fbpx

هنا القصة الثالثة

إيمان عادل- صحافية مصرية

إيمان عادل- صحافية مصرية

مقالات الكاتب

“أخ كبير”: سلطة الأمن وسطوة الجمهور تحاصر السخرية

يصعب وضع برنامج “أخ كبير” الذي أذيع على مدار عام تقريباً في موقع “مدى مصر” ضمن البرامج الساخرة وبرامج “التوك شو” المعتادة، فالتجربة تحمل محفزات تجبرنا على الوقوف طويلاً أمامها.

أول هذه المحفزات هو توفير البرنامج مساحات للعب مع الرمز والأفكار الجديدة المكثفة التي لا تشترط بالضرورة ميزانية إنتاجية ضخمة، بدءاً من الديكور مروراً بالمضمون والموسيقى. فقد بدا مضمون “أخ كبير” الذي يقدمه ويعده رسام الكاريكاتير محمد قنديل والشهير بـ”أنديل” متناغماً مع هذه السخرية الواضحة بالديكور، السخرية من النوستالجيا ومن كل ما تم ترسيخه سواء على مستوى الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الدينية في مصر.

كما أن طرح البرنامج تحت اسم “أخ كبير” له دلالة في الوعي الشعبي المصري، باعتبار أن الأخ سلطته في الغالب غير ملزمة بالمقارنة مع سلطة الأب، فعادة ما تكون سلطة الأخ من باب النصح لا الالزام، وهو ما يوضحه ويؤكده أنديل بشكل هزلي من خلال استخدام ميكروفون يدوي عالي الصوت لتأكيد أنه “أخ كبير وكلامي غير مُلزم”. مع الظهور في غالبية  حلقات البرنامج بجلابية الرجل المصري الساخر، الذي يطلق كلاماً كثيراً وسريعاً، وهو الكلام الذي لا نعلم حجم عفويته وحجم ما هو معد مسبقاً منه.

حاول البرنامج التبرؤ من كونه سلطة على المشاهد، كما أنه كان واعياً لكي لا يكون للمشاهد سلطة على البرنامج، فلا مجال لسلطة متبادلة في هذه المساحة من الحلقات، وهو في حد ذاته مسار وجيه غير شائع في المشهد الإعلامي المصري.

أحاديث أنديل غير الملزمة لا تقدم النصح المباشر ولا تنشغل به، بقدر ما تطرح تساؤلات في قضايا اجتماعية وسياسية، كالفقر والبطالة وأزمة المياة، والانتخابات والأقليات والحريات هذه القضايا على جديتها استطاع أنديل أن يحكم شعرتها، هذه الشعرة بين السؤال الجاد وطريقة طرحه بصياغاته المتعددة سواء بطريقة ساخرة، أو حتى بطريقة المواطن المستسلم لخطاب السلطة ولخطاب الإعلام الرسمي، ووضع المشاهد أمام صدمة السؤال الذي يعد طرحه أشدّ تأثيراً في الوعي من التوجيه المباشر.  

ديكور البرنامج الذي نفذه “طه بلال” وجاء كمحاولة لتلخيص شكل المجتمع المصري بعد ثورة تموز/ يوليو، مروراً بمرحلة الانفتاح الاقتصادي في عصر السادات حتى اليوم أظهر ملامح هذا العصر، من خلال مجسمات تكاد تكون سائدة في معظم البيوت المصرية، لا سيما بيوت المنتمين إلى الطبقة الوسطى، الشريحة التي انعكست عليها أكثر من غيرها، ملامح هذا العصر.

أولى هذه المجسمات تمثال الكاتب الفرعوني الشهير والمكتبة المليئة بالكتب الدينية والتفاسير والمجلدات التي تعطي الانطباع بالانشغال أو التشاغل بالحالة التراثية أو الدينية، ليعكس شكل ومستوى الوعي الذي انحصر فيه العقل المصري طوال سنوات أو بشكل أدق مسألة القِدم المترسخة بشكل أفعل من قيم الحداثة.

ظهر في الديكور أيضاً التمثال الصغير لعريس يحمل عروساً تلبس فستان زفاف، والذي كان وما زال شائعاً في بيوت هذه الطبقة ربما لتجسيد شكل الطموح الراسخ داخل الأسر المصرية باحترام شكل الحياة الاجتماعية التقليدية القائمة على الزواج والإنجاب وتكوين العائلة كجزء من منظومة تحمس على اتخاذ المسار “المحافظ” اجتماعياً في شكل العلاقات.

أظهر الديكور إلى جانب ذلك الدبابة على شكل دمية والتي كانت شائعة أيضا خاصة في أيدي الأطفال ليضعنا أمام تساؤل لماذا تم ترسيخ الدبابة الدمية داخل ذكريات طفولتنا، وما الهدف من تكون جزءاً من تاريخنا الشخصي الذي لا يُنسى، وإلى أي مدى تنعكس الحالة السياسية برموزها كافة على حياتنا ولن تستثني حتى عالم الأطفال.

لم ينس طه بلال منفذ الديكور الاستعانة بأشهر الشعارات التي ميزت المجتمع المصري لفترة طويلة، أبرزها شعار النادي الأهلي الذي تم تكريسه كناد وطني يملك شعبية كاسحة وجماهير غفيرة، في مرحلة شهدت تفشي موجة النادي الأوحد والحزب الأوحد والرئيس الأوحد. كما استعان بشعار “النظافة سلوك حضاري” الجملة التي كانت وما زالت تُكتب على معظم أسوار الهيئات المصرية، خصوصاً المدارس الحكومية، ليبدو تأملها اليوم مثيراً للسخرية بعد تلخيص الحضارة ومضمونها بطريقة شكلية لتتحول مع الوقت عبارات كليشيه.

قراءة تجربة الديكور في برنامج “أخ كبير” تعيد مرة أخرى أهمية اعادة الالتفات إلى دور هذا الفن الذي تم طمسه تقريباً من البرامج كافة، أو بمعنى آخر تم تحييده تماماً عن أي رسالة أو مضمون، فاستدعاء مفردات من النوستالجيا المصرية والتعامل معها بطريقة تبدو ساخرة حتى من فكرة النوستالجيا ذاتها خطوة لم نعهدها في مصممي ديكور البرامج لسنوات طويلة.

موسيقى موريس لوقا القريبة بشكل كبير من موسيقى الشارع والمهرجانات، حاولت هي أيضاً توفير انطباع عن شكل الحياة المصرية الصاخبة.

اعتقد أن مسألة اللعب بمهارة على المساحات الدقيقة التي تفصل بين الأشياء والمفاهيم لعبة لا يدركها كثيرون من منتجي البرامج الساخرة، فالوعي بالمساحة بين السخرية والجدية، وبحجم الارتجالية أو العفوية وحجم القصدية، ميز برنامج تجربة “أخ كبير” بين برنامجين من أشهر البرامج المصرية في هذا الاتجاه برنامج “البرنامج” وبرنامج “جو شو”.

“جو شو” الذي يقدمه التلفزيون العربي، استسلم بشكل كبير لتوجيهات المال السياسي الممول للبرنامج إلى جانب الوقوع في فخ الهزل أكثر من السخرية، فهو لا يعي ربما المساحات التي تفصل بين المفهومين إلى جانب ما يغيب عن برنامج جو شو من وعي فكري جاد يسبق هذه السخرية أو الهزل، حتى أن إدارة هذا الهزل تكاد تكون غائبة.

وعلى صعيد برنامج “البرنامج” لباسم يوسف، فقد استهلك بشكل كبير مسألة المفارقات لإثارة الضحك كما لعب على فكرة الاستعراض لجذب المشاهد سواء كان الاستعراض في الأداء أو من خلال العروض التي استعان بها لملء فراغ ذهني فضلاً عن التوجيه الواضح غير المفرط في الجهد.

“أخ كبير” هو ابن مرحلة تشبهه كثيراً وتحتاجه، مرحلة ستوجب التفكير والتساؤل والمساءلة، أكثر من الفورة الثورية التي غلبت بنبراتها العالية سواء بالصياح الغاضب أو بالتوجيه المباشر، مرحلة “قبيحة الألفاظ جميلة الأهداف” تشبه وصف أنديل لبرنامجه، تبدو أهدأ لكنه هدوء لن يرحم أحداً من المساءلة الرزينة، الممزوجة بالسخرية اللاذعة، وستبدأ خطابها للجميع بجملة أنديل الشهيرة “أزيكم يا كسمكم”.

تحدث “أنديل” في حوار صحافي سابق عن تجربة برنامجه الساخر “راديو كفرالشيخ الحبيبة” أن فكرة انطلاقة البرنامج وتنفيذه جاءت حينما كان عالقاً هو وصديقه رسام الكوميكس هشام رحمة داخل السيارة في نفق الأزهر ومن شدة الاختناق المروري، قررا ابتكار برنامج “راديو كفر الشيخ الحبيبة” وبثه فورا ًمن داخل السيارة، ويبدو أن رمزية النفق ظلت تلاحق أنديل حتى في برنامجه “أخ كبير” الذي ولد هو الآخر في مرحلة اختناق سياسي وازدحام إعلامي يعرقل طريق السير ويعيق سيولة التجارب المختلفة غير المنتمية إلى مظلة الخطاب الرسمي، وعلى رغم ذلك وجد أن هذا الاختناق قد يحتمل ولادة تجارب جديدة حتى لو بدأت من حيز ضيق ثم ما تلبث أن تنتشر.

وبمناسبة الحديث عن الانتشار، أتذكر محادثة إلكترونية دارت بيني وبين الزميل المغربي سعيد ولفقير، كان قد بادر خلالها بالحديث معي عن برنامج “أخ كبير” الذي يتابعه بحماس من المغرب قال فيها “هذا البرنامج يعبر عن دول المنطقة كلها، متفرد، والسخرية فيه بالتبني، كما أن توظيف السبحة وكذلك العباءة السوداء والخلفية والاضاءة، له سياقاته وليس مجانياً، كما أن اسم “الله” في الخلفية ينتقد مسألة البطريركية والمركزية المتأصلة من فوق بغض النظر عن فكرة الإله والأبوية، وهناك حلقات أعيدت مشاهدتها أكثر من مرة كحلقة الاكئتاب مثلاً”.

لم يستغرب الزميل سعيد ولفقير حينما أخبرته أن برنامج أخ كبير قد توقف “لسوء الأحوال الجوية” كما أعلنت منصة مدى مصر، وعلى رغم الطريقة الساخرة التي أعلنت بها مدى مصر سبب توقف البرنامج إلا أن كثيرين لن يختلفوا على تفسير ما تحمله عبارة “سوء الأحوال الجوية” من أبعاد أمنية ساهمت في توقف البرنامج، لكن تجربة عرض جديدة يطرحها أنديل في لبنان على مسرح مترو المدينة، قد تكون مناسبة لتجربة حالة جوية قد تستوعب هذا اللون من السخرية.

إقرأ أيضاً:

السيسي والشريرة أبلة فاهيتا

الجميع تحت المراقبة.. النظام في مصر يستهدف وجوه ثورة يناير

إقرأ أيضاً