هنا القصة الثالثة

بادية فحص

مقالات الكاتب

أفلام ايرانية في كان من دون نواف الموسوي

كان لإيران حصتها أيضا في مهرجان كان السينمائي في دورته 71 هذا العام، فقد افتتحت فعاليات المهرجان بفيلم المخرج أصغر فرهادي “الجميع يعلم”، كما فاز فيلم “ثلاثة وجوه” للمخرج الممنوع من السفر جعفر بناهي بجائزة أفضل سيناريو.

سبق أن فاز في “كان” أيضا، المخرج الراحل عباس كيارستمي بجائزة “السعفة الذهبية” عن فيلمه “طعم الكرز”، كما حصلت الممثلة الفرنسية جولييت بينوش بفضل فيلمه “نسخة طبق الأصل” على جائزة أفضل ممثلة، أما بناهي نفسه فقد فاز سابقا بجائزة “الكاميرا الذهبية” عن فيلمه “تاكسي”.

هذا في “كان”. في مهرجانات سينمائية “غربية” أخرى، مثل مهرجان البندقية، برلين، جيفوني، نانت، فينيسيا، لوكارنو وترنتون وغيرها، تحضر الأفلام الإيرانية بقوة وتحصد جوائز مختلفة، ثم يعود صانعوها إلى بلادهم فتلقاهم بالترحيب والتكريم، وفي العام 2012 احتفلت إيران رسميا وشعبيا بأصغر فرهادي بعد فوزه بأوسكار أفضل فيلم أجنبي عن فيلمه “إنفصال نادر وسيمين”.

ورغم تنقل السينمائيين الإيرانيين من بلد غربي إلى آخر، عارضين بضاعتهم الفنية عائدين محملين بالجوائز، لم يسبق أن وجه مسؤول في البلاد، من موقع ديني أو سياسي، إلى أي واحد منهم تهمة الخيانة، أو أية تهمة من هذا القبيل، أو حتى استخف بعمل نال جائزة عالمية على نحو ما فعل نائب حزب الله اللبناني نواف الموسوي، وإذا حدث، فقلة غير مؤثرة من تسمعه أو تتأثر به. في المقابل تحرص وزارة الإرشاد التي تعادل وزارة الثقافة، على عرض الأفلام  المرضى عنها، والتي خضعت من قبل للرقابة، في صالات السينما المحلية، وتحث الجمهور على مشاهدتها، قبل مشاركتها في المسابقات العالمية، ويحتفي بها الإعلام الرسمي قبل الخاص، رغم تضمن معظمها نقدا مبطنا للنظام.

وربما يشكل هذا، أحد أسباب مقدرة السينما الإيرانية على إنتاج نحو مئة فيلم تقريبا في العام الواحد، بحسب وزارة الإرشاد طبعا. وتحتفل طهران كل عام، بشغفها بالفن السابع، أسوة ببعض عواصم العالم ومدنه، عبر تنظيم مهرجان “الفجر” السينمائي، الذي يتنافس صناع السينما “البسيطة” المشاركون فيه على الفوز بجائزة “العنقاء البلورية”. في دورته 36 التي أقيمت في شباط/فبراير الماضي، شارك في العروض الخاصة فيلمان أحدهما أميركي والآخر فرنسي، إضافة إلى 120 فيلما من 78 دولة.

هذا لا يعني أن السلطة في إيران متساهلة مع الفن السابع، بل على العكس يعاني صناع الأفلام في إيران من مقص الرقابة، الذي يشظي معظم أعمالهم ويفرغها من مضامينها، لذلك يلجأون إلى الترميز والاحتيال لتمرير رسائل معينة وقول ما هو ممنوع قوله بصراحة، بصيغة التلميح.

في أيام الشاه محمد رضا بهلوي، كانت المواضيع السينمائية عادية، أو حتى أقل من عادية، الأجهزة الأمنية كانت أكثر تسلطا على الحريات السياسية، وكان من الواجب أن تخرج السينما أعمالا تمجد الشاه من حين إلى آخر، عدا ذلك، كل أغراض السينما كان مسموحا تناولها. في زمن الثورة، برز تسلط مختلف على الإبداعات الفنية، هو إخضاعها لمنطق الحلال والحرام، بحيث يوضع كل مشهد سينمائي على ميزان الفتوى الشرعية، يجوز أو لا يجوز. لذلك يوجد اليوم، نوعان من السينما في إيران: سينما “الدفاع المقدس”، التي تنتج أفلاما عن الشهداء والقادة والحروب والثورة، وهي سينما تلقينية قاصرة من وجهة النظر الفنية، مهمتها الترويج لإيديولوجيات النظام ومعاركه الفكرية والعسكرية، عبر ما يعرف بالفن الطاهر، محرضوها معروفون وجمهورها محدود. وسينما “صناعة الحياة”، وهي سينما إيران الإبداعية، التي شغلت بال العالم وتخصصت باصطياد الجوائز، والتي برعت في صناعة حياة موازية، خارجة عن إطار الصورة النمطية التي يحرص النظام على إظهارها.

في “بلاد لا شيء فيها كما يبدو عليه”، تحتال السينما على الرقابة لتظل على قيد الحياة، وتحتال الرقابة على السينما لتستمد منها نوعا تفتقده من الحياة.

يُمنع بناهي من السفر إلى “كان” لتسلم جائزته وتنوب عنه ابنته، ويقرر فرهادي العمل خارج “الأكواريوم” لأنه وصل إلى حد الاختناق، أما الراحل كيارستمي فقد امتنع قبل سنوات من رحيله عن صناعة أفلام إيرانية بعدما انتفض على مقص الرقيب، بينما حصل طلاق دموي بين الثورة وابنها المخرج محسن مخملباف على خلفية مصادرة الرقابة لفيلمه “ليالي شارع زاينده” نحو ربع قرن، وفي الوقت ذاته، يحصد النظام، أو يحشر نفسه بهدوء وبذكاء في كل نجاحاتهم ونجاحات غيرهم ويلمع بهم صورته أمام العالم.  

 

 

 

 

 

إقرأ أيضاً