fbpx

هنا القصة الثالثة

سلطان الجلبي

مقالات الكاتب

أغاني الصراع في سوريا(2): أغاني السلطة حيث القائد والولاء ولغة الطائفة

هذا المقال هو الثاني بين أربعة مقالات تستند إلى نتائج بحث “ادلجة الغناء” الذي درست خلاله مضامين عينة شملت أبرز انماط أغاني الصراع في سوريا وهي: أغاني السلطة، الأغاني الجهادية، أغاني حزب الاتحاد الديموقراطي وأخيراً الأغاني الثورية. ويخصص كل مقال للحديث عن  نمط غنائي منها. البحث نال منحة منظمة “اتجاهات- ثقافة مستقلة” ضمن الدورة الخامسة لبرنامج ابحاث لتعميق ثقافة المعرفة..

غنى المطرب السوري جورج وسوف أغنية “تسلم للشعب يا حافظ” في “مهرجان المحبة” عام 1992 تمجيداً للأسد الأب مؤسس النظام الاستبدادي في البلاد، وبعد اندلاع الثورة بأشهر أعاد غناءها في “مهرجان القسم” في دمشق عام 2011 لكن مع تغيير كلمة واحدة لتصبح “تسلم للشعب أبو حافظ” في إشارة إلى بشار الأسد الابن، ذلك كل ما تطلبه الأمر لتبقى الأغنية صالحة للتداول في دولة الأسد بعد ثلاثين عاماً من إنتاجها.

الصفحة الرسميّة للرئاسة السورية على فايسبوك عام 2014- AFP-   وفيها تبدو زوجة الرئيس وهي تصافح الفنّان جورج وسوف بعد انتخاب بشار الأسد رئيساً لسوريا

على ذلك، يبدو توظيف الأغاني كأداة سياسية من قبل السلطة في سوريا، متشابهاً في عهدي الأسدين الأب والابن، لكن ليس تماماً، فبينما نجح حافظ الأسد في جذب كبار النجوم السوريين والعرب في زمنه ليمجدوه في أغاني أديت بلهجات والوان موسيقية مختلفة، وحملت في مضامينها قضايا الأمة العربية وفلسطين، لم ينجح الأسد الابن كثيراً في خلق ذلك المد العربي وبقي معظم المغنين له مطربين شعبيين أو نجوماً على المستوى المحلي السوري يؤلفون أغاني متشابهة في اللهجة واللون الموسيقي وغيرها. لكن التطور اللاحق والمثير في المشهد جاء مع الأغاني التي انتجت بعد اندلاع الصراع في سوريا عام 2011 حيث برز أكثر الوجه الطائفي للنظام ووصل التمجيد إلى حدود مبتذلة.

الكلمات الأكثر تكراراً في أغاني السلطة

تم تحليل عشرة من الأغاني الأكثر شهرة وانتشاراً من أغاني السلطة خلال البحث، ونتج عن التحليل اللغوي للأغاني أن الكلمات الخمس الأكثر تكراراً من حيث الكم في نصوص هذه الأغاني هي بالترتيب: “بشار الأسد، رجالك، سوريا، الكرامة، الدم والروح”.

الكلمة المفتاحية الأولى كانت “بشار الأسد” ومرادفاتها حيث تكررت بشكل صريح في 8 من أصل 10 أغاني في سياق التمجيد، وبلغ متوسط تكراراتها 10.6 مرات في كل أغنية. أما عدد المرات التي أشير فيها إلى الأسد من دون ذكره صراحة فكان أعلى بكثير. وتلك إشارة إلى درجة تمركز خطاب السلطة حول شخص الأسد كرمز أعلى كما في أغنية “يا بشار متلك مين” للمغني علي الديك.

الكلمة المفتاحية الثانية كانت “رجالك، جنودك” وغيرها من الألفاظ الدالة على الولاء الشديد للأسد، وقد تكررت في 7 من أصل 10 أغاني. بمتوسط 10.1 مرة في كل أغنية، وهذه الكلمة نوعاً ما امتداد لما قبلها وتشكلان معاً القيمة الأرفع في خطاب أغاني السلطة وهي الولاء للقائد. وإذا ما تذكرنا أن الأسد هو نفسه الذي تكررت مواقف اذلاله على يد حليفه الروسي بدءاً من وصول وزير الدفاع الروسي إلى قصره في دمشق من دون علمه، وصولاً إلى استدعائه إلى سوتشي على متن طائرة شحن روسية من دون وفد مرافق وغيرها من المواقف، يتضح درجة التزييف الفج للواقع الذي يتضمنه خطاب أغاني السلطة.

هل تنجح كلمات “بشار” الملحنة في تحويل المجرم إلى بطل في ذهن السوريين؟ في ذهن جيل جديد منهم ربما؟

أما كلمة “سوريا أو الوطن” فأتت في المرتبة الثالثة بمتوسط 7.6 مرات في كل أغنية، لكنها تكررت فعلياً في 6 أغاني فقط. والبارز هنا أن كلمة سوريا لم ترد بمفردها إلا في أغنية واحدة، بينما رافقتها كلمة “الأسد” أو مرادفاتها بشكل دائم في سياق الأغاني الـ5 المتبقية، وفي ذلك تجسيد لنزعة قوية لدى صانعي خطاب أغاني السلطة لربط الكلمتين معاً في الخيال الجمعي للمتأثرين بها وتثبيت فكرة لا سوريا من دون الأسد ولا وطن من دون القائد ( اغنية يريدو رحيلك صاحبة أعلى معدل مشاهدات بين أغاني السلطة للمغني كنان حمود)

في ما يتعلق بتوصيف طبيعة الصراع في سوريا لوحظ أن 7 من أصل الأغاني الـ10 وصفت الصراع بأنه “دفاع عن القائد والوطن” بشكل متلازم أيضاً. لكن الملفت في أغاني السلطة هو تجاهلها شبه الكامل لتوصيف “الآخر” الذي تخوض الصراع ضده، فمن يستمع لأغاني السلطة لا يكاد يعرف من هو العدو الذي تواجهه، حيث لم تتضمن 8 أغاني من أصل الأغاني الـ10، أي إشارة تدل إلى من هو العدو، ثمة تعمد هنا بإبقاء “الآخر العدو” مجهولاً وربما كان الهدف هو محو كل أثر له حتى لو كان ذماً في أغنية. وهي بالمناسبة سمة تتشاركها أغاني السلطة مع أغاني حزب الاتحاد الديموقراطي، عكس الحال مع الأغاني الجهادية والثورية. أغنيتان فقط من أغاني السلطة تضمنتا إشارة إلى الآخر، الأولى ذكرت “الخائن والمحتل” أما الأخرى فقد كانت أكثر جرأة وذكرت “الجيش الحر” في سياق التهديد بالإبادة، والأخيرة هي أغنية “يابو شامة” التي حصدت ثاني أعلى معدل مشاهدات بين أغاني السلطة ولعلها كانت الأغنية الأكثر تعبيراً عن ماهية نظام الأسد وخطابه الموجه إلى السوريين، فمثلا أغنية يابو شامة، نالت ثاني أعلى معدل مشاهدات بين أغاني السلطة وهي للمغني بهاء اليوسف..

موسيقى الطائفة في أغاني السلطة:

يتجلى الوجه الطائفي لنظام الأسد بوضوح عند تحليل أغاني السلطة وذلك من ناحيتين، أولاً من حيث هوية الأغنية حيث طغت سمات التراث الموسيقي الشعبي للطائفة العلوية في سوريا على معظم أغاني السلطة، وهي الطائفة التي ينتمي إليها بشار الأسد. 7 من بين الأغاني الـ10 الأكثر شهرة حملت سمات موسيقى الطائفة من حيث الإيقاع والنغم والآلات الموسيقية المستخدمة ولهجة الغناء، وهو ما تمكن ملاحظته في الروابط السابقة. أما الناحية الأخرى لتجلي العنصر الطائفي فهي حقيقة أن أكثر المغنين للسلطة مطربون ينتمون إلى الطائفة نفسها، ومن خلفهم طبعاً هناك موسيقيون وملحنون وكتاب وآخرون. قد لا يعني ذلك أن الطائفة هي الأكثر غناءً للسلطة بمقدار ما يعبر عن درجة الاهتمام الخاص لدى السلطة نفسها في استغلال الطائفة العلوية، واستخدام الألحان واللهجة الأكثر تأثيراً فيها، لبث خطاب “الولاء للأسد الحامي”.

أغاني السلطة الكثيرة والمتشابهة ما زالت تصدح هناك على حواجز الجيش وفي الكراجات ووسائل النقل وعبر الإعلام الرسمي والموالي لها، فتكرر اسم بشار بما لا يحصى من مرات كل يوم، تمجيداً لرئيس نظام قتل بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية وبالتعذيب في المعتقلات مئات آلاف السوريين، ويبدو أن هذه الوظيفة ستستمر بينما يجبر المجتمع الدولي مزيداً من السوريين على العودة والرقص على أنغام تلك الأغاني مجدداً.

هل تنجح كلمات “بشار” الملحنة في تحويل المجرم إلى بطل في ذهن السوريين؟ في ذهن جيل جديد منهم ربما؟

إقرأ أيضاً:

أغاني الصراع في سوريا (1) .. الجهاديون الأكثر حزناً وغضباً

إقرأ أيضاً