمر والخروج بانطباع. أعتقد أنه “حسنا إذا كانت هذه النهاية، لا يمكننا فعل أي شيء حيال ذلك، سننتهي مهما حدث.”

يتذكر حديثاً خاضه مع والده عبر الهاتف أثناء أزمة الصواريخ الكوبية (“وكنت ماركسياً متعصباً حينئذ”) ذكر والده أن القنبلة ستسقط على لندن، وسيكون كل شيء على ما يرام بالنسبة إلى هوبكنز، “لأن القنبلة سوف تسقط عليك، لذلك لن تعرف شيئاً عنها. لكن في ويلز، سنعاني من العواقب”. وقال له والده ذات مرة أيضاً، عن هتلر والحرب العالمية الثانية ، “بعد ست سنوات، مات في مخبأ. ما أفشل الرايخ الثالث!”جعلني أضحك.

يتجنب الآن الأخبار والسياسة من أجل راحة باله. “في أميركا، الناس مهووسون بالأطعمة الصحية”، كما يذكر. “يقولون لك، إذا كنت تأكل الوجبات السريعة، ستصبح سميناّ وتموت. حسناً، يدار التلفزيون بالمال وقوة الشركات ورعايتها. إنها الوجبات السريعة السامة للدماغ”.

تحدثنا قليلاً عن حركة #MeToo، تحدث هوبكنز، عن هارفي وينشتاين، “لقد عرفت الشخص الذي تقصده، وعن أموره الجنسية. وأنا أعلم أنه رجل وقح و طاغية. وأنا أتجنبه، ليس لدي شيء لأفعله مع أشخاص كهؤلاء”. وفي الواقع، على رغم رغبته في العيش والتعايش، فإن هوبكنز غالباً ما يتهور: عندما بدأ جون ديكستر، مخرج M Butterfly، الصراخ على جميع الممثلين، طلب هوبكنز منه التوقف “قلت له، جون، لست في حاجة إلى القيام بهذا. أنت مخرج رائع. أوقف الأمر. وبكى. أعني، أفهم أن الناس مستأسدين على من هم أضعف. لديهم مشكلاتهم. لا استطيع الحكم عليهم، لن أسخر منهم في الجوائز. من الصواب أن تدافع النساء عن أنفسهن، لأن ما يحصل لهن غير مقبول. لكن ليست لدي رغبة في الرقص على قبر أي شخص”.

إنه يتفهم أننا يمكن أن نكون جميعاً سيئي الطباع، ويمكننا جميعاً أن نكون لطفاء. الشهرة والسلطة لا علاقة لها بالأمر. قلت لهوبكنز شيئاً قاله المطرب توني بينيت ذات مرة “الحياة تعلمك كيف تعيشها إذا عشت لفترة كافية” – قال وهو سعيد “كم هذا رائع. كم هو شيء رائع لنقوله! تعرف، أقابل شباباً، يريدون التمثيل ويرغبون في أن يكونوا مشهورين، أقول لهم، عندما تصل إلى قمة الشجرة، لا يوجد شيء هناك. معظم هذا هراء، معظم هذا كذب. أقبل الحياة كما هي. فقط كن ممتناً لأنك على قيد الحياة”.

أراني صورة على هاتفه. صورة له وهو في الثالثة، مع والده على شاطئ بالقرب من أبرافون. والده يبتسم ابتسامة عريضة. كان هوبكنز طفلاً جميلاً، بشعر أشقر مجعد، ترتسم على وجهه ملامح بين الضحك والبكاء. “لقد كنت مستاءً لأنني بلعت قرصاً لتخفيف السعال”. وهو يحتفظ بالصورة لتذكره بما وصل إليه.

“أعتقد، حسناً يا الله ، يجب أن أكون في بورت تالبوت، إما ميتاً أو أعمل في مخبز والدي. لسبب لا يمكن تفسيره أنا هنا، وهذا ليس منطقياً”. أنظر له وأقول “حسناً، لقد أبليت بلاء حسناً أيها الطفل”.

المقال مترجم عن موقع صحيفة the guardian ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً