هنا القصة الثالثة

يوسف بزّي

مقالات الكاتب

أربعة منتخبات عربية في مونديال 2018: الإنجاز غير المسبوق

أثمر تطور كرة القدم في العالم العربي، بالعقدين الأخيرين، حيازة أربعة منتخبات عربية على بطاقات التأهل إلى مونديال روسيا 2018.

خاضت مصر وتونس والمغرب والسعودية تصفيات قارية صعبة في كل من آسيا وأفريقيا، لنيل شرف المشاركة في بطولة كأس العالم. إنها المرة الأولى التي تنجح أربعة بلدان عربية دفعة واحدة في هذا الإنجاز الكروي. إنه حدث غير مسبوق.

ولفهم صعوبة هكذا إنجاز نشير مثلاً إلى أن حصة آسيا كلها هي أربعة مقاعد ونصف مقعد، وحصة أميركا الجنوبية أيضاً العدد نفسه، والقارة الأفريقية لها خمسة مقاعد فقط.

صحيح أن الدول الأربع لها تاريخ مونديالي، لكن وجودها معاً في مونديال واحد، يُعتبر قفزة نوعية في تاريخ كرة القدم العربية، وهو مؤشر إضافي على أن سياسة الاحتراف التي انتهجتها النوادي المحلية، وتزايد اللاعبين العرب في الأندية الأوروبية، حيث تحصيل الخبرات الثمينة، وانتظام البطولات القارية في آسيا وأفريقيا، على مستوى الأندية والمنتخبات، كلها عوامل تضافرت مع سياسات حكومية سخية في توفير بنى تحتية وميزانيات كبيرة من أجل تطوير كرة القدم الوطنية.

استراتيجية الاحتراف والثقافة الكروية

بعد عقود طويلة من استقدام اللاعبين الأجانب إلى النوادي المحلية وملاعبها، وما أتوا به من أساليب تكتيكية وفكر كروي، إضافة إلى الاعتماد على مدربين أجانب من مختلف المدارس الكروية منحوا النوادي والمنتخبات ثقافة تدريبية واسعة.. انتقلت كرة القدم في دول كالجزائر وتونس والمغرب ومصر والسعودية، وبدرجة أقل في دول أخرى كالكويت والإمارات، إلى مستوى الاحتراف وتخريج المواهب وصقلها، وإلى القدرة على وضع استراتيجيات طويلة الأمد في تكوين اللاعبين بالفئات العمرية المختلفة.

وما كان للكرة العربية أن تشهد هذه النقلة النوعية لولا “عولمة” هذه اللعبة، إثر ثورة الاتصالات وثورة المواصلات. يمكننا اليوم المتابعة المباشرة لأي مباراة في أي بقعة من العالم وتسجيلها. يمكننا السفر في اليوم نفسه إلى أي من الملاعب الأوروبية بسهولة قياسية. ويستطيع أي منتخب عربي أن يلاقي أي منتخب أجنبي في مباراة ودية على مدار السنة من دون عائق أو مشقة. هذا الأمر كان عاملاً حاسماً في اكتساب ثقافة كروية شاملة، وفي اختبار ومعرفة المدارس الأساسية للعبة.

العامل المهم هو الازدهار الاقتصادي الذي شهدته “صناعة” كرة القدم في تلك الدول العربية. ورغم غياب الشفافية في ميزانيات الأندية أو المنتخبات، إلا أن إعلان النادي الأهلي المصري عن ميزانية مليار جنيه في العام الماضي هي الأكبر في تاريخه (كانت بحدود 230 مليون جنيه عام 2015)، تعطينا لمحة عن النمو الهائل في المداخيل. ووفق قائمة فوربس فإن نوادي مصر وتونس والسعودية هي الأغنى في العالم العربي. إن رواتب لاعبي منتخب السعودية تصل إلى 32 مليون ريال، عدا عن رواتبهم التي يتقاضونها كمحترفين في أنديتهم. وتشكل مداخيل حقوق البث التلفزيوني، وتذاكر الملاعب المتكاثرة، والإعلانات العادية والمعلنين الرعاة والدعم المالي الحكومي، رافعة اقتصادية ضخمة تمنح الأندية والمنتخبات الوطنية إمكانيات غير مسبوقة في تحويل كرة القدم إلى “صناعة” متطورة.

الجمهور والرعاية الحكومية

لا كرة قدم من دون جماهير. وخلال العقود الثلاثة المنصرمة، تضخمت القاعدة الجماهيرية لهذه اللعبة على نحو بالغ السعة. ارتفع معدل الحضور الجماهيري في الملاعب السعودية في السنوات الثلاث الماضية إلى الضعفين (مليون وثلاثون ألف مشاهد لمباريات الدوري)، علماً أن النساء محرومات من دخول تلك الملاعب، كما يميل الشطر الأكبر من السكان إلى المشاهدة التلفزيونية في المنازل أو الأمكنة العامة.

بطبيعة الحال، لا يمكن الإحاطة بجملة عوامل وأسباب تطور كرة القدم في بعض الدول العربية من دون التطرق إلى دور السلطات العربية، وحرصها السياسي البالغ على نشر الاهتمام بكرة القدم. العائلة الملكية السعودية تتنكب مسؤولية مباشرة في إدارة النوادي وملكيتها وتمويلها. التنافس بين الفرق السعودية على حصد الألقاب يأخذ طابع التنافس بين الأمراء أنفسهم، طالما أن لكل أمير بارز ناديه الخاص. وهناك إضافة إلى بطولة الدوري، مسابقتان موسميتان: كأس خادم الحرمين الشريفين وكأس ولي العهد. الرعاية اللصيقة لكرة القدم هي سياسة ثابتة وبالغة الأهمية في ما قد نسميه إدارة “الترفيه” في بلد شديد التحفظ الاجتماعي، ويندر فيه الاحتشاد العمومي ونشاطاته خارج المساجد. هنا، تشكل كرة القدم وسيلة سياسية فاعلة في الضبط والترويح والتسلية، كما في الترويج الدعائي السياسي وتوفير البديل الرمزي للمنازعات الاجتماعية والهويات الجهوية والانتماءات الطبقية والميول الأيديولوجية.

في مصر، التي استضافت عام 2010 بطولة كأس الأمم الأفريقية وفازت بها للمرة الثالثة على التوالي (سبع مرات في تاريخها)، تحولت المناسبة إلى أهم منصة دعائية يومية لجمال مبارك، الذي حرصت كاميرات التلفزيون على إظهاره على نحو مفرط في المدرجات، وأثناء كل مباريات المنتخب المصري. جمال مبارك الشغوف فعلاً بكرة القدم كان حينها في ذروة ترويجه لنفسه كـ”وريث” لرئاسة أبيه. والدته سوزان كانت تشاركه الحضور لهذه الغاية. والأهم هو بروز جمهور جديد في الملاعب لا لمؤازرة الفريق الوطني وحسب بل لتأليف صورة جماهيرية جذابة لجمال مبارك. جمهور اتصف بكثرة الشابات والشبان المنتمين إلى الطبقة الوسطى وإلى طبقة الأثرياء الجدد، ومن أبناء رجالات الدولة والحزب الحاكم، عدا نجوم الوسط الفني ومشاهير السينما ورجال الأعمال. هؤلاء احتلوا المدرجات كما لم يفعلوا من قبل.

في العام الماضي، وفي ظهور نادر، منذ أن أطاحت ثورة يناير بـ”العائلة الحاكمة”، خرج الأخوان علاء وجمال مبارك على المصريين في العلن، ليشاركا لعباً في مباراة ودية مع قدامى لاعبي الزمالك والأهلي ونجوم كرة القدم المصرية السابقين. وتداولت صفحات التواصل الاجتماعي صورهما في المباراة بكثافة. وبالتأكيد، لا يمكن نفي الغاية السياسية من وراء هذا الخروج العلني عبر كرة القدم.

آخر مرة مونديالية لتونس كانت عام 2006. في تشرين الثاني الماضي خرج ملايين التوانسة إلى الشوارع وسهروا حتى الفجر احتفالاً بتأهل فريقهم للمرة الخامسة في التاريخ. هم أول منتخب أفريقي يفوز بمباراة في المونديال عندما تغلب على المكسيك 3-1 عام 1978.

من المهم التذكير أن الحبيب بورقيبة، حسب كتاب محمد حفظي الزليطني، اقترح عام 1936 على رفاقه في الحركة الاستقلالية، في أول مبادرة لهم بعد خروجهم من المعتقل الفرنسي، تأسيس فريق كرة قدم للحزب الدستوري. وكان بورقيبة عام 1931 عضواً في الهيئة الإدارية لنادي “الترجي” الذي يملك أكبر قاعدة جماهيرية. وهو النادي الذي سيترأسه سليم شيبوب، صهر الرئيس المخلوع زين العابدين، طوال سنوات.

صدام مصري سعودي مبكر

حتى الدول العربية التي لم تفز ببطاقة التأهل، استثمرت خوض منتخباتها للتصفيات المؤهلة في الدعاية السياسية وفي الترويج الإعلامي. لقد أصابت الحيرة معظم السوريين المعارضين للنظام في موقفهم من منتخب بلدهم الذي كان على وشك حجز بطاقة التأهل. نشب سجال سياسي حاد وعنيف بين جمهور المعارضة حول شرعية تشجيع منتخب يرعاه النظام، الذي بدا عبر كرة القدم كما لو أنه سجل هدفاً مهماً في مرمى خصومه.

بالعودة إلى البعد الرياضي المحض، يمكن القول أن صعوبة هذا الانجاز العربي التاريخي، بوصول أربعة من منتخباتنا، تتبدى أكثر حين نلتفت إلى تاريخ المشاركات العربية في هذا الحدث العالمي. مصر مثلاً هي أول دولة عربية شاركت في المونديال. تأهلت لأول مرة عام 1934، وانتظرت حتى العام 1990 كي تتأهل للمرة الثانية، ثم نالت بطاقة التأهل الثالثة بعد مضي 28 عاماً. ولأن السعودية دولة آسيوية حيث كرة القدم أقل تطوراً من القارات الأخرى، كانت أوفر حظاً في مشاركتها بالمونديال لأربع مرات (1994، 1998، 2002، 2006) وتتأهل للمرة الخامسة. تونس والمغرب أيضاً تأهلتا للمرة الخامسة. لم تستطع الدول العربية تجاوز دور الـ 16 أبداً. وفي هذا السياق لا تُمحى من الذاكرة “مؤامرة خيخون” بمونديال 1982، التي تواطأت فيها النمسا وألمانيا في تدبير نتيجة المباراة على نحو يقصي الجزائر من البطولة، على الرغم من فوزها التاريخي على ألمانيا الغربية 2-1 في واحدة من أكبر مفاجأت كرة القدم. كان من نتائج “مؤامرة خيخون” أن عدلت “الفيفا” خطة المباريات في البطولات اللاحقة، بحيث تُلعب مبارتي الجولة الثالثة فمن دور المجموعات في التوقيت نفسه منعاً للتلاعب.

في المونديال الحالي، وقعت السعودية ومصر بالمجموعة نفسها مع روسيا والأوروغواي. وإذا كانت الأخيرة هي الأعلى كعباً من المنتخبات الأخرى وستحجز على الأرجح بطاقة التأهل للدور الثاني، فإن الفرق الثلاث الباقية ستتصارع من أجل البطاقة الثانية، وهي متقاربة المستوى نسبياً. وإذا كان المنتخب الروسي يمتلك أفضلية الأرض والجمهور، فإن المنتخبين السعودي والمصري يدركان أن المواجهة المباشرة بينهما ستكون حاسمة في خطف ثلاث نقاط ثمينة، تمنح الأمل لأي منهما في مفاجئة روسيا والانتصار عليها. ولذا، فإن موقعة مصر – السعودية ستكون الأكثر إثارة.

تونس والمغرب

حظوظ المغرب ليست كبيرة إن لم يتفوق المنتخب على نفسه، ويحقق مفاجأة من العيار الثقيل، فهو وقع بمجموعة نارية تضم إسبانيا (المرشحة فوق العادة لنيل البطولة) والبرتغال (بطلة أوروبا 2016) والمنتخب الإيراني القوي. على “أسود الأطلس” تجاوز إيران وتحقيق التعادل على الأقل إما مع إسبانيا أو البرتغال.. وهذه مهمة صعبة للغاية.

وإذا كان المغرب في مجموعة “الموت”، فإن تونس وجدت نفسها محاصرة بمنتخبين أوروبيين، هما إنكلترا وبلجيكا، المرشحان بطبيعة الحال لنيل بطاقتي التأهل عن هذه المجموعة. يبقى أمام “نسور قرطاج” أيضاً التفوق على بنما والسعي لتحقيق مفاجأة كبيرة أمام البلجيك أو الإنكليز.

هناك قاعدة دائمة في كرة القدم: “لا نتيجة محسومة سلفاً”. متعة هذه اللعبة أن المفاجأة هي “أمّ” الملاعب. وواحد من المنتخبات العربية الأربعة، على الأقل، قادر على إدهاشنا ومباغتة العالم.

 

مين يوسف بزّي؟

إقرأ أيضاً