fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

أزمة الأردن: آباء وبنون

أدّت الاحتجاجات الشعبيّة الواسعة في الأردن إلى استقالة رئيس الحكومة هاني الملقي وتكليف وزير التربية والتعليم عمر الرزّاز تشكيل حكومة جديدة. والقاعدة المعروفة المعمول بها في عمّان، منذ أيّام الملك الراحل حسين، تقول إنّ النجاح هو ما تعود عوائده على الملك، فيما الفشل هو ما يدفع رئيس الحكومة ثمنه.

هذه القاعدة جُرّبت غير مرّة في السابق، لكنّ العام 1989 شهد أكثر تجاربها حضوراً في الذاكرة: حينذاك، ولأسباب اقتصاديّة ومطلبيّة، انفجر ما بات يُعرف بـ “هبّة نيسان” التي انطلقت من مدينة معان في الجنوب وسريعاً ما انتقلت إلى السلط والكرك وإربد. بدا الأمر بالغ الخطورة كأنّه انفجار في البيت الداخليّ، الشرق أردنيّ، للنظام. يومذاك أقيلت حكومة زيد الرفاعي وحُمّلت المسؤوليّة كما كّلّف الأمير زيد بن شاكر تشكيل حكومة جديدة.

التذكير بأحداث 1989 يستند إلى أنّ “الهبّتين” حصلتا في شهر رمضان، وهما انطلقتا من أسباب اقتصاديّة حادّة فرضتها التنازلات للمؤسّسات الدوليّة، أمّا نتائجها فيصعب تصريفها في التنافس العصبيّ الفلسطينيّ – الشرق أردنيّ. هذا فضلاً عن أنّ “الهبّتين” طالتا قطاعات شعبيّة واسعة. صحيح أنّ مسائل فلسطين والعراق كانت تستقطب أعداداً كبرى إلاّ أنّ القابليّة لتنفيسها، بوصفها مجرّد ردّة فعل حماسيّة، كانت كبيرة أيضاً. لكنّ الأمر يختلف اليوم مثلما اختلف في 1989: يكفي القول إنّ الضرائب فُرضت على بيع 165 سلعة، فضلاً عن رفع أسعار الوقود والكهرباء والماء! إلى ذلك فالنظام، على عكس الحال في 1989، لا يملك الكثير من الرصيد الذي يُعينه على تهدئة الأردن. ذاك أنّ القناعة الشعبيّة تنطوي على اتّهام صريح للأسرة المالكة نفسها بالفساد، فكيف حين يتبدّى بوضوح سافر أنّ المطلوب تدفيع الفقراء والطبقة الوسطى أكلاف تلك الأزمة من دون تكبيد الأغنياء والفاسدين أيّة كلفة؟!

يبقى أنّ الانتقال من الملقي إلى الرزّاز لا يوضح بذاته الكثير. فالاثنان يتشابهان في تكوينهما التعليميّ، وبالتالي الفكريّ والإيديولوجيّ: الملقي نال شهادة الماجيستير في الهندسة الإداريّة من الولايات المتّحدة، ثمّ درس، أيضاً في الولايات المتّحدة، هندسة النظم والصناعة. أمّا الرزّاز فنال هو الآخر شهادة الدكتوراه في القانون ثمّ في التخطيط المدينيّ من الولايات المتّحدة، وفي جامعة هارفارد تحديداً، والأهمّ أنّه عمل مديراً عامّاً سابقاً للبنك الدوليّ في واشنطن وبيروت، وهو تحديداً المؤسّسة التي يُفترض برئيس الحكومة عمر الرزّاز أن يتمرّد على مطالبها!ثمّ إنّ الإثنين ابنا النظام ومؤسّساته: فالملقي كان وزيراً سابقاً لعدّة حقائب وزاريّة كوزارات المياه والريّ، والتموين، والطاقة، والصناعة والتجارة، ثمّ وزارة الخارجيّة. أمّا الرزّاز فرأس مجلس أمناء “صندوق الملك عبد الله للتميّز”، و”مجلس أمناء منتدى الاستراتيجيّات الأردنيّ”، و”لجنة تقييم التخاصّيّة في الأردن”، و”الفريق الفنّيّ الأردنيّ لإعداد الاستراتيجيّة الوطنيّة للتشغيل”، و”المؤسّسة العامّة للضمان الإجتماعيّ”.تبقى ثلاثة أشياء محدودة الأهميّة تفرّق بين الاثنين: الملقي من إربد والرزّاز من أصول سوريّة، والأوّل من مواليد 1951 والثاني من مواليد 1960، وأخيراً فالملقي نجل رئيس حكومة سابق هو فوزي الملقي الذي كان أوّل من تولّى هذه الرئاسة بعد تسنّم حسين العرش في 1952، فيما الرزّاز نجل منيف الرزّاز، القياديّ البارز في حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ الذي انتهى به المطاف في سجون صدّام حسين في بغداد، قبل أن يتوسّط له الملك حسين فيُنقّل إلى الإقامة الجبريّة حيث قضى في 1984، وليُدفَن، بناء على وصيّته، في عمّان.ما لا شكّ فيه أنّ “الاشتراكيّة البعثيّة” لمنيف الرزّاز لا تعني لابنه، الموظّف السابق في البنك الدوليّ، شيئاً يُذكر. لكنْ هل تخيّل الملك عبد الله، وسط قلّة الخيارات التي يملكها، أنّ شيئاً من ذاك الميراث قد يساعد في تخفيف تأثيرات البنك الدوليّ، أو في جدولة تطبيقها؟

إقرأ أيضاً