هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

أعزائي المدافعين عن بشار الأسد: بطلكم مجرم حرب

 

آسف للمقاطعة: أعلم أنكم مشغولون الآن تحاولون إقناع أنفسكم، وإيانا، أن بطلكم لا يمكن أن يكون قد استخدم أسلحة كيماوية لقتل ما يصل إلى 70 شخصاً في دوما التي يسيطر عليها المتمردون، في 7 أبريل/ نيسان. ربما كان طبيب روبرت فيسك الغامض على حق – وربما كان مئات الناجين وشهود العيان على الهجوم هم جميعاً “أطراف فاعلة في الأزمة”.

ربما كذلك لم يستخدم الأسد غاز السارين لقتل حوالى 100 شخص في خان شيخون التي يسيطر عليها المتمردون، قبل عام. توصل تحقيق مشترك أجرته الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية إلى “أدلة لا لبس فيها” على أنه قد فعل. كما تتفق “هيومن رايتس ووتش” و”هانز بليكس” على احتمال أن يكون الأسد هو الفاعل. لكن ربما كانوا كلهم مخطئين. أو ربما يتلقون أموالاً من “السي آي إيه”.

وجهة نظري هي: من يأبه بذلك؟ حقاً، من يأبه؟ سواء كان الأسد هو من استخدم الأسلحة الكيماوية في سوريا هذا العام، أو في العام الماضي، قد يكون ذلك مهماً لقادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، الذين قرروا شن غارات جوية غير قانونية وغير مبررة ضد نظامه، لكنه لا يغير حقيقة أن رئيس سوريا الدائم وحش ارتكب مجموعة واسعة من الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

أفهم تماماً لماذا هؤلاء في اليمين المتطرف الذين يدعمون فكرة (أميركا عظيمة مرة أخرى) ويفرحون بالبراميل المتفجرة لا يبالون بأي من هذا. لكنّ الآخرين المناهضين للحرب في أقصى اليسار ويكنون المشاعر  للدكتاتور في دمشق، أقول: هل فقدتم صوابكم؟ أو ألا تخجلون؟

تذكروا: مسألة استخدام الأسد أسلحة كيماوية في دوما، لا علاقة لها بالقضية الأخلاقية المُثارة ضده. ماذا عن بقية جرائمه؟ هل كان الأسد أقل إجراماً عندما كانت “عمليات القصف العشوائي” التي ينفذها، طبقاً لما ذكرته الأمم المتحدة، تدمر “المنازل والمرافق الطبية والمدارس والمرافق المائية والكهربائية والمخابز والمحاصيل” من دون الاستعانة بغاز السارين أو الكلورين؟ عندما كان يُلقي بالبراميل المتفجرة (68 ألفاً منذ عام 2012، وفقاً لإحدى الإحصاءات) على المدنيين العزل؟ أو القنابل العنقودية؟ أو القذائف التقليدية؟

هل كان الأسد أقل إجراماً عندما “فتحت قواته النار أمام الاحتجاجات التي قامت في الجزء الجنوبي من سوريا، وقتلت المتظاهرين السلميين في بداية الانتفاضة السورية في مارس/ آذار 2011، قبل فترة طويلة من وصول أي جهاديين إلى البلاد للقتال ضد نظامه؟ أو عندما قام جنوده بنقل الجثة المصابة بوحشية للمتظاهر غيثاث مطر البالغ 25 عاماً– لُقب “بغاندي الصغير” لالتزامه بالنشاط السلمي- إلى زوجته الحامل ووالديه في دراية في سبتمبر/ أيلول 2011؟

هل كان الأسد أقل إجراماً عندما كانت البراميل المتفجرة تجبر مئات آلاف السوريين على الفرار من ديارهم؟ وجد استبيان أجري في تشرين الأول/ أكتوبر 2015 للاجئين السوريين المقيمين في ألمانيا أن سبعة من كل عشرة يلومون الأسد على العنف المستشري في بلدهم، بينما ألقى واحد فقط بين كل ثلاثة باللوم على الدولة الإسلامية.

هل كان الأسد أقل إجراماً عندما كان يعذب عشرات آلاف السوريين –الذين انتهت بهم الحال قتلى أو مختفين- في زنازينه؟ صرح باولو سيرجيو بينهيرو، رئيس لجنة التحقيق المعنية بسوريا التابعة للأمم المتحدة، في فبراير/ شباط 2016 بأن “النطاق الواسع لوفيات السجناء يشير إلى أن الحكومة السورية ترتكب جرائم ضد الإنسانية ترقى إلى الإبادات”.

هل كان الأسد أقل إجراماً عندما كانت قواته الأمنية تجوّع سكان بلدة مضايا، التي تسيطر عليها المعارضة وتقع على بعد ساعة بالسيارة من دمشق، في 2015 و2016؟ وفقاً لمؤسسة أطباء من أجل حقوق الإنسان، توفي عدد كبير من سكانها بسبب سوء التغذية والجوع، واضطر آخرون إلى العيش على حساء مصنوع من العشب والأرز. تحدث بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، في يناير/ كانون الثاني 2016، عن الوضع في مضايا وغيرها من المدن التي يسيطر عليها النظام أو المتمردون، قائلاً:  “دعوني أكون واضحاً… استخدام التجويع سلاحاً في حرب هو جريمة حرب”.

هل كان الأسد أقل إجراماً عندما كان يقصف فلسطينيين عديمي الجنسية في مخيم اليرموك للاجئين ويحاصرهم، على بعد أميال قليلة من قصره الرئاسي، في 2012 و2013 و2014؟ ذكرت “منظمة العفو الدولية” في آذار 2014: “الروايات المروعة عن الأسر الفلسطينية التي اضطرت إلى أكل القطط والكلاب، والمدنيين الذين هاجمهم قناصة الجيش السوري وهم يبحثون عن الطعام، صارت كلها تفاصيل مألوفة جداً عن الرعب الذي تجسد في مخيم اليرموك”.

هل كان الأسد أقل إجراماً عندما كان أعضاء مخابراته سيئي السمعة يجلدون ماهر عرار بالكابلات الكهربائية عام 2003، بناء على طلب من الحكومة الأميركية وقبل فترة طويلة من بداية الربيع العربي عام 2011؟ كان الرئيس السوري شريكاً حريصاً في برنامج “التسليم الاستثنائي” لإدارة بوش، وصارت سوريا واحدة من أكثر الوجهات “شيوعاً” للمشتبه بهم. ونقلاً عن روبرت باير العميل السابق في وكالة المخابرات المركزية CIA: “إذا كنت تريد استجواباً جاداً، فأرسل السجين إلى الأردن. أما إذا أردت تعذيبه، فأرسله إلى سوريا”.

هل كان الأسد أقل إجراماً عندما كان يوجه الجهاديين من سوريا إلى العراق لتنفيذ هجمات انتحارية- ليس فقط ضد الجنود الأميركيين، بل ضد المدنيين العراقيين أيضاً؟ عام 2009 قال نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي: “تسلل 90 في المئة من الإرهابيين من جنسيات عربية مختلفة إلى العراق عبر الأراضي السورية”. وكشف مستشار الأمن الوطني العراقي السابق موفق الربيعي عام 2015 وقال: “اجتمعت بالرئيس بشار الأسد مرتين، وقدمت له أدلة مادية على أن قواته الأمنية متورطة في نقل جهاديين من سوريا إلى العراق”.

هل ستخبرني أن هذه كلها “أخبار كاذبة”؟ أو أنها دعاية مؤيدة للمتمردين أو للخليج؟ وأن أياً من ذلك لم يحدث؟ إن مئات آلاف القتلى المدنيين، أو ملايين اللاجئين، ليسوا خطأ الأسد؟ أو أن التعذيب ليس حقيقياً؟ أو أن اللاجئين الفلسطينيين جوّعوا أنفسهم؟ أو أن ماهر عرار اختلق الأمر برمته؟ أو أن غياث المطر قتل نفسه؟ حقاً؟

هل هذا الإنكار ضروري فعلاً؟ أهذه هي الطريقة الوحيدة التي تعرفونها لمعارضة السياسة الخارجية الأميركية الاستغلالية، أو التطرف المستوحى من السعودية، أو الانتهازية الإسرائيلية؟ أَمِن خلال إعفاء الأسد من جرائم الحرب الموثقة جيداً، وتشويه سمعة المنقذين الإنسانيين عبر القول إنهم من “القاعدة”، فيما تعتبرون ضحايا قنابله وأعيرته النارية من المدنيين، “إرهابيين”؟ أَمِن خلال تملّق إيران وروسيا للاستهزاء بالولايات المتحدة والسعودية؟ أليست هذه هي “مناهضة الحمقى للإمبريالية”؟

دعوني أكون واضحاً، قبل أن تلجأوا إلى الأعذار والاتهامات المعتادة، أو محاولة تشويه سمعتي كعميل لوكالة المخابرات المركزية أو للصهاينة أو للقطريين: نعم، ارتكب المتمردون السوريون حصتهم من جرائم القتل والخطف والتعذيب وكنت دائماً أنتقدهم، ولست في حاجة إلى سماع دروس منكم عن دورهم المشين في إطالة مدة العنف والفوضى في سوريا وتصعيدها.

ولكن إليكم هذا: يمكنكم إدانة الفظائع التي يرتكبها المتمردون والتدخل الغربي في سوريا من دون المبالغة في مدح الأسد، أو تقديم الأعذار له. هل نسيتم القول القديم عن المشي ومضغ العلكة في الوقت نفسه؟ أو عن أن عدو عدوي ليس صديقي؟ إدانة المتمردين ومؤيديهم لا تتطلب الدفاع عن الأسد ومؤيديه. ربما كان الأسد من وجهة نظركم هو أهون الشرين مقارنةً بـ”داعش”، لكنه لا يزال شريراً.

يمكننا أن نتجادل في ما إذا كنا سنؤيد منطقة “حظر الطيران” (لا أؤيد ذلك)، أو تسليح المتمردين (لا أوافق)، أو الغارات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة (أرفض ذلك)، أو تغيير النظام في دمشق (لا أوافق). ما لا يمكننا فعله، ولا ينبغي علينا فعله، هو الجدال على جرائم الحرب البشعة التي يرتكبها الأسد ضد شعبه. ما لا نستطيع أن نتغاضى عنه هو طبيعة نظامه الدنيئة والعنيفة.

الحقيقة هي أن بشار الأسد ليس مناهضاً للإمبريالية إطلاقاً،  وليس حصناً علمانياً ضد الجهاديين، بل هو قاتل جماعي، بكل وضوح وبساطة. في الواقع، حجز الديكتاتور السوري مكانه منذ فترة طويلة في “بانثيون” القتل الجماعي الملطخ بالدماء، إلى جانب أمثال هتلر وستالين وماو وبول بوت وهنري كيسنجر وجورج بوش. لا أستطيع التفكير في شخص على قيد الحياة اليوم، يداه ملطختان بالدماء أكثر منه.

لذا، لماذا تدافعون عنه؟ لماذا تخوضون في نظريات المؤامرة نيابة عنه؟ لماذا تقللون من جرائمه وانتهاكاته؟ أليس نفاقاً منكم أن تشجبوا باستمرار عنف الغرب أو دول الخليج أو المتمردين، بينما تتجاهلون أو تقللون من شأن العنف الذي يرتكبه الأسد؟

*مهدي حسن

الموضوع مترجم عن موقع the intercept ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً