fbpx

هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

أربع سنوات أخرى من الرقابة في مصر

في إحدى أمسيات هذا العام ، كانت الراقصة الروسية إيكاترينا أندريفا ترقص في ملهى ليلي عائم على نهر النيل. قبل نهاية فقرتها لاحظ مديرها رجلاً في منتصف العمر يرتدي سترة جلدية يظهر أمام جمهور السياح. قال المدير: “عرفت على الفور أنه شرطي. توسلت إليه، من فضلك، فقط دعها تنهي عملها. امنحها 15 دقيقة”. وافق الشرطي. عندما أنهت أندريفا الفقرة، اصطحبها إلى السجن.

واستند اعتقالها الذي استمر أربعة أيام إضافةً إلى دفعها غرامة لاحقة، إلى اتهامات “بالتحريض على الفسق” بعد تصوير فيديو لعرض سابق ارتدت فيه زياً جريئاً وانتشر على نطاق واسع. (تم خلط هذه التهمة في ما بعد مع مخالفات تتعلق بتصريح العمل الخاص بها). هي الآن حرة ولا تزال في القاهرة، إذ لم تكن مشكلتها كبيرة. قال مديرها، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه خوفاً من جذب انتباه الحكومة غير المرغوب فيه، إن في مجال عمله كان هناك دائماً توتر مع السلطات، لكنه “يزداد هذه الأيام”.

ومع فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئاسة في الانتخابات الاخيرة، ومنذ أن استولى على السلطة من جماعة الإخوان المسلمين في انقلاب عام 2013، ازداد عدد الصحافيين والنشطاء في السجون حيث سحقت المعارضة ضد نظامه دورياً. كثرٌ من منافسي السيسي المحتملين للرئاسة هم الآن قيد الاحتجاز أو في انتظار المحاكمة. لكنه لم يتوقف عند قمع الأصوات المنتقدة إياه، حتى في إطار التعبير الليبرالي غير السياسي. شهدت مصر حملة على الفنون، بما في ذلك الرقص والموسيقى والكوميديا والمسرح. وقال جيمس لينش، نائب مدير “منظمة الشفافية الدولية”، وهي منظمة تتابع مسار السيسي منذ أول انتخابات خاضها عام 2014: “لقد شهدت البلاد زيادة في القمع ومحاولات للضغط على حرية التعبير بشكل أساسي”.

إن الفنانين يتعرضون للهجوم. على رغم أن هذا كان مألوفاً في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، إلا أن نظام السيسي يلاحق مجموعة أوسع من الناس على هامش التيار الرئيس للمجتمع. فقد شن حملات ضد المثليين والملحدين والأقليات الشيعية والبهائية في البلاد. فالرئيس الحالي أكثر تركيزاً من سلفه على كسب تأييد الجماهير، بمن فيهم المؤيدون المتدينون لخصومه من الإخوان المسلمين.

في بلد متدين مثل مصر، تكسب الدولة نقاطاً سياسية من خلال إظهار توجهاتها المحافظة. في حين قد يبدو حبس الفنانين المشهورين على خلفية ما يبدو أنه ذرائع واهية، خطوة سيئة في عام الانتخابات، قال تيموثي كالداس، وهو زميل في “معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط”، إن العكس هو الصحيح: “إن هذه الاعتقالات جزء من جهد منسق نيابة عن نظام السيسي، للعب دور أكثر نشاطاً في ضبط المجتمع الليبرالي”. إن القيام بذلك يسمح لهم بإصدار هذا البيان: “كوننا لا ننتمي إلى جماعة الإخوان فهذا لا يعني أننا لا نهتم بتقاليدنا أو قيمنا”، كما أوضح كالداس.

بعد أن استولت على السلطة في أعقاب ثورة شعبية ثانية، تشعر الحكومة التي يقودها الجيش بقيادة السيسي بالقلق من المصريين أكثر من نظام مبارك. قال كلداس: “كان الجميع يعلمون أن الجميع يكرهون مبارك عام 2011، لكن الناس اعتقدوا أنه لا يهم”. أُسقط مبارك في انتفاضة شعبية في ذلك العام. “ما حدث عام 2011 أعطى المسؤولين انطباعاً بأن كره الناس إياهم أمر خطير. وبالتالي يفضل السيسي تجنب ذلك. أعتقد أن هذا يشكل ضغطاً أكبر عليه، لتحسين صورته”.

ومع ذلك، فإن الاضطراب الذي حدث في فترة ما بعد الثورة لم يخلق الظروف المناسبة لإسعاد الشعب. أنهى السيسي فترة ولايته الأولى في مصر التي تعاني من تضخم من رقمين، وقيمة عملة منخفضة للغاية، ومستويات بطالة وفقر مرتفعة. في مواجهة هذه القائمة المخيفة من المشكلات الاقتصادية، يبدو أن الدولة ركزت جهوداً أكبر على قطف ثمرة تأديب المجتمع الليبرالي الأقرب إليها، كما قال كالداس، “ستظهر أنك تقوم بشيء ما. وسيتصدر العناوين ويتحدث عنه الناس بدلاً من التضخم، لبعض الوقت”.

لكن في حين أن مثل هذه الأفعال تعمل بلا شك على طمأنة العناصر الأكثر تحفظًا في البلاد، إلا أنه من السخرية أنها مجرد استعراض لإثارة إعجاب الشعب. على رغم معارضتها الشديدة للحكم الإسلامي في مصر، إلا أن الحكومة نفسها التي يقودها الجيش في القاهرة بعيدة من العلمانية. أضاف كالداس: “لا أعتقد أن هناك أي سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن الحكم العسكري أقل محافظة بكثير من الإسلاميين”. يظهر السيسي تديّنه بزبيبة الصلاة على جبهته التي تنتج عن تكرار السجود. في الواقع، يمكن القول إن تديّن السيسي هو الذي دفع زعيم الإخوان المسلمين محمد مرسي إلى تكليفه بمنصب وزير الدفاع. تابع كالداس: “إن الشخص العادي في القوات المسلحة أو جهاز الأمن لديه وجهة نظر أبوية تقليدية ومحافظة إلى حد بعيد عندما يتعلق الأمر بالدين”.

منذ أن أصبح رئيساً، أشار السيسي إلى أن هذه هي الطريقة التي ستسير عليها الأمور تحت إدارته. بعد فترة وجيزة من تولي السيسي المنصب، أعلن باسم يوسف، أشهر مقدم تلفزيوني ساخر في البلاد، والذي يُشار إليه باسم “جون ستيوارت من مصر”، توقف عرضه الليلي. يوسف، الذي كان يسمح له ببث برنامجه تحت حكم مرسي، أعلن قلقه على سلامة عائلته، وقال للصحافيين في ذلك الوقت: “المناخ الحالي في مصر غير مناسب لبرنامج سياسي ساخر”.

منذ ذلك الحين أصبح من الواضح أن الكوميديين الآخرين يواجهون الرقابة في مصر أيضاً. وشهد الشهر الماضي إلغاء “ساترداي نايت لايف أرابيا”، وهو برنامج مواقف كوميدية مصري مستنسخ من النسخة الأميركية. اتهمته “هيئة تنظيم وسائل الإعلام المصرية” بانتهاك “المعايير الأخلاقية والمهنية”، من خلال “العبارات الجنسية والتلميحات” المتكررة. رفض منتجو العرض التعليق على هذه القصة.

حتى المطربون لم يسلموا من الاستهداف. تصدرت المطربة المصرية شيرين عناوين الصحف في أواخر العام الماضي بعد أن ظهر تسجيل لها تمزح فيه عن إحدى أغانيها “ما شربتش من نيلها؟”، حيث شككت في حكمة الشرب من النهر الذي عانى تاريخياً من الطفيليات التي تنقلها المياه. قالت وهي تضحك إلى مجموعة من المعجبين في الإمارات العربية المتحدة: “اشرب مياه إفيان بدلاً من ذلك”. وفي فبراير/ شباط، تسببت هذه التعليقات في الحكم عليها بالسجن لمدة ستة أشهر لإهانة البلاد، ووفقاً للمحكمة، “نشر أخبار مزيفة”.

في ديسمبر/ كانون الأول، حُكم على شيماء، وهي أقل شهرة، بالسجن لمدة سنتين بسبب تصويرها فيديو “عندي ظروف” حيث يبدو أنها تأكل الفاكهة بصورة تحوي تلميحات جنسية. كما قبض على مغنية أخرى في يناير/ كانون الثاني بعد إصدار أغنية بعنوان ذي ألفاظ فاحشة. كلاهما متهمتان “بالتحريض على الفسق والفجور”.

في هذا الشهر، وقبل ساعات من العرض الافتتاحي لـ”ما قبل الثورة”، وهي مسرحية كان من المقرر عرضها كجزء من “مهرجان القاهرة للفنون المعاصرة”، ألغى المخرج أحمد العطار العرض بسبب الرقابة الحكومية. وجاء قراره بعد اعتقال ستة أشخاص في وقت سابق من هذا الشهر بسبب مسرحية اعتبرت مهينة لقوات الأمن.

مع سيطرة نظام السيسي على السلطة لأربع سنوات أخرى هذا الأسبوع، يبدو مستقبل التعبير الفني الليبرالي في مصر قاتماً. بالنسبة إلى العديد من المصريين الذين يحاولون الحفاظ على ثقافتهم، فإن الحياة اليومية أصبحت مشوبة بالحذر. قال مدير أندريفا: “لم يعد أحد آمناً في هذا البلد”.

هذا المقال مترجم عن موقع the atlantic ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً