fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

“أمل حياتي”: حوار مع عنصر من “حركة المحرومين” في ذكرى تغييب الصدر

يكثر الحديث عن تراجع سياسي وشعبي يصيب بنية حركة أمل، التي أسسها الإمام السيد موسى الصدر ويقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري، لكن في ذكرى اختطاف السيد موسى الصدر في 31 آب/أغسطس من كل عام، المناسبة الحركية اليتيمة التي يلتقي فيها القائد بجمهوره، يعود جمهور حركة أمل الغفير والغفور، ليثبت أن هذا الحديث ما هو إلا شائعة للنيل من شعبية الحركة وتأثيرها المستمر في الحياة السياسية اللبنانية (حسب قولهم).

في سياق آخر، منذ ما بعد عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير 2005، برز تحالف سياسي متين بين الثنائي الشيعي حركة أمل وحزب الله، جبّ كل الخلافات والأزمات وتداعيات المعارك الدموية، التي دارت بينهما قبل هذا التاريخ. أرسى التحالف بين حركة أمل وحزب الله سلماً أهلياً وسياسياً بين الحزبين المتقاتلين على قيادة الشيعة في لبنان، ومكّن حزب الله من التفرغ لأهدافه الاستراتيجية، بينما ترك لحركة أمل هامشاً كبيراً في قيادة الشيعية السياسية بتجلياتها الاقتصادية والوظائفية والتنموية.

لكن رغم التحالف السياسي المتين على الصعيد القيادي بين الثنائي الشيعي، يبقى لجمهوريهما الكثير من التحفظات والانتقادات والخصوصيات التي لم يتخليا عنها، بمعنى آخر ظل ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

يرتبط جمهور حركة أمل بعلاقة عاطفية مثيرة للاهتمام مع قائدها نبيه بري، هم من باب المحبة والتبجيل، يختصرون اسمه ب”دولته” أو ب”الإستيذ” وهي الأشهر، وتعني الأستاذ بلهجة أهل الجنوب، كون لفظة أستاذ ترافق مهنة المحامي، ورئيس حركة أمل نبيه بري متخرج في كلية الحقوق التابعة للجامعة الوطنية. المثقفون يستخدمون في إشارتهم إلى نبيه بري لفظة “دولته، أما “الإستيذ” فتخص الفئات الشعبية، وقد أصبحت اسماً علماً له.

على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” يوجد صفحة عنوانها “عشاق دولة الرئيس الأستاذ نبيه بري”، دار بيني وبين أحد “عشاقه” هذا الحوار:

  • حركة أمل ستحيي مهرجان الإمام الصدر في بعلبك هذا العام، لماذا بعلبك؟
    • أولا، بعلبك لها مكانة خاصة في قلوب الحركيين لأنها شهدت أول قسم انتساب أيام الإمام الصدر، وهذه ليست المرة الأولى التي تحتضن فيها بعلبك مهرجان الصدر. ثانيا، هذه السنة، يكتسب المهرجان أهمية كبيرة، بعد الكلام المغرض الذي تعرض له “الإستيذ” والحركة على لسان أحدهم.
    • تقصد النائب جميل السيد؟
    • نعم، جميل السيد عقدته بالحياة اسمها نبيه بري، باعتقادي يلزمه طبيب نفسي، لأن إصابته صارت متقدمة هاهاهاها. ساعة يلعبها جنوبي بقاعي، ساعة يلعبها فساد ومحاسبة، وساعة يلعبها مقاومة وإنماء ومدري شو.
    • الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله يحب “الإستيذ”، أليس كذلك؟
    • حب ما في، يجامله، لأنه يعرف مدى تأثيره في المعادلة، وهو يحاول أن يستميل جمهوره بإعلانه حبه الدائم له في الكثير من خطاباته. هناك هدنة مستترة بينهما، ولا أظن أن الهدنة ترتقي إلى مستوى الحب، لا أعرف تحديدا ان أصف ما بينهما، لكن بلا شك هناك مصلحة للطرفين في إرساء هذا الجو الهادئ في المجتمع الشيعي، وفي الحفاظ على متانة التحالف بينهما. “الإستيذ” صمام أمان الطائفة، وطبعا الوطن على مستوى أشمل، وحزب الله يدرك هذا جيدا، لذلك يتغزل به دائما، وهو “تقيل” لا يهتم.
    • يقولون إن حزب الله طلب من إيران أن تخصص راتبا شهريا “للإستيذ”؟
    • وما الغلط في ذلك، هم يدركون أنه إذا كان “الإستيذ” غير راض، تتغير المعادلة، تنقلب، تتغير وجهة سير المنطقة كلها.
  • كيف؟
    • لولا “الإستيذ” لما توحدت الشيعة، ولولاه لبقينا حتى الآن غرقى في المعارك الداخلية، ولما استطاع حزب الله التفرغ لمعاركه خارج الحدود.
  • ألا تعتقد أن للحزب فضلا في هذا الهدوء أيضا؟
    • لا ليس له فضل في شيء، هو بلا الحركة – والحركة بركة – صفر، لا يساوي شيئا، “إيد وحدة ما بتزقف”، ولا يمكنه أن يدوس عتبة الجنوب.
  • لكنه سبق أن هزمكم في معركة السيطرة على الضاحية الجنوبية لبيروت وأخرجكم منها!
    • نحن تركناها لهم، يهمنا حي السلم، أي حي الكرامة كما سماه “الإستيذ” وبقي معنا، حي السلم كله يحلف بحياة “الإستيذ”. ثم يمكنك إجراء مقارنة سريعة ما بين حال الضاحية الجنوبية لبيروت وحال الجنوب. “الإستيذ” حول الجنوب إلى جنة، انتشله من الفقر والتخلف والبطالة. طرقات، مدارس، مؤسسات تشغيلية على أنواعها، شبكة مياه ومجارير – ما تسأليني عن الكهربا، لأنها مسألة وطنية – وانظري إلى الضاحية بؤرة فوضى ومخدرات وسلاح وتعديات.
    • السيدة رندة بري

    • .
  • تقول استشهاد الحريري! قلما نجد أحدا في الطائفة الشيعية يسميه شهيدا، هل تحبه؟
    • نعم، الحريري الأب كان يحب “الإستيذ”، ويقدره، كانا صديقين، “الإستيذ” كان يحب الحريري أيضا، وهو مع نجله سعد “ظالما أو مظلوما”.
    • ما هو موقفك مما تواجهه حركة أمل، من تهم بالمشاركة في الحرب الأهلية وفي الفساد؟
    • يتحدثون عن فساد “مسائيل الحركة” وينسون فسادهم، في هذا المجال أسأل: هل حركة أمل من أخفت 11 مليار دولار؟ هل هي مسؤولة عن الدين العام الذي وصل إلى 90 مليار دولار؟ هل هي من أبرمت صفقة طائرات “بوما”؟. وفي الحرب الأهلية، هل هي من نفذت مجازر “السبت الأسود”؟ هل هي من قصفت الضاحية بحجة إخراج السوريين؟ هل هي من ارتكبت مجزرة “الأونيسكو”؟ هل هي من بدأت معارك إقليم التفاح؟ من كان منهم بلا خطيئة فليرجم حركة أمل بحجر.
  • من هو جمهور حركة أمل، وكيف تصفه؟
    • جمهور الحركة عشوائي، تلقائي، عاطفي، حقيقي، غير مؤدلج، لا يعرف بالسياسة ولا بالاستراتيجيا ولا بالعقيدة الدينية، همه فقط ألا يبتعله حزب الله، لأنه غير مقتنع بمسرحياته ولا بسلوكيات جمهوره وعناصره. منا الفقير والغني، ومنا المؤمن والكافر، ومنا المتعلم والأمي، ومنا المثقف والجاهل، ومنا الأزعر والآدمي، ومنا الموظف والعاطل عن العمل. يتهموننا بأننا سيطرنا على وظائف الدولة، وفي الوقت نفسه ينسبون “المشاكسين” العاطلين عن العمل، الذين يفتعلون المشاكل في المناطق الشيعية إلى حركة أمل. لدينا لغتنا الخاصة، قائدنا هو “الأستيذ” وكوادرنا “مسائيل الحركة” ومن يؤيدنا تناله صفة “معنا بالحركة” وبعض جمهورنا يسمونه “زعران الحركة “، ويقصدون بذلك شباب الشياح وخندق الغميق في بيروت وحي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت، أي جيش المهمشين في القرى وفي أحياء المدن الفقيرة. لسنا نسخا مكررة، نحفظ التعليمة ونرددها ببغائيا، ولسنا موظفين عند أي دولة، تأمرنا بالموت فنموت، تأمرنا بالسلم فنتراجع. نحن حزب سياسي وطني لبناني، لا نملك مالا، وليس لنا ممولون ولا من يحزنون، ولا معاشات ولا مؤسسات تبيّض أموالنا وتصرف علينا من فج وغميق، ولدينا أخطاؤنا التي نعترف بها ونحاول إصلاحها ولا ندّعي العفة أبدا. “الإستيذ” وظف من وظف في الدولة، بدءا من البواب إلى الوزير في دولتنا اللبنانية، كي لا نستعطي من أحد، كي لا نتحول إلى مرتزقة، أما غير الموظفين، فلديهم مهنهم الحرة، وأشغالهم المتواضعة، ومن “تتعركس بوجهه يفزّ عند أحد المسائيل” فيساعده فورا.
  • من هم “زعران الحركة”؟
  • هذا المصطلح يطلق على جمهور الحركة في مناطق الشياح وخندق الغميق وحي السلم، وأغلبهم ليسوا منتسبين إلى الحركة، لم يدس معظمهم أرض مكتب للحركة، لم يشارك في مقاومة أيام الاحتلال، ولا بفعالية حركية، هؤلاء جمهور أمل بالقوة.
  • كيف يعني بالقوة؟
  • اللبناني بطبيعته يحب التحزّب، خصوصا للأحزاب الطائفية، لأن فكرة الدولة غير ناضجة كفاية في ذهنه، لأسباب تاريخية وعقد معينة لا أريد الكلام عنها الآن، ولاؤه للطائفة يطغى على ولائه للوطن. وهؤلاء الشباب، تنفّرهم القواعد الدينية الصارمة لحزب الله، ولا تشبههم السلوكيات والعادات الجديدة، التي استجلبها إلى مجتمعنا، لذلك وجدوا في الحركة ظلا يحتمون به، مكانا يشبههم، يتحدث بلغتهم…مثلا، هناك الكثير من الشيعة، يعترضون على طريقة تحويل ذكرى عاشوراء إلى مناسبة تعبوية تحمل أبعادا سياسية، ولديهم اعتراضات على طريقة الندب الجديدة وكلمات الندبيات، التي تمجد شخصيات إيرانية، إضافة إلى الترتيب المستفز والبذخ في الصرف على المجالس واللافتات والمغالاة في لبس الأسود والبكاء. كل من يعترض على ما تقدم يصبح تلقائيا وبالضرورة جمهور حركة أمل.
  • ما هو الفرق بين جمهور حركة أمل وجمهور حزب الله؟
  • جمهور الحركة يحب الحياة، بيروحوا على البحر، بيسمعوا أغاني، بيلطشوا بنات، بيلبسوا شورتات، كتار منهم ما بيصلوا ما بيصوموا، بيحضروا حفلات. هم مخلوقات عادية وليسوا من صنف الملائكة، ولا يتعاملون مع الناس بفوقية أو أنهم هبطوا إليهم من السماء، كي يهدوهم إلى الصراط المستقيم…بالقوة وبالعجرفة كمان. لا يهم أن تكون المرأة في الحركة محجبة أم سافرة، يوجد حركيات كثيرات غير محجبات، حتى المحجبات لا يخضعن لأي شروط شرعية صارمة، لا عباءات، لا أثواب شرعية، لا سواد. ممكن المرأة تسلم بالإيد، ممكن ترقص بالأعراس المختلطة، تدبك، تغني، تحط مكياج، تلبس تياب ملونة وتضحك!  أهم ما فينا أننا جمهور يضحك! شأننا شأن كل الناس، ولا نتعامل مع أحد على أساس أننا قادمون من كوكب برجوازي. يمكنك أن تلاحظي الفرق بين نسائنا ونسائهم، إذا شاهدت تلفزيون “أن بي أن” مذيعاتنا آخر موضة، أما مذيعات تلفزيون “المنار” فيشعرنك أنهن متهيئات للصلاة. نحن نمثل الوجه الحقيقي لمجتمعنا.
  • من هو الوجه الآخر؟
  • وجه ايران!
  • سألتك عن تراجع شعبية “الإستيذ”، ما هو سبب تراجع شعبية الحركة؟
  • الناس بدها تاكل!
  • هل تقصد أن حزب الله يشتري الناس؟
    • الحركة هي الحزب الوحيد في لبنان، الذي لا يعطي معاشات، نحن نحب قائدنا بدون مقابل مادي، بدون شروط، لا نملك حنفية مفتوحة، ولا مسكرة، ولا نقطة نقطة “نحن عايشين على بعل”. ومن يصبر على تعب الحياة ولا يقع في إغراء المال هو جمهور الحركة. الحزب منصرف عن الشأن الداخلي وهموم الطائفة، هو متفرغ لتنفيذ أجندة مشاريع إيرانية، وفي الطريق يحاول تطبيع المجتمع الشيعي، فيشتريه بالمال.
    • جمهور الحركة يتهم حزب الله بسرقة تاريخه، لماذا لم توثقوا تاريخكم وتنتجوا مسلسلات مثل حزب الله؟
  • لقد سرقوا منا كل شيء، بالمال، حتى تاريخنا في المقاومة سرقوه. سرقوا الشهيد أحمد قصير وعملية أنصارية وقتلوا قادتنا…سووا كل ما بنيناه بدمنا وعرق جباهنا بالأرض حتى يقدموا البلد لإيران وسوريا. سرقوا كل شيء، التاريخ يكتبه القوي. كنا عشوائيين وما زلنا، وكنا ملهيين بأشياء أهم، كانت أياما صعبة ونضالا مضنيا، لم نكن نملك رفاهية التفكير بإنتاج أفلام ومسلسلات وأمور كهذه. كان جمهورنا مجموعة من الفلاحين ومزارعي التبغ والعمال، وكان المتعلمون قلائل، مر علينا نضال جدي على الصعيد الاجتماعي والسياسي والعسكري. نحن أسسنا لنقلة المجتمع الشيعي من الفقر إلى البحبوحة، من الحرمان إلى الحقوق. أنظري أين كانت الشيعة قبل السيد موسى والصدر، وأين وصلت؟ نحن بصيص الأمل الذي توسع وصار شمسا. لولانا لظل الجنوب غارقا في العتمة والنسيان. تعرضنا لكثير من المؤامرات والحروب والنوايا الإلغائية والتحديات، وصمدنا، ومازلنا موجودين، مازال حضور “الإستيذ” مثل حضور الأسد في الغابة، الكل يخاف من وقع أقدامه، من غضبه، من زئيره، “مش هين هيدا كله في ظل هالمال” والميزانيات الضخمة، حركة أمل صامدة وجمهورها على وفائه رغم فراغ خزائنها.
  • من هو القوي؟ أنت تعترف أن الحزب أقوى من الحركة!
  • طبعا أقوى، من يملك المال يملك السلطة. الحركة مجموعة من الفقراء المشردين المشتتين في ضواحي المدن وعلى الهوامش، يجمعهم حب “الإستيذ”. نحن مثل فلسطينيي الشتات، تفرقهم أصقاع الارض ويجمعهم حب فلسطين. نحن أنصار “الإستيذ” الله يطول بعمره، بعد رحيله سنظل محافظين على خصوصيتنا المتمايزة، لأن مشروعنا مختلف، وهويتنا واضحة ويناقض مشروعهم، ولا يمكن أن نندمج في هكذا مشاريع. ولن نحب إيران أبدا. إيران لا تحب موسى الصدر، ولم تحزن عليه وكذلك سوريا، كلاهما لم يقطع علاقته بليبيا، كان حافظ الأسد والخميني والقذافي في خندق واحد. نحن أبناء الصدر، لا نغفر هكذا خطايا، ونحن المشروع الشيعي العربي الوحيد على الخارطة الشيعية في العالم الإسلامي.
  • هل تحب حزب الله؟
  • معلووووم… حزب الله إخواننا، بيننا رابطة دم.
  • وكل الكلام الذي قلته؟
  • قلته من باب النقد البناء!
  • من أنت؟
  • أنا شيعي لبناني من الجنوب، من عشاق دولة رئيس مجلس النواب “الإستيذ” نبيه بري، شخص شبه أمي وصلت إلى صف “البريفيه” ورسبت ولم أكمل تعليمي، ولكني مثقف سياسيا، كلنا في الحركة مثقفون. يوميا أشاهد البرامج السياسية على محطتنا “أن بي أن”، وفي العمل أستمع إلى إذاعتنا “الرسالة”، أتابع كل شاردة وواردة في البلد، وإذا غلط أحد بحق “الإستيذ”، أنزل فورا إلى الشارع، مع من ينزل، لنوقفه عند حده، ممنوع الغلط مع “الإستيذ”، نحن ندافع عنه باللحم الحي، بينما غيرنا يلجأ إلى الترهيب الأمني.
  • ماذا ستفعل الآن؟
  • سأستمع إلى أغنية للسيدة أم كلثوم!
  • أي أغنية؟
  • أمل حياتي!

 

 

إقرأ أيضاً