fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Guardian

ترجمة - The Guardian

مقالات الكاتب

أم أسامة بن لادن : عبد الله عزام غسل عقل ابني

على أريكة موضوعة في زاوية الغرفة الواسعة. تجلس، منتظرة، امرأة ترتدي رداءً زاهي الألوان. وينعكس خيال الحجاب الأحمر الذي ترتديه على الزجاج الأمامي للخزانة. بداخل الخزانة، تقبع بفخر في الصدارة صورة مؤطرة لابنها البكر بين موروثات العائلة والمقتنيات الأخرى. وتنتشر في أنحاء الغرفة صور شخص باسم ملتحٍ يرتدي سترة عسكرية مسنودة على الحائط عند قدميها، وعلى رف الموقد بجانبها.

تستحوذ علياء غانم، والدة أسامة بن لادن، على انتباه الجميع في الغرفة. على مقعد بجانبها، يجلس اثنان من أبنائها الناجين، أحمد وحسن، وزوجها الثاني أحمد العطاس، الرجل الذي قام بتربية الأخوة الثلاثة.

لكل فرد من العائلة حكايته الخاصة ليرويها عن الرجل المرتبط بنشوء الإرهاب العالمي. لكن علياء من ستروي قصتها اليوم، واصفة ذلك الشخص الذي ما زال، بالنسبة لها، ابنها المحبوب الذي ضل طريقه بشكل ما، فتقول عنه “كانت حياتي صعبة للغاية لأنه كان بعيداً عني”. وتضيف بثقة “كان فتىً طيباً للغاية، وكان يحبني كثيراً”

تُشير غانم، وهي في السبعينيات من عمرها وتعاني من تقلبات صحية، إلى العطّاس – وهو رجل نحيل البنية يرتدي، كابنيها، ثوباً أبيضاً أنيقاً، وعباءة يرتديها الرجال عبر شبه الجزيرة العربية. “لقد ربى أسامة منذ كان في الثالثة. إنه رجل صالح، وكان طيباً مع أسامة”.

كانت العائلة قد تجمعت بركن من أركان القصر الذي يعيشون فيه بمدينة جدة، المدينة التي كانت موطناً لعائلة بن لادن لأجيال. ولا تزال واحدة من أكثر العائلات ثراءً بالمملكة. فقد بَنَت امبراطوريتهم للمقاولات جزءاً كبيراً من المملكة السعودية الحديثة، و تتغلغل بعمق في مؤسسات الدولة.

يعكس المنزل ثراء ونفوذ عائلة بن لادن ، يقود درج لولبي مبني في منتصف البيت لحجرات واسعة وفارهة. أطباق التمر والشوكولاتة، موضوعة على الطاولات في كل ركن من البيت. تنتشر الحدائق الخضراء في الخارج؛ يقع البيت في حي الأثرياء بجدة. برغم عدم وجود أي حرس بالخارج، فإن عائلة بن لادن هي أشهر سكان الحي.

لسنوات عديدة، رفضت غانم التحدث عن أسامة، كانت تلك هي الحالة مع جميع أفراد عائلته. وكان هذا طوال فترة حكمه التي امتدت لعقدين من الزمن كزعيم للقاعدة، وهي الفترة التي شهدت الهجمات على نيويورك والعاصمة واشنطن، وانتهت مع قتله في باكستان.

والآن، وافقت القيادة السعودية الجديدة، التي يقودها الوريث الطموح البالغ من العمر 32 عاماً، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، على طلبي بالتحدث إلى الأسرة. (كواحدة من أكثر العائلات نفوذاً بالبلاد، تخضع تحركاتهم واتصالاتهم للمراقبة الدقيقة).

يعد إرث أسامة بن لادن بمثابة آفة خطيرة على المملكة كخطورتها على عائلته نفسها. يعتقد كبار المسؤولين أن السماح لعائلته بالتحدث عنه، قد يثبت أن أسامة بن لادن، المسؤول عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، كان منبوذاً، وليس عميلاً.

يزعم منتقدو المملكة العربية السعودية منذ فترة طوية أن أسامة بن لادن كان يحظى بدعم الدولة؛ وقد اتخذت عائلات عدد من ضحايا 9/11 إجراءات قانونية (لم تكلل بالنجاح حتى الآن) ضد المملكة.

ينتمي خمسة عشر خاطفاً من أصل تسعة عشر إلى المملكة العربية السعودية.

بشكل غير مفاجئ، لم تكن عائلة بن لادن واثقة من التحدث في مفاوضاتنا الأولية؛ فهم غير واثقين ما إذا كان فتح الجروح القديمة واستحضار الماضي الأليم له عواقب وخيمة أم حميدة. لكن بعد أيام من النقاش، أصبحوا على استعداد للتحدث. وهكذا، تم اللقاء في يوم حار من أوائل يونيو/حزيران، وتجلس معنا في الغرفة مبعوثة من الحكومة السعودية، برغم أنها لا تحاول التأثير على مجرى الحديث. (ينضم إلينا أيضاً مترجم).

“عندما كان في العشرين من عمره،تم غسل دماغه من قبل أناس التقاهم حينها، كانوا أشبه بطائفة دينية”

بينما تجلس وسط أخوة أسامة غير الأشقاء، تتذكر علياء غانم ابنها البكر كفتى خجول ذو مؤهلات أكاديمية عالية. وقد أصبح شخصية قوية ومتديناً في العشرينات من عمره، على حد قولها، أثناء دراسته للاقتصاد بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، حيث أصبح متطرفاً هناك. تقول غانم “لقد غيره الناس في الجامعة. أصح رجلاً مختلفاً”.

وكان أحد الرجال الذين التقى بهم هناك هو عبد الله عزام، وهو عضو في جماعة الإخوان المسلمين، وقد نُفي من المملكة لاحقاً ليصبح المرشد الروحي لأسامة. تقول والدته “كان طفلاً جيداً جداً إلى أصبح في العشرين من عمره،تم غسل دماغه من قبل أناس التقاهم حينها، كانوا أشبه بطائفة دينية. وقد حصلوا على المال لتمويل قضيتهم. كنت أطلب منه دائماً الابتعاد عنهم، لم يكن ليعترف لي أبداً بما كان يفعله، لأنه كان يحبني كثيراً”.

وفي أوائل الثمانينات، سافر أسامة إلى أفغانستان لمحاربة الاحتلال الروسي. يتناول حسن دفة الحديث من أمه قائلاً “كل من قابله في الأيام الأولى أولوا له الاحترام والتقدير، كنا فخورين به للغاية. حتى الحكومة السعودية كانت تعامله بطريقة نبيلة ومتّسمة بالاحترام. ثم تحول لأسامة المجاهد”.

تبع هذا القول صمت طويل مربك في الغرفة، حاول حسن بعده أن يفسر التحول الحاصل من متعصب إلى جهادي. تابع حديثه قائلاً “أنا فخور به جداً من منطلق أنه كان أخي الأكبر، لقد تعلمت منه الكثير. لكني لا أعتقد أنني فخور به كرجل. لقد صعد سلم النجومية على المسرح العالمي، لكن كل ذلك كان من أجل لا شيء”.

تستمع غانم للحديث باهتمام، وتصبح أكثر حيوية عند تحول المحادثة إلى السنوات الأولى لأسامة لتضيف قائلة “كان مستقيماً للغاية، ومتفوق في المدرسة؛ لقد كان حقاً يحب الدراسة. لقد أنفق جل أمواله في أفغانستان متعللاً بالأعمال والمشروعات العائلية”.

هل كانت لغانم أي شكوك بشأن تحوله لجهادي؟

تجيب غانم على هذا التساؤل قائلة “لم يخطر ذلك ببالي ولو للحظة”. كيف كانت ردة فعلها عندما علِمَت؟ “كنا مستائين للغاية. لم أكن راغبة في حصول أي من هذا. لماذا يخاطر بفقدان كل شيء بهذا الشكل؟”.

قالت العائلة أن آخر مرة رأوا فيها أسامة كانت في أفغانستان عام 1999 وكانوا قد زاروه مرتين خلال نفس العام في مقر إقامته خارج قندهار، وقالت غانم “كان مكاناً قريباً من المطار الذي استولوا عليه من الروس”، وأضافت “كان سعيداً جداً بلقائنا، وكان يصطحبنا في جولة بالمكان كل يوم، ثم ذبح وأولم ودعا الجميع للوليمة”.

بدأت غانم تسترسل في الحديث وأخذت تحكي عن طفولتها بمدينة اللاذقية على الساحل السوري حيث نشأت في عائلة من العلويين إحدى طوائف المذهب الشيعي. وقالت إن المطبخ السوري يفوق نظيره السعودي وكذلك الطقس في حوض البحر الأبيض المتوسط حيث يتناقض هواء الصيف الحار والرطب بشكل صارخ مع حرارة الجحيم في جدة. انتقلت غانم إلى السعودية في منتصف الخمسينيات وولد أسامة بالرياض عام 1957، وانفصلت  عن أبيه بعد ذلك بثلاث سنوات وتزوجت بالعطاس الذي كان مسؤولاً بإمبراطورية ابن لادن الوليدة أوائل الستينيات. أنجب والد أسامة 45 طفلاً من 11 زوجة على أقل تقدير.

بينما غادرت غانم وذهبت لغرفة مجاورة للاستراحة، استأنف إخوة أسامة غير الأشقاء حديثهم مؤكدين على أهمية أن نتذكر أن اي أم نادراً ما تكون شاهداً موضوعياً. قال أحمد: ” لقد مر 17 عاماً الآن على واقعة 11 سبتمبر ولا زالت لا تصدق ما يقال عن أسامة”، وأضاف “لطالما أحبته حباً جماً وترفض توجيه اللوم له، إنها تلوم المحيطين به عوضاً عن لومه، إنها لا تعرف سوى أسامة الفتى الطيب الذي عرفناه جميعاً ولا تعرف أي شيء عن أسامة الجهادي”.

تحدث عن الأخبار الأولى التي وصلت من نيويورك وقتها، قائلاً “لقد صُدمت بل صُعقت، كان إحساساً غريباً وعرفنا من البداية خلال ال 48 ساعة الأولى (أن أسامة هو من فعلها). شعر جميعنا من أكبرنا لأصغرنا بالعار مما ارتكبه، عرفنا أن العواقب ستكون وخيمة علينا، وعادت عائلتنا بأسرها إلى السعودية”. كانت العائلة متفرقة في سوريا ولبنان ومصر وأوروبا، “كان هناك حظر على السفر في السعودية، وحاولوا جهد استطاعتهم إحكام سيطرتهم على العائلة”.

قالت العائلة إن السلطات استجوبتهم جميعاً ومنعتهم من مغادرة البلاد لفترة من الزمن. والآن بعد مرور حوالي عشرين سنة،  تستطيع عائلة بن لادن التحرك نسبياً داخل وخارج المملكة.

بن لادن الثاني من اليمين مع افراد اسرته في رحلة خارجية

تزامنت سنوات أسامة بن لادن بجدة مع التحرر النسبي في السبعينات قبل الثورة الإيرانية 1979، والتي هدفت إلى تصدير نضال الشيعة إلى العالم العربي السني. فرض حكام المملكة العربية السعودية منذ ذلك الحين تفسيرات صارمة للإسلام السني وهو النهج الذي تمت ممارسته على نطاق واسع في شبه الجزيرة العربية منذ القرن الثامن عشر. عقد عبد الوهاب اتفاقاً مع الحاكم آنذاك محمد بن سعود مفاده السماح لعائلته بتسيير شؤون الدولة بينما تولى رجال الدين المتشددين تحديد سمات الشخصية الوطنية.

أعطت المملكة الناشئة في عام 1932 لكلا الفريقين، الحكام ورجال الدين، قوة كبيرة مكنتهم من حصر الدولة ومواطنيها في مجتمع مغلق بآراء محافظة تشمل: الفصل الصارم بين الرجال والنساء من غير المحارم وأدوار جنسانية متشددة وعدم التسامح مع الديانات الأخرى والتزام لا يفتر بالتعاليم العقائدية، كان كل ذلك مختوماً بشعار آل سعود.

يعتقد كثيرون أن هذا التحالف ساهم بصورة مباشرة في تصاعد الإرهاب العالمي، فقد تشكلت نظرة القاعدة، ومن تحذو حذوها أي الدولة الإسلامية (داعش)، إلى العالم من الكتب الدينية الوهابية. واتهم رجال الدين السعوديون إتهامات واسعة بتشجيع حركة جهادية نمت طوال التسعينيات مع وجود أسامة بن لادن في قلب هذه الحركات.

بدأ النهج الإصلاحي يتسلل إلى المجتمع السعودي متمثلاً في رفع حظر قيادة السيدات للسيارات وإفتتاح السينمات. وتريد القيادة السعودية الجديدة (ولي العهد السعودي) وضع نهاية لهذه الحقبة والدخول بالمملكة في مرحلة ما يسمى بـ”الإسلام الوسطي”، وهو ما يراه ضرورياً لاستمرار دولة يعيش فيها، في أغلب الأحيان، عدد كبير من الشباب القلق الساخط الذي حظي بمساحة ضئيلة من وسائل الترفيه و الحياة الاجتماعية أو الحريات الفردية على مدى أربعة عقود تقريباً.

ويعتقد الحكام السعوديون الجدد أن مثل هذه المعايير الاجتماعية الصارمة التي يطبقها رجال الدين، يمكن أن تثبت أنها غذاء المتطرفين الذين يستغلون مثل هذه المشاعر من الإحباط.

بدأ الإصلاح طريقه في كثير من مناحي المجتمع السعودي؛ أبرزها رفع حظر قيادة السيارات عن السيدات في حزيران/يونيو الماضي، وإجراء تغييرات في سوق العمل والقطاع العام المتضخم وافتتاح دور السينما، وبدء حملة لمكافحة الفساد في القطاع الخاص وبعض الدوائر الحكومية.

تستوعب البلاد ببطء هذا العلاج الجذري الصادم، إذ لا تعرف المجتمعات المقيدة بعقود من العقيدة المتشددة ما يتوجب فعله في هذا الصدد، في ظل وجود تناقضات عديدة، من بينها، تجنب بعض المؤسسات والمسؤولين التيار المحافظ فيما يتقبله الآخرين برحابة صدر. وفي هذه الأثناء، تظل الحريات السياسية محظورة،  وتمارس السلطة بشكل مركزي ويجري سحق المعارضين بلا تفكير.

يظل إرث بن لادن أحد أكثر القضايا الملحة في المملكة.

التقيتُ  الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية على مدار 24 عاماً في الفترة من 1977 حتى 2001 (قبل عشرة أيام من هجمات 11 سبتمبر ) في فيلته في جدة. وبدا الفيصل، رجلاً مثقفاً، في منتصف السبعينيات يرتدي أزرار أكمام خضراء حاملاًً العلم السعودي على أكمام ثوبه.

أخبرني، “كان هناك اثنان أسامة بن لادن، أحدهما قبل نهاية الاحتلال السوفياتي لأفغانستان والآخر بعده، فالأول بدا مجاهداً  مثاليًا للغاية، فلم يكن مقاتلا باعترافه الخاص؛ فقد أغمي عليه أثناء المعركة وعندما استيقظ كان الهجوم السوفيتي على موقعه دُحر”.

وعندما رحل بن لادن من أفغانستان إلى السودان، كان تركي المتحدث معه نيابة عن المملكة في ظل  توتر علاقاته مع البلاد. وفي أعقاب هجمات 11 ايلول/سبتمبر، تعرضت هذه المحادثات المباشرة بينهما لتدقيق مكثف. وعلى الرغم من مرور 17 عاماً على الهجمات، لايزال أقارب نحو 2,976 قتيلاً وأكثر من 6 آلاف جريحاً  في نيويورك و العاصمة واشنطن يرفضون تصديق أن الدولة التي صدّرت مثل هذا الإيمان المتشدد لاعلاقة لها بعواقبه.

بالتأكيد، سافر بن لادن إلى أفغانستان بمعرفة ودعم  الدولة السعودية، التي عارضت بجانب أميركا الاحتلال السوفيتي، إذ شارك السعوديون في تسليح ودعم الجماعات المقاتلة. وأخذ المجاهد الشاب (بن لادن) جزءًا صغيرًا من ثروة عائلته معه؛ إذ اعتاد شراء النفوذ. وحسب تركي، عاد بن لادن بعدها إلى جدة منتشياًَ بالمعركة وبهزيمة السوفيات، لكنه صار رجلاً مختلفاً.

وقال تركي، “تبنى لادن موقفاً سياسياً أكثر اختلافاً عما كان عام 1990؛ إذ أراد طرد الشيوعيين والماركسيين اليمنيين الجنوبيين من اليمن، فاستقبلته وأخبرته أن من الأفضل ألا يتورط في الأمر”، في ذلك الوقت، “استخدمت مساجد جدة  النموذج الأفغاني “.

وتابع تركي، ” كان لديه وجه خال من التعبير، لم يتجهم أو يبتسم أبداً”. وأضاف، “في عام 1992، 1993، كان هناك اجتماع كبير في بيشاور نظمته حكومة نواز شريف”. وقد لجأ بن لادن في هذا الوقت إلى زعماء القبائل الأفغان. قال تركي، “كانت هناك دعوة للتضامن الإسلامي من أجل إجبار قادة العالم الإسلامي على التوقف عن قتال بعضهم البعض. لقد رأيته هناك أيضاً، والتقت أعيننا لكننا لم نتحدث. لم يعد إلى المملكة مرة أخرى. ذهب إلى السودان، حيث بنى شركة لإنتاج عسل النحل وقام بتمويل مشروع إنشاء طريق”.

ازداد تأييد ودعم بن لادن في المنفى. “اعتاد على إرسال بيانات بالفاكس إلى الجميع. كان حاسماً جداً، وكانت هناك جهود من قبل العائلة – عن طريق مبعوثين ومثل هذا – لإقناعه بالعدول عن الأمر، لكنهم لم ينجحوا. ربما كان يشعر أنه لم يؤخذ على محمل الجد من قبل الحكومة “وذلك حسبما قال تركي.

زارت العائلة قندهار العام التالي، وجاءت الزيارة بعد ضربة صاروخية أميركية على أحد مجمعات بن لادن، رداً على هجمات تنظيم القاعدة على السفارات الأميركية في تنزانيا وكينيا. ويبدو أن حاشية من العائلة المقربة لم تواجه صعوبة في العثور على رجلهم، في الوقت الذي لم تستطع شبكات المخابرات السعودية والغربية فيه ذلك.

ووفقاً لمسؤولين في الرياض ولندن وواشنطن العاصمة، فقد أصبح بن لادن آنذاك الهدف رقم واحد لمكافحة الإرهاب في العالم، وهو رجل كان عازماً على استخدام المواطنين السعوديين في وضع حائط بين الحضارات الشرقية والغربية. قال لي ضابط مخابرات بريطاني “لا شك في أنه اختار المواطنين السعوديين عن عمد في مؤامرة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر ” وتابع، “كان مقتنعاً بأنه سيحول الغرب ضد وطنه. لقد نجح بالفعل في التحريض على الحرب، لكنه لم ينجح في ذلك بالصورة التي توقعها”.

يزعم تركي أنه في الأشهر التي سبقت هجمات 11 أيلول/سبتمبر، علمت وكالة استخباراته أنه يخطط لشيء مقلق. وقال، “في صيف عام 2001، تلقيت أحد التحذيرات حول شيء مثير يوشك أن يحدث للأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين والعرب. لم نكن نعرف أين سيحدث ذلك، لكننا كنا نعلم أنه يُدبر لشيء ما”.

لا يزال بن لادن شخصيّة شهيرة في بعض أجزاء من البلاد، ويجري تمجيده من قِبَل أولئك الذين يؤمنون بأنه كان ينفّذ أوامر الله. ولكن يصعُب قياس حجم التأييد الذي يحظى به. إبان ذلك، فمَن تبقى من أسرته المقربة قد سُمِحَ لهم بالعودة إلى المملكة: على الأقل اثنتَان من زوجاته وأطفالهما يعيشون الآن في جدّة (منهما تلك التي كانت معه في أبوت آباد حين قُتل على يد القوات الخاصّة الأميركيّة).

”لقد كانت لدينا علاقات جيّدة جداً مع محمد بن نايف (وليّ العهد السابق)“، هكذا أخبرنا أحمد بن لادن، وهو أخٌ غير شقيق لأسامة، بينما كانت تجلس بالقرب فتاة على مائدة العشاء. وأضاف أحمد ”لقد سُمَحَ لزوجات أسامة وأطفالهم بالعودة“. ولكن رغم تمتّعهم بحريّة الحركة داخل المدينة، إلّا أنّهم لا يستطيعون مغادرة المملكة.

ربما كان حمزة بن أسامة بن لادن يحجب محاولات الأسرة للتخلّص من ماضيهم.

وتنضمّ إلى الحديث والدة أسامة قائلةً ”أتحدّث إلى زوجاته معظم الوقت. إنّهم يسكنون بالقرب“.

لم تكن تحضر فاطمة العطّاس لقاءنا، وهي أختُ أسامة غير الشقيقة، وأخت شقيقة للرجلين (حسن وأحمد). من منزلها في باريس، أرسلت إلينا عبر البريد الإلكترونيّ قائلةً أنّها تعترض بشدة على إجراء لقاء مع أمّها، وطلبت أن يُعاد ترتيب هذا الأمر من خلالها. ورغم موافقة أخوَيها وزوج أمّها، فقد شعرت أنّ أمها تعرّضت لضغوط من أجل الحديث. ولكن يصرّ غانم على أنها كانت قد رضيت أن تتحدّث كما كان بإمكانها أن تتحدّث لوقت أطول. ربّما كانت هذه التوتّرات علامة على الوضع المعقّد الذي تعيشه العائلة الكبيرة في المملكة.

حمزة ابن اسامة بن لادن

لقد سألت الأسرة عن حمزة، ابن أسامة الأصغر، والبالغ من العمر 29 عاماً، والذي يُعتَقَد أنه لا زال في أفغانستان. لقد صنّفته الولايات المتّحدة رسميّاً العام الماضي ”إرهابيّاً عالميّاً“، ويبدو أنّه قد ورِثَ عباءة أبيه، برعاية قياديّ القاعدة الجديد ونائب أبيه السابق أيمن الظواهريّ.

يهزّ أعمامه رؤوسَهم. ويقول حسن ”لقد اعتقدنا أنّ الجميع قد تجاوَزَ هذا، لكن كان ما عرفته لاحقاً، هو قَول حمزة أنه سيثأر لأبيه. لا أودّ أن أتذكّر هذا مرة أخرى. لو كان حمزة أمامي الآن لقلت له “هداك الله، فكّر مرّتين فيما تقوم بعمله. لا تكرر خطأ والدك، فأنت الآن تدخل إلى أجزاء مظلمة من النفس“.

لذا، فإنّ الصعود المستمرّ لحمزة بن لادن قد يحجب محاولات الأسرة للتخلّص من ماضيهم. ويمكنه كذلك أن يُعيق جهود وليّ العهد لتشكيل عهد جديد يمكن فيه أنّ يعتبر أسامة بن لادن محض انحراف جيل في العائلة، ويمكن للمعتقدات المتشدّدة والتي تبّنتها المملكة نفسها يوماً ما ألّا تصبح مصدراً لشرعنة التطرّف. وبينما جرت محاولات للتغيير في المملكة العربيّة السعوديّة من قبل، إلّا أنّه لم يكن أبداً بذات التركيز كالإصلاحات الحاليّة. ويبقى السؤال مفتوحاً حول مدى إمكانيّة أن يضغط محمد بن سلمان على مجتمع قد تشرّب برؤية متشددة.

إنّ حلفاء المملكة العربيّة السعوديّة متفائلون، لكنهم يبقوا على حذر. وقد أخبرني ضابط المخابرات البريطانيّ الذي تحدّثتُ إليه أنّه ”لو لم ينجح محمد بن سلمان في خلخلة هذا الوضع، سيصبح هناك الكثير من أسامة بن لادن. ولا يمكن الجزم إن كانوا سيستطيعون تجاوز تلك اللعنة“.

 

أجرى المقابلة مارتن شولوف

هذه المادة مترجمة عن موقع صحيفة the guardian ولقراءة المادة الأصلية زوروا  الرابط التالي

إقرأ أيضاً