fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

أميركا اللاتينيّة: إلى “اليمين” در؟!

وفقاً لثنائيّة اليسار – اليمين القديمة، وفي انتظار أن يمنّ علينا القاموس بمفاهيم أحدث، فإنّ أميركا اللاتينيّة (الجنوبيّة + الوسطى) تتّجه إلى اليمين. تتّجه بسرعة هي نفسها سرعة تداعي اليسار.

الحدث الأخير مصدره نيكاراغوا (6،5 مليون نسمة) التي يرأسها الزعيم الساندينيّ اليساريّ، والقياديّ السابق في حرب عصابات، دانيال أورتيغا.

التظاهرات بدأت قبل أيّام. آخر أفعال المتظاهرين تحطيمهم تمثالاً للزعيم الفنزويلّي الراحل هوغو شافيز في العاصمة ماناغوا.

السبب المباشر لنزول الآلاف إلى الشارع، وسقوط عدد من القتلى، هو إبطال عدد من التقديمات الاجتماعيّة. هذه الخطوة، المستغرَبة من حكم يساريّ، اضطرّ أورتيغا وحكومته إلى التراجع عنها، بيد أنّ التظاهرات، التي يقودها الطلاّب الجامعيّون، استمرّت. المطالبات اتّسعت لتشمل إطلاق سراح الذين اعتُقلوا في بدايات التظاهر، وإنهاء حكم أورتيغا (72 عاماً) الذي انتُخب للمرّة الأولى في 2007، ويُكمل الآن عهده الرئاسيّ الثالث. الاتّهام الأساسيّ الذي يطاله أنّه يقيم حكماً عائليّاً، إذ تتولّى زوجته روزاريو موريّو نيابة رئاسة الجمهوريّة، ولأجل هذا الهدف يتمّ التطاول على المؤسّسات الديمقراطيّة واشتغالها.

في كوبا (12 مليوناً) انتهت الكاسترويّة الحاكمة منذ 1959 اسميّاً، في انتظار أن تنتهي فعليّاً. ميغيل دياز كانِل، الذي بدأ حياته حارساً لراؤول كاسترو، حلّ محلّه في رئاسة الدولة، ولكنْ ليس في قيادتي الحزب والجيش. كانِل لا يملك أيّاً من المواصفات التي تجعله غورباتشوف كوبا، وهو نفسه يؤكّد أنّه الأمين على إرث الكاستروين، راؤول وقبله فيديل. إلاّ أنّ الوضع ضاغط على نحو قد يقود إلى الانفجار إن لم يُعالَج: الأزمة الاقتصاديّة قاتلة (خصوصاً مع انهيار الاقتصاد الفنزويليّ وعجزه عن تقديم العون، بعد توقّف المساعدات السوفياتيّة الضخمة منذ أواسط الثمانينات)، وكذلك بَرَم الشبيبة بالعزلة وبالتحكّم الحزبيّ – العائليّ (أحد أقوى رجالات النظام ابن راؤول الوحيد: العقيد أليهاندرو كاسترو إسبِن (52 عاماً) الذي يتولّى المخابرات والأمن الداخليّ).

سلوك دونالد ترامب قد يساعد في تشجيع الرئيس الكوبيّ الجديد على الإقدام ومحاولة تجاوز الكاسترويّة، خصوصاً أنّ راؤول هو الآن في السادسة والثمانين. لكنّه قد يساهم أيضاً في تثبيته حيث هو، سيّما وأنّ ترامب سبق أن أعاد بعض القيود التي أزالها باراك أوباما في ما خصّ الهجرة والتجارة مع كوبا.

جنوباً، في فنزويلاّ (32 مليوناً، وإحدى أغنى دول القارّة)، الكارثة الاقتصاديّة تهزّ أركان النظام الشافيزيّ. الريعيّة، اليساريّة هذه المرّة، والرشوة الاجتماعيّة كفّتا عن الاشتغال مع انهيار أسعار النفط. الإفلاس ونضوب العملة الأجنبيّة أدّيا إلى عجز تامّ عن الاستيراد، فيما كان الدعم الحكوميّ، في أيّام الوفرة، قد ضرب الانتاج المحلّيّ على أنواعه. الفنزويليّون الذين يفتقرون إلى كلّ شيء تقريباً يهاجرون جماعيّاً بحثاً عن العمل وعن السلع. في تقرير صدر مؤخّراً عن “منظّمة الصحّة العالميّة” أنّ الملاريا زادت في 2017 بنسبة 69 في المئة عمّا كانته في 2016.

فضلاً عن الأزمة الاقتصاديّة، عطّل الرئيس الشافيزيّ نيكولاس مادورو عديد المؤسّسات الدستوريّة من دون أن يملك الكاريزما الزعاميّة التي كانت لمعلّمه الراحل. هذا السلوك بلغ أوجه العام الماضي مع إعادة كتابة الدستور و”انتخاب” برلمان يحلّ محلّ البرلمان المنتخب والذي تعارض أكثريّة نوّابه الحكم القائم.

البرازيل (208 ملايين، أكبر بلدان القارّة) قصّتها تختلف. تهمة الفساد للرئيس السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، أو لولا (72 عاماً)، لا تزال أمراً مُشكَلاً، وكذلك الحكم عليه بالسجن 12 عاماً. الشيء نفسه ينطبق على وريثته السياسيّة الرئيسة ديلما روسّيف التي عُزلت. لولا (وروسّيف) قد يكون فاسداً، وقد يكون بريئاً يراد الحؤول دون فوزه (المؤكّد) في انتخابات تشرين الأوّل (أكتوبر) المقبل. وصف باراك أوباما له بأنّه “أكثر رؤساء العالم شعبيّة” صحيح: إبّان عهديه (2003 – 2011) عرف الاقتصاد البرازيليّ أطول فترات النموّ التي عاشها طوال عقود ثلاثة. إصلاحاته أخرجت عشرين مليون برازيليّ على الأقلّ من ربقة الفقر. لكنْ كائناً ما كان الأمر، يُرجّح أن يمهّد اتّهامه وسجنه لعهد يمينيّ جديد.

الأرجنتين (45 مليوناً) من الدول الوازنة في أميركا اللاتينيّة. رئيسها منذ 2015 موريشيو ماكري هو أوّل رئيس غير بيرونيّ وغير راديكاليّ يُنتخب ديمقراطيّاً منذ 1916. شعاره الأساسيّ دمج الأرجنتين في “المجتمع الدوليّ”. ينتمي إلى الطبقة العليا ويقود حزباً أسّسه وأسماه “حزب الاقتراح الجمهوريّ” يُصنّف في “يمين الوسط”.

المكسيك (128 مليوناً)، دولة وازنة أخرى في القارّة الجنوبيّة، والجسر الجغرافيّ والثقافيّ بين الأميركتين. رئيسها أنريك بينا نختو. حزبه “الحزب الدستوريّ الثوريّ” الشهير، المتفرّع عن الزاباتيّة، سبق أن حكم البلد من دون انقطاع 71 عاماً (1929 – 2000).

الحزب دولتيّ وشديد الاستعصاء على التصنيف الثنائيّ: يمين ويسار. لقد تبنّى إيديولوجيّات كثيرة في تاريخه، لكنّه منذ الثمانينات تموضع في ما يوصف بـ “يمين الوسط”. ولاؤه للسوق الحرّة وحسن علاقاته مع الكنيسة الكاثوليكيّة دفعا يساريّيه إلى مغادرته في 1989 وتأسيس “حزب الثورة الديمقراطيّة”. مع هذا يبقى من الضروريّ متابعة ما قد ينشأ عن الخلاف، حول الحدود والجدار والهجرة، مع إدارة ترامب (بفعل ترامب، قد ينجح القياديّ اليساريّ أندريس مانويل لوبيز أوبرادور في الوصول إلى رئاسة المكسيك في 2019).

كولومبيا (49 مليوناً)، رئيسها خوان مانويل سانتوس كالديرون الذي نال، في 2016، جائزة نوبل للسلام بسبب التفاوض مع متمرّدي “فارك” الذي أفضى إلى سلام.

سانتوس ابن عائلة ثريّة، واقتصاديّ وصحافيّ. في 2005 شارك في تأسيس “الحزب الاجتماعيّ للوحدة الوطنيّة” والذي يوصف بأنّه ائتلاف عريض ليبراليّ – محافظ.

تشيلي (18 مليوناً): في سياق توطّد ديمقراطيّتها بعد النزع التدريجيّ للبينوشيتيّة والذي اكتمل في 1990، عرفت تجربة لافتة: سيباستيان بينيرا انهزم أمام مرشّحة “يسار الوسط” ميشيل باشِلِت في 2014. لكنْ في آذار (مارس) الماضي، عاد بينيرا إلى الرئاسة مُلحقاً الهزيمة بباشِلِت. بينيرا رجل أعمال وبليونير ومحافظ.

البيرو (32 مليوناً): بعد استقالة رئيسها بيدرو بابلو كوشينسكي بسبب فضيحة فساد، والفساد بعض أهمّ ما يتميّز به سياسيّو هذا البلد، انتخب في آذار الماضي مارتن فيزكارّا رئيساً. فيزكارّا وقبله كوشينسكي ينتميان إلى حزب “بيروفيّون للتغيير” الذي أُسّس في 2014 بوصفه صوت “يمين الوسط”.

باراغواي (7 ملايين)، رئيسها هوراسيو مانويل كارتِس جارا. رجل أعمال بالغ الثراء. حزبه “الرابطة الوطنيّة الجمهوريّة” يمينيّ ومحافظ، تأسّس في 1887 وحكم البلد 61 عاماً ليُهزَم في 2008 ثمّ يعود ثانية إلى السلطة في 2013.

الاستثناءات الثلاثة هي التالية:

الإكوادور (17 مليوناً)، رئيسها لينين بولتير مورينو غارسيز فاز بفارق ضئيل جدّاً. حزبه “تحالف البلد” يصنّف نفسه اشتراكيّاً ديمقراطيّاً.

بوليفيا (11 مليوناً)  رئيسها منذ 2005 هو إيفو موراليس. استثنائيّته لا تنبع فحسب من سياساته الاشتراكيّة. هو أيضاً أوّل حاكم من السكّان الأصليّين (الهنود). انتخب ثلاث مرّات للرئاسة وحقّق إنجازات اقتصاديّة فعليّة لصالح الفقراء، كما تصدّى للسياسات النيوليبراليّة ومصالح الشركات الأميركيّة العملاقة.

الأوروغواي (5،3 مليون) رئيسها منذ 2015 الاشتراكيّ تباري فاسكس (سبق أن رأس البلاد بين 205 و2010).

أسباب هذا الانعطاف يميناً كثيرة، أهمّها ثلاثة:

أوّلاً، حدث التحوّل مع نهاية الارتفاع الذي أصاب أسعار سلع التصدير (نفط، قصدير…)، ما اضطرّ الحكومات إلى تقليص الإنفاق الاجتماعيّ الذي سبق أن شكّل العمود الفقريّ لبرنامجها الانتخابيّ.

ثانياً، الاستقرار الديمقراطيّ واستتباب عمليّة تداول السلطة. مؤخّراً عبّر عن هذا الاستقرار خطاب الرئيس التشيليّ “اليمينيّ” سيباستيان بينيرا حيث تعهّد الحفاظ على الكثير من المكاسب التي حقّقتها الرئيسة “اليساريّة” السابقة ميشيل باشِلِت. ذهب أبعد: “يا أصدقائي، قد نفكّر بطرق مختلفة، والاختلافات عظيمة، وتعدّديّة الأفكار عظيمة، لكنّ هذه الخلافات ينبغي ألاّ تحوّلنا نهائيّاً إلى أعداء”. هذا الاستقرار الديمقراطيّ أدّى ويؤدّي، في البلدان الأغنى، إلى خلق طبقة وسطى ذات مطالب تتعدّى الأساسيّات التي ترتبط بالجماعات الأفقر والفئات الأكثر تهميشاً.

ثالثاً، الفساد الذي شوّه صورة القادة الذين صعدوا إلى القمّة بشعارات مناهضة للغنى والفساد والتفاوت الضخم. فضلاً عن لولا وروسّيف، راجت أخبار حول العشيقة السابقة لإيفو موراليس، غابريلاّ زاباتا، وحصولها على عقود حكوميّة بقيمة 500 مليون دولار. أضف إلى ذلك زوجة أورتيغا وشقيق كاسترو ثمّ ابن شقيقه. الفساد طبعاً لا يقتصر على زعماء اليسار: يكفي ذكر اسم الرئيس البرازيليّ الحاليّ (ذي الاصل اللبنانيّ) ميشال تامر لكي يلوح الفساد مشخّصاً. كثرة المليونيريّة بين قادة اليمين لا تطمئن. لكنّ الفساد يضرّ باليساريّين أكثر لأنّ المساواة تحتلّ في برامجهم ما لا تحتلّه في برامج اليمين الأشدّ تركيزاً على المشهد الإجماليّ للاقتصاد. إلى ذلك، فاليسار أكثر استعداداً للإخلال بشروط اللعبة الدستوريّة: تعطيل مادورو للبرلمان مثَل بارز. حتّى موراليس بات يرغب في ترشيح نفسه لولاية رابعة على عكس ما يجيزه الدستور.

إقرأ أيضاً