هنا القصة الثالثة

حنان زبيس

مقالات الكاتب

“أسود البشرة وأفتخر”: بعد تجريمها قانونياً هل ستتمكن تونس من الحدّ من العنصرية؟

في الأيام الأولى لشهر رمضان، فوجئ التونسيون بإطلالة مقدم أسود البشرة على القناة الوطنية الأولى (التلفزيون الحكومي)، يقدم النشرة الجوية. إنها المرة لأولى التي تُعطى فيها فرصة لذوي البشرة السوداء من التونسيين، للظهور على شاشات التلفزيون، في بلد تفاقمت فيه ظاهرة العنصرية، بخاصة بعد الثورة. وصادقت أخيراً لجنة الحقوق والحريات في البرلمان على مشروع قانون يجرّم العنصرية في تونس، بانتظار المصادقة عليه في جلسة تشريعية الشهر المقبل.
المقدم يدعى محمد أمين إبارة، ويبلغ من العمر 29 سنة، حاصل على دراساتٍ عليا في الاقتصاد، وهو في الأصل موظف في شركة وعارض أزياء. شارك في “كاستينغ” فتحه التلفزيون الحكومي لاختيار مقدم من ذوي البشرة السوداء في محاولة لرفع بعض الظلم والتمييز اللذين تعانيانهما هذه الفئة. وهذا النوع من التمييز العنصري ظاهرة على رغم أن تونس من أول البلدان في العالم التي ألغت الرق والعبودية منذ 1846، حتى قبل فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، ولكن ذلك لم يساهم في تغيير العقليات التي ما زالت تعتبر ذوي البشرة السوداء مواطنين من الدرجة الثانية.
“أعتبر هذه التجربة مهمة بالنسبة إلي كشخص من ذوي البشرة السوداء وهي خطوة ايجابية للاعتراف بحقوق هذه الفئة” يقول محمد أمين، “ولكن يجب ألّا نقف عند هذا الحد، إذ من المفترض أن يحس كل تونسي في هذا البلد، مهما كان لون بشرته، بأنه يتمتع بالحقوق والواجبات ذاتها من دون تمييز”.
وعن مدى تقبل الجمهور تجربة تقديمه النشرة الجوية، صرّح محمد أمين بأنه تلقى ردود فعل إيجابية، خصوصاً لجهة “البهجة والإيجابية” اللتين استطاع بثّهما عبر الشاشة.
إلا أن هذه التجربة الفريدة من نوعها يجب ألّا تخفي واقعاً صعباً يعيشه ذوو البشرة السوداء في تونس، سواء كانوا تونسيين أو طلبة قادمين من بلدان أفريقية أخرى للدراسة أو العمل، إذ تتحول حياتهم اليومية إلى جحيم، بسبب النظرة الدونية والإهانات اللفظية وحتى الجسدية في بعض الأحيان.

إذ تُوجد مقابر خاصة بالسود في جربة، كما أن هناك فصلاً عنصرياً في الباصات في منطقة “القصبة” من معتمدية “سيدي مخلوف” التابعة لمحافظة مدنين في الجنوب التونسي، حيث يوجد باص مخصص للتلاميذ البيض وآخر مخصص للتلاميذ السود، الذين يلتحقون جميعاً بالمدرسة ذاتها.

تاريخ من التمييز
يقدر عدد التونسيين من أصحاب البشرة السوداء بـ15 في المئة من مجموع الشعب التونسي وينتشرون خصوصاً في المحافظات الجنوبية مثل مدنين، وتطاوين وقابس وقبلي. وكانت تمر عبر هذه المحافظات القوافل التجارية القادمة من الصحراء الأفريقية محملة بالبضائع وأحياناً كثيرة بالعبيد. وعلى رغم إلغاء الرق في تونس منذ منتصف القرن التاسع عشر، إلا أن فكرة العبودية بقيت موجودة في الذهنية وفي الألفاظ المستعملة في نعت السود مثل “وصيف” (عبد) أو “كحلوش” (أسود). وحتى بعد الاستقلال، لم يتغير الوضع إذ تواصل تحميل أصحاب البشرة السوداء ألقاباً تشير إلى أصولهم ك”عبيد” مثل “عتيق” (العبد الذي تم عتقه) أو “زيتون” (في إشارة إلى لون الزيتون الأسود).
ولئن كان من الصعب على هذه الفئة التعبير عن رأيها والمطالبة بحقوقها في ظل الدكتاتورية، فإنها اعتقدت أن وضعها سيصبح مختلفاً بعد ثورة 2011، بخاصة بعد أن نص الدستور الجديد على أن “كل التونسيين متساوون في الحقوق والواجبات من دون تمييز”. ولكن الأمر تعقّد أكثر مع تزايد الحوادث ضد أصحاب البشرة السوداء واستهدافهم من قبل مواطنين وصل في بعض الحالات الى حدّ محاولة القتل، في ظل غياب أي قانون يجرّم العنصرية.
اعتداءات متكررة وإفلات من العقاب
من أكثر الحوادث التي أثارت الرأي العام هي حادثة الاعتداء بسكين على ثلاثة طلبة كونغوليين (فتاتان وشاب) في تونس العاصمة من قبل شاب تونسي، على إثر مباراة كرة قدم بين الكونغو وتونس. وقد تسبب هذا الاعتداء في أضرار جسيمة بخاصة للفتاتين. نُظِّمت بعد هذه الحادثة، وقفة احتجاجية قام بها الطلبة الأفارقة في تونس اعتراضاً على الممارسات العنصرية ضدهم، ما جعل رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، يدعو مجلس النواب إلى إقرار قانون يجرم العنصرية.
ويعاني الطلبة الأفارقة في تونس من الاعتداءات المتكررة ومن ثقافة الإفلات من العقاب، إذ لا تتم متابعة الشكاوى التي يتقدمون بها إلى مراكز الشرطة، ما جعل عدد الملتحقين بالدراسة في تونس يتضائل من 12000 إلى 6000، بحسب تصريح الأمين العام لجمعية الطلبة والمتدربين الأفارقة في تونس، لموقع “وابدو” التونسي.
ولكن في ما عدا هذه الحوادث الكبرى التي تحرك الرأي العام من حين لآخر، فإن ذوي البشرة السوداء يتعرضون بشكل متواصل للإهانات والتشويه، سواء مباشرةً أو في صفحات التواصل الاجتماعي وحتى في صفحات الجرائد. كانت النقيبة السابقة للصحافيين في تونس، نجيبة الحمروني تعرضت لحملة تشويه ممنهجة من قبل صفحات “فيسبوك” القريبة من حركة النهضة الإخوانية بسبب تصديها لمحاولات حكومة الترويكا (2011- 2013) وضع اليد على قطاع الإعلام، وكان ذلك عبر السخرية من لون بشرتها. الشيء ذاته قامت به بعض الصحف الصفراء التي نشرت صوراً مشوهة لها ونعتتها بـ”الكحلوشة” (سوداء البشرة).
أشرف الشرقي، المدير الحالي لمهرجان أيام قرطاج الموسيقية تعرض بدوره لحملة تشويه ممنهجة منذ تعيينه في هذه الوظيفة، وذلك على خلفية لون بشرته، إذ كتب على صفحته في “فيسبوك”: “أنا فنان ومواطن تونسي وإنسان، وكوني أسود البشرة نعم وأفتخر… لكنني أحب الناس ولا أعايرهم بلون بشرتهم أو لون عيونهم أو طول قاماتهم أو قصرها أو عرقهم أو دينهم… اتركونا نعيش حياتنا وثقافتنا”.
ولا تقف صعوبة وضع ذوي البشرة السوداء في تونس، عند هذا الحد، إذ تُوجد مقابر خاصة بالسود في جربة، كما أن هناك فصلاً عنصرياً في الباصات في منطقة “القصبة” من معتمدية “سيدي مخلوف” التابعة لمحافظة مدنين في الجنوب التونسي، حيث يوجد باص مخصص للتلاميذ البيض وآخر مخصص للتلاميذ السود، الذين يلتحقون جميعاً بالمدرسة ذاتها. ويأتي هذا التمييز على خلفية زواج شابة بيضاء من منطقة مجاورة شاباً أسود من منطقة القصبة، من دون رضا أهلها، وهو ما اعتبره السكان سابقة خطيرة.
مشروع قانون يجرّم العنصرية تحت ضغط المجتمع المدني
أمام تفاقم الظاهرة، تحرّكت مجموعة من الجمعيات عام 2016 لتقديم مشروع قانون إلى البرلمان يُجرّم التمييز العنصري في تونس. يحتوي المشروع على عقوبات بالسجن تتراوح ما بين ستة أشهر و3 سنوات، وخطية تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف دينار ضد كل من يحرض على الكراهية والعنف على أساس معايير التمييز أو من ينشر أفكاراً في هذا الاتجاه. ويدعو مشروع القانون الدولة إلى التحلي بدورها في حماية ضحايا التمييز العنصري وضمان حصولهم على حقوقهم والحد من ثقافة الإفلات من العقاب، إلى جانب تطوير التشريعات في هذا المجال ونشر ثقافة حقوق الإنسان والوعي بقيم المساواة وعدم التمييز، في المؤسسات التعليمية.
هذا المشروع تم توليه من قبل مجموعة من 14 نائباً في البرلمان، منهم النائب جميلة الكسيكسي، وهي نائب سمراء البشرة، ولكن “للأسف لم يلقَ أولوية النظر من قبل اللجان في مجلس النواب” بحسب تعبيرها. إلا أن حادثة الاعتداء على الطلبة الكنغوليين والوقفة الاحتجاجية التي أعقبتها جعلت الحكومة تتحرك لتطرح في يناير/ كانون الثاني 2018 مشروع قانون جديد على البرلمان، صادقت عليه منذ أيام لجنة الحقوق والحريات. ومن المفروض أن يمر إلى المصادقة في الجلسة العامة بعد عيد الفطر.
لكن النائب كسيكسي ترى أن مشروع القانون الذي اقترحته الحكومة “مقتضب”، مقارنة بالمشروع الذي اقترحه المجتمع المدني، فهو يحتوي على 11 فصلاً فقط، في حين، يضم مشروع القانون الأول 36 فصلاً، كما أنه يحدد معظم المفاهيم ويوسع دائرة ما يمكن اعتباره تمييزاً عنصرياً.
وعن الصورة التي تنقلها اليوم كنائب، للمنتمين لذوي البشرة السوداء، تعتبر السيدة جميلة كسيكسي، أن وجودها في البرلمان ساهم في إعطاء الأمل لكثيرين وكسر الصورة النمطية الدونية حول هذه الفئة، حيث تقول “العديد ممن أقابلهم يقولون لي عندما نراكِ في البرلمان نشعر بأننا جزء من تونس”، مضيفة أن أملها اليوم بأن ترى آخرين من ذوي البشرة السوداء في مواقع القرار”. وتبقى الكسيكسي متفائلة بالمستقبل، معتبرةً أن إصدار القانون قد يساهم في تغيير العقليات.
تخالفها في الرأي سعدية مصباح، رئيسة جمعية “منامتي” المدافعة عن حقوق أصحاب البشرة السوداء في تونس، التي ترى أن “العقليات لا تُغيّر بأوامر ونصوص قانونية، وإن كان ذلك ضرورياً لردع المعتدين، وإنما لا بد من مجهود كامل تقوم به الدولة للتوعية والتنبيه إلى ثقافة حقوق الإنسان ومقاومة التمييز”. وتضيف أن الدولة مطالبة بتغيير البرامج التكوينية والتربوية وإعطاء فرصة أكبر لظهور ذوي البشرة السوداء في المناهج التعليمية وفي وسائل الإعلام. “كي لا يتفاجأ التونسيون بوجودنا إذا رأوا واحداً منا يقدم النشرة الجوية على شاشة التلفزيون”، تُعلق سعدية بسخرية قاتمة.

إقرأ أيضاً