fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

أحزاب المسيحيّين اللبنانيّين: أين تتّفق وأين تفترق؟

تنشطر الحياة الحزبيّة لمسيحيّي لبنان إلى أحزاب ثلاثة: التيّار الوطنيّ الحرّ، والقوّات اللبنانيّة، والكتائب اللبنانيّة.

الأحزاب الثلاثة يجمع بينها الكثير، لكنْ يفرّقها الكثير أيضاً:

في طليعة ما يجمعها دفاعها عمّا تعتبره مصالح المسيحيّين وموقعهم الوازن، أو الراجح، في التعايش مع المسلمين، وكذلك الولاء لإجماعات “مسيحيّة ديمقراطيّة” قد تنحطّ في لحظات التوتّر والخوف الأقلّيّ إلى رغبة ميليشياويّة، موازية للدولة، تتولّى توفير “حماية” المسيحيّين بدلاً من دولة “عاجزة”، ترافقها غالباً زفرة مصعّدة في معاداة الغريب وتحميله الأوزار. وتجمع بينهم أيضاً أصول، في الفكر والممارسة، ضاربة في الميراث الريفيّ، وتقاطعٌ في التاريخ والرموز: فالقوّات تفرّعت عن الكتائب، والتيّار لم يكن في أصوله الجبليّة بعيداً عن البيئة الكتائبيّة – الشمعونيّة كما بلورتها انتخابات 1968 لـ “الحلف الثلاثيّ” ثمّ مواجهة 1973 و”حرب السنتين”. أهمّ من ذلك الموقعُ الذي يحتلّه، لدى الثلاثة، بشير الجميّل، الكتائبيّ ونجل مؤسّس الكتائب، ولكنْ أيضاً مؤسّس القوّات الذي كان ميشال عون أحد مستشاريه. هذا فضلاً عن أنّ بشير “القوّاتيّ” الذي انتُخب رئيساً للجمهوريّة، هو من خفّفت العونيّة لونه المليشياويّ لصالح لون دولتيّ – مؤسّسيّ لم يُجرّب، وهذا ما استُخدم على نطاق واسع لاحقاً، إبّان صراع القوّات كميليشيا والعونيّين كجيش في “حرب الإلغاء” مطالع 1990.

تشترك هذه الأحزاب أيضاً في نزوعها السلاليّ. ففي الكتائب، تواصلت زعامة بيار الجميّل عبر النجلين بشير وأمين والحفيد بيار، انتهاء بالحفيدين سامي ونديم. أمّا التيّار فانتقلت رئاسته إلى الصهر جبران باسيل مصحوبةً بنيابة الصهر الآخر شامل روكز، فيما احتلّت ستريدا جعجع، زوجة سمير، منصباً نيابيّاً عن القوّات، هي التي يمضي المنشقّون عن التنظيم في اتّهام زوجها بتحكيم الاعتبار العائليّ ومنحه الأولويّة.

وهذا، في واقع الحال، إنّما يجمع قيادات الأحزاب المسيحيّة بسائر القيادات اللبنانيّة، مسيحيّين كانوا، كآل فرنجيّة، أو غير مسيحيّين، كآل جنبلاط ومؤخّراً آل الحريري.

فتناول هذه الظاهرات إذاً يفترض سلفاً أنّ البُنى ما قبل الحديثة إنّما تحدّ من حداثيّة التراكيب الحزبيّة، بل تفرّغها. وهو ما يحمل على وضع الحزبيّة اللبنانيّة عموماً بين مزدوجين، جاعلاً كلّ نقاش إيديولوجيّ أو برنامجيّ معها نقاشاً نسبيّاً.

أمّا في الخلافات والاختلافات بين الأحزاب الثلاثة، فهذا ما يمكن أن نلحظه في المواقع الاجتماعيّة، الطبقيّة والمناطقيّة، حيث للقوّات ركيزة بشرّاويّة – شماليّة، وللكتائب ركيزة مَتنيّة، كما تحظى القوّات بتمثيل أوسع للشرائح الأفقر والأضعف رسملةً قياساً بالتيّار والكتائب. وهذا ما يعكس ظلّه على الحساسيّات والتوجّهات التي هي، بمعنى ما، اختلاف في مقادير العناصر التي تشكّل مُركّب الوعي المشترك. هكذا نلقى، مثلاً، سامي الجميّل أشدّ تركيزاً على التحديث والمسائل “الحضاريّة” التي لا يبعد عنها كثيراً سمير جعجع، وإن كان أكثر انشداداً إلى مسائل الحرمان والفقر، وإلى نبرة إنشاء جبرانيّ حول “الإقطاع”، بينما يقدّم جبران باسيل وتيّاره عيّنة زئبقيّة جدّاً، إذ بعد تشديدهما على الفساد، كموقف سياسيّ وأخلاقيّ متعالٍ، يسحبان هذا المفهوم – التهمة من التداول ليُحلاّ محلّه العداء للغريب. وبعد حدّة نضاليّة في مقاربة “الاحتلال السوريّ”، يسود “التفاهم” مع حزب الله والانفتاح على نظام الأسد.

بيد أنّ ما يساهم في تفسير الكثير من الخلافات والاختلافات المشار إليها أعلاه، إنّما يتّصل بتاريخ التجربة الحزبيّة نفسها وظروفها، وبالسياق العريض الذي حكمها: فالكتائب ابنة الحقبة الاستقلاليّة واستمرارها في الشهابيّة وصولاً إلى اندلاع الحرب.

في هذا المعنى فإنّ ضمورها هو من ضمور ذاك اللبنان نفسه. فالكتائب حزب تفاوضٍ دائم على السلام والتعايش ينطوي، ككلّ تفاوض، على تهديد بالحرب، لكنّه حكماً ليس حزب حرب.

إلى هذه الخلفيّة جاء عهد أمين الجميّل (1982-88) ليوصل الكتائب إلى الذروة التي يسعى إليها كلّ حزب، بوصفه أداةً لبلوغ السلطة. إلاّ أنّ العهد المذكور نفسه نمّ عن محدوديّة ما يمكن إنجازه عبر تلك السلطة، بل باشر نوعاً من العدّ العكسيّ الذي انكشف معه تقلّص الحجم والدور المسيحيّين في قدرتهما على إسناد “حكم مسيحيّ”.

هذه الخيبة، المعطوفة على نهاية لبنان القديم، رافقتها يقظة المناطق والجماعات (والأجيال) على خصوصيّات ما عاد في وسع الهويّة الكتائبيّة (المتنيّة) أن تحتويها أو تمثّلها.

هكذا تبدو الكتائب وكأنّها تبحث عن وظيفة تبرّر استمرارها، فيما يبدو رئيسها سامي الجميّل صاحب محاولة تهجس باللحاق بمستجدّات لا تملك عدّة الحزب القديمة أدوات فهمها والتعاطي معها.

أمّا القوّات فابنة الحرب، حرب السنتين في نهاياتها ثمّ حرب الأشرفيّة ومن بعدها حروب الثمانينات، لا سيّما في الجبل وزحلة… ولئن كانت تجربة الكتائب قد علّمتها حدود السلطة، فإنّ تجربة القوّات انطوت على إدراك عميق لحدود الحرب. فهي لم تُفض إلى هزيمة فحسب، بل تأدّى عن نهايتها سجن سمير جعجع نفسه.

وقد يصحّ القول إنّ لحظة الازدهار والتتويج القوّاتيّين هي 14 آذار 2005. ففي هذا اليوم حصل تسليم واسع من المسلمين بمقدّمات أصليّة في الإيديولوجيا القوّاتيّة الموروثة عن الكتائب. وفي وسع تجربة كهذه أن تعلّم أصحابها درساً مفاده أنّ السياسة أكثر إفادة من الحرب، وأنّ العمل مع المسلمين، وقد “تلبننوا”، يوصل إلى حيث لا توصل القطيعة معهم.

في المقابل، لم يأت “التيّار” من تجربة كالتجربة الكتائبيّة كشفت حدود السلطة، ولا من تجربة كالتجربة القوّاتيّة كشفت حدود الحرب. إنّ معاناته الأبرز دارت حول إيصال ميشال عون إلى رئاسة الجمهوريّة.

فـ “التيّار” ابن الاختلاط والبعثرة لأواخر الثمانينات، وابن الحروب الغرائبيّة التي انتهت بنفي عون إلى فرنسا. بعد ذاك طرأت صدامات مع سلطة الوصاية لكنّها لم ترق إلى حرب، وقد حفّ بها حسد حيال رفيق الحريري الذي أقام علاقات وثيقة مع “الغرب” من دون أن يكون مسيحيّاً، كما لازمتها قلّة ثقة عميقة بالمسلمين الذين تجاهلوا “التهميش المسيحيّ”، في عهد الوصاية، وحاولوا الاستفادة منه، وبعد انتهاء الوصاية أنشأوا “التحالف الرباعيّ” لضمان استمرار ذاك التهميش بأشكال أخرى.

فلا الطابع السلبيّ للسيرة العونيّة ولا المُياوَمة المتضاربة التي وسمت مواقفها سمحا للتيّار بتطوير معنى سياسيّ. لقد حصل توسّعه بفعل عوامل عدّة أحد أبرزها الإنهاك الذي أصاب الكتائب والقوّات. أمّا معارضة الطائف فعمّقت الغربة عن فهم الحياة السياسيّة كما صاغها الطائف، وضاعفت الافتقار إلى أدوات ذاك الفهم جاعلةً السذاجة موقفاً مبدئيّاً. وهذا إنّما أسّس خواء صلباً وزاد في التعويل على ضرورة اللحمة الجامعة التي تموّه الخواء وضعف المعنى.

هنا تحضر صورة ميشال عون و”العهد القويّ” كموضع إجماع سامٍ، كما يحضر تصعيد النبرة ضدّ الغريب، أو نفخ الروح في الاغتراب اللبنانيّ الذي صار “انتشاراً” (ما يلخّص “النهج” السعيد عقليّ في حلّ المشاكل: نحن لم نهاجر طلباً للعمل، بل انتشرنا بهدف نشر الحضارة والتمدّن).

إنّ العونيّة كناية عن عناوين مبعثرة ومُياوِمة يرافقها استدراج للدراما بوصفها قالب الحياة السياسيّة التي تعاني نقص الحياة ونقص السياسة في آن معاً.   

إقرأ أيضاً